منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – الأم المكلومة

حسن العلام

0

مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – الأم المكلومة

بقلم : حسن العلام

نواصل عرض الإبداعات التي وصلتنا من الأدباء والمبدعين، استجابةً لنداء المشاركة في مشروع وجوه الطوفان تشعل المجد؛ مشروع أدبي–مسرحي تربوي يسعى إلى إعادة تشكيل صورة البطولة الفلسطينية في قالب رمزي حيّ، يربط بين الواقع والرموز القرآنية والتاريخية، ويحوّل القصص الواقعية إلى مشاهد درامية تُضيء القيم الكبرى: الصبر، الثبات، القيادة، الجماعة، الاستشهاد. ليست الغاية مجرد توثيق أحداث، بل بناء سردية تربوية تُخلّد وجوهًا صنعت المجد، وتقدّمها للأجيال كنماذج ملهمة، تُغني الذاكرة وتُشعل الإيمان.

نبذة عن القصة الواقعية

القصة تنطلق من مشهد حيّ في غزة، حيث القصف المتواصل خلّف آلاف الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا أزال أحياء كاملة من الخريطة. وسط هذا الخراب، تظهر الأم المكلومة أمام المستشفى في حالة صدمة شديدة، تصرخ باحثة عن أولادها الذين اختفوا تحت القصف. كلماتها الموجعة تكشف عمق الفاجعة: فقدت أبناءها وهم جوعى، لم يتذوقوا الطعام قبل أن يرحلوا. شهادتها أمام الناس تتحول إلى صرخة ضد الظلم، وتلخّص مأساة الأمهات في غزة اللواتي يعشن الفقد والجوع والنزوح في ظل حرب لا ترحم.

تقديم قصير للقصة الرمزية

في السرد الرمزي، تتحول الأم المكلومة إلى رمز للجرح الفلسطيني المفتوح. صرخاتها المتكررة: «أين الأولاد؟»، وصرختها بأنهم ماتوا جوعى، تصبح مشهدًا دراميًا يختزل معنى النكبة المستمرة. حضورها أمام المستشفى، بين الركام والدموع، يرمز إلى الأم الفلسطينية التي تحمل وحدها عبء الفقد والذاكرة. القصة الرمزية تُظهر أن المقاومة ليست فقط في السلاح، بل أيضًا في شهادة الألم التي تفضح القهر وتحوّل الحزن إلى وعد بالثبات. إنها تقدم نموذجًا تربويًا للأجيال: أن الأم، حتى في أقصى لحظات الانكسار، تبقى شاهدة على الحق، وصوتها يظل يدوّي ضد الظلم.

القصة الرمزية: الأم المكلومة

يتصاعد عدد القتلى في القطاع ليتجاوز ال1000 شهيد.

ويرتفع مجموع الجرحى ليصل إلى ال5200 جريح.

القصف لا يتوقف، دمار هائل وواسع عم مناطق وأحياء قطاع غزة.

بعد أشهر من القصف المكثف،

أضرار جسيمة لحقت بالبنيات التحتية، وتظهر الشوارع ومن كل الجوانب مغلقة بفعل كتل خراسانية متراكمة قد تتطلب سنوات  لإزالتها.

مناطق أخرى في الشمال تبدو كأنها أزيلت من خريطة فلسطين بشكل تام.

عائلات بلا مأوى ولا لباس يستترون به، بلا أكل يسدون به رمق جوع طالت مدته.

وسط هذه الأجواء، وأمام إحدى مستشفيات غزة، لوحظت تحركات أصبحت مألوفة لدى الجميع،

مسعفون يحاولون مساعدة بعضهم على حمل جريح، مصاب — ربما يعيش آخر لحظات العمر– ينقلونه بسرعة لتقديم إسعافات أولية —  إن بقي في المستشفى أدوات ودواء إسعاف —

بينما في جانب آخر، تظهر عربة يجرها حصان، وعلى متنها طفلان يبدو أن آثار غبار قصف جديد أخفت ملامح وجههما.

وسط هذه الأجواء العصيبة المحزنة والتي أصبحت مألوفة منذ بدء طوفان الأقصى، وبشكل مفاجئ يسمع صوت امرأة وهي في حالة نفسية صعبة، يبدو أنها فقدت أكثر من فرد واحد من أسرتها الصغيرة، وعند الاقتراب منها، تبين أن قصفا للتو نفذته آليات العدو كان سببا لتظهر فيه تلك المرأة في حالة صدمة شديدة.

تتساءل المرأة وهي لا تتوقف عن صراخ  ينم عن أم مكلومة فقدت فلذات كبدها :

— أين الأولاد؟ من منكم يخبرني؟

تعود الأم لتجيب نفسها بنفسها :

— الأولاد اختفوا من أيدينا.

تبين أن صواريخ الكيان كان من نصيبها هذه المرة ليفقدها أكثر من ولد.

— مكان الأولاد أين؟

تعود الأم وهي في حالة صدمت جميع من أمام المستشفى، تركض يمنة ويسرة، رافعة يديها إلى السماء لربما يجيبها أحد أنه رأى أو سمع بمكان أولادها. برفقتها طفلة صغيرة يبدو أنها الناجية من القصف، وتحاول

تهدئتها. ثم تعود لتتساءل وكأنها تناشد عالما آخر، أما أهل غزة فإنهم يعيشون يوميات القصف والدمار اليومي.

— هل هناك أحد يطمئنني؟ يكفي يا عالم، يكفي من هذا الظلم.

ليت الألم توقف عند فقد الأولاد، الجرح تجاوز اختفاء الأولاد، تعبر الأم عن خبر صدم الجميع :

— الأولاد ماتوا بدون أن يأكلوا.

أوجع الأم فراق أولادها، وزاد الفجع أن ماتوا جوعى، وربما لم يتذوقوا طعاما لمدة طويلة. تعود الأم المسكينة بعد أن علمت ألا أحد سيجيبها، ولتؤكد وتشهد الله أمام الملإ على عظم مصيبتها،

— اختفى الأولاد بدون ما ياكلوا، يشهد الله علي.

لئن كان أهل غزة يعيشون ظروفا صعبة جراء حرب فرضها عليهم كيان مستعمر داخل أراضيهم، فإن الأمهات هن من يعشن واقعا مأساويا مريرا، فقد، وجوع، ونزوح، لا طحين، لا أكل،  لاشرب، لا مأوى ، لا دواء، لا شيء.

صبرا آل غزة فإن موعدكم الجنة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.