منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – مهندس الطوفان

حسن الوفيق

0

مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – مهندس الطوفان

بقلم الكاتب: حسن الوفيق

نواصل عرض الإبداعات التي وصلتنا من الأدباء والمبدعين، استجابةً لنداء المشاركة في مشروع وجوه الطوفان تشعل المجد؛ مشروع أدبي–مسرحي تربوي يسعى إلى إعادة تشكيل صورة البطولة الفلسطينية في قالب رمزي حيّ، يربط بين الواقع والرموز القرآنية والتاريخية، ويحوّل القصص الواقعية إلى مشاهد درامية تُضيء القيم الكبرى: الصبر، الثبات، القيادة، الجماعة، الاستشهاد. ليست الغاية مجرد توثيق أحداث، بل بناء سردية تربوية تُخلّد وجوهًا صنعت المجد، وتقدّمها للأجيال كنماذج ملهمة، تُغني الذاكرة وتُشعل الإيمان.

نبذة عن القصة الواقعية

القصة عن يحيى السنوار، ابن مخيم خان يونس الذي نشأ في بيئة فقيرة محملة بآثار النكبة. منذ شبابه انخرط في المقاومة وأسس جهاز “مجد” الأمني، ثم اعتقله الكيان وحكم عليه بأحكام مؤبدة، فقضى أكثر من ثلاثة وعشرين عاما في السجون حيث تعلم العبرية وأصبح خبيرا في المجتمع الإسرائيلي. خرج في صفقة تبادل، ليعود إلى غزة ويصعد سريعا في قيادة الحركة حتى صار قائدها في القطاع والعقل المدبر لهجوم “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، قبل أن يستشهد في أكتوبر 2024.

تقديم قصير للقصة الرمزية

“يحيى: مهندس الطوفان” تكشف المعنى الذي حمله السنوار في مسيرته؛ من طفولة المخيم المثقل بذكريات النكبة، إلى سنوات الأسر الطويلة التي صاغت صبره وصلابته، ثم إلى قيادة العمل المقاوم في غزة حتى لحظة استشهاده. الرموز التي تنبثق من قصته – بيت المخيم، زنزانة السجن، يد الشيخ ياسين على كتفه، والعصا في يده– تتحول إلى إشارات بصرية وروحية قابلة للتجسيد المسرحي. هكذا تُقدَّم سيرته كنموذج تربوي حي، يعلّم الأجيال أن المقاومة مسيرة ممتدة عبر الأزمان.

القصة الرمزية: مهندس الطوفان

وحدها يد الله تحسن التدبير، وتخرج من الإنسان أروع ما فيه؛ وحدها تسلك به الصعاب حتى يرى فوق ما ينتظر. وحدها تبدع في امتحان الإنسان لتدهشه بالعطاء.

بدأت الحكاية من الفلوجة، بلدة الأجداد التي سمع عنها يحيى ولم يرها قط، لكنها سكنت وجدانه كحلم بعيد. ارتبط اسمها بالشيخ شهاب الدين الذي قدم من العراق وأسس زاوية صوفية شمال غزة، اجتمع حولها المزارعون، فصارت بلدة نابضة بالحياة. وفي نكبة 48 تحولت الفلوجة إلى أسطورة، صمدت ثلاثة أشهر تحت الجوع والقصف المكثف، قبل أن تفرغ قسرا.

في يوم خانق من أيام النكبة، انحدر جد يحيى مع أمواج النازحين إلى الجنوب، يجر عربة محملة بشقاء العمر، وفي يده بندقية مرهقة يتفقد حالها بين الفينة والأخرى، ويمسح عليها. وسط الغبار كان يسمع ارتجاف الأمتعة كأنها تبكي الفلوجة، فيتخيل شريط حياته المتسرب كظل يتلاشى، ويمني نفسه بالعودة: سنعود عن قريب، أملنا في الله تعالى وفي نصرة العرب.

لكن أمل الجد تبخر مع مرور الوقت، وانتهى به الحال إلى حياة المخيمات مع أسرة ابنه إبراهيم، في بيت مكتظ صاخب يئن من وطأة ساكنيه، وترجف نوافذه غير المثبتة جيدا كأنها تنتفض وتشكو. في هذا الجو نشأ يحيى، يجوب الأزقة الضيقة، يتأمل عيونا شاردة أثقلها الانتظار، ويتشرب ألوان الحرمان الذي نحت قسماته كشقوق غائرة في صخور عتيقة. لقد مزقت النكبة حياة يحيى، لكن حلم العودة جمع شتاته، وأصبح غاية مقدسة تؤرق جفونه. في الصف يشرد مع “عائد إلى حيفا”، فيغرق في دموعه حتى يبتل قميصه، وحين يرمقه الأستاذ يجمع ما خطه من رسوم غير مكتملة.

وفي المسجد وجد يحيى ضالته؛ يستريح إلى حديث المقاومة وقصص الشهداء، يتأمل سيرة المهاجرين والأنصار. هناك أحب الشيخ ياسين واتخذه أبا روحيا ومثالا يحتذى. سرعان ما استأثر باهتمام الشيخ، فقد كان شعلة من ذكاء ونورًا من عزم. وفي لقاء خاص، وضع الشيخ يده على كتفه وقال له:

– فيك شيئا من القسام يا ولدي، وأراك صلاح هذا العصر.

— عِدني أن تكون كذلك.

أجاب يحيى دون أن يتردد وهو يعني ما يقول:

— سيدي، أنا جندي وحسب.

تشرّب يحيى من الشيخ ياسين حب الجهاد في سبيل الله، وغرس في قلبه تعظيم الآخرة، وقوله الذي يردده دائما: نحن طلاب شهادة، هذه الحياة زائلة رخيصة، نسعى إلى الخلود في دار البقاء. ومنه أخذ ورده اليومي من ظلال القرآن لسيد قطب، الذي جزّأه الشيخ ياسين ليكون أيسر على القراءة والمداومة، فصار غذاءً روحيًا يلازمه في كل مراحل حياته.

تمرّس يحيى على الشدائد، وتهيّأ معنويا وفكريا، وتدرّب مع المقاومين. وحين أوكل إليه الشيخ ياسين مهمة تأسيس جهاز “مجد” الأمني، ليكون ذراعا للجهاد والدعوة، غدا كظلّ لا يُمسك، وبدأ اسمه يسطع في العمل السري ويزرع الرعب في صفوف العدو.

في العشرينيات خاض يحيى معركة السجون: اعتقالات متكررة، أربع مؤبدات، ومحاولات هروب لم تُكتب لها النجاة. ونجا من الموت مرات، وأنهك جسده المرض، حتى أجرى عملية في الدماغ. ولم ينكسر؛ ففي زنزانته الضيقة فتح خلوة للعبادة وفضاءً للمعرفة، قرأ العبرية، ترجم نصوصا أمنية، وخط رؤاه في أوراق صغيرة خبأها كمن يزرع بذورا في أرض قاحلة تنتظر المطر.

قضى يحيى 23 عاما في الأسر، ناضل خلالها لتحسين ظروف رفاقه، ونسج مع الحركة خارج الأسوار خطة لضربة كبرى. أوكلت إليه مهمة التفاوض مع العدو، وإقناعه بأن الحركة سئمت الحرب وتبحث عن سلام دائم. فوافق الاحتلال على إطلاق سراحه مع أكثر من ألف أسير في صفقة تبادل ضخمة، بينهم 280 محكومًا بالمؤبد. لكن العدو لم يدرك أن القادم أعظم.

وجاء يوم الوعد: السابع من أكتوبر. بعد عقود من التخطيط والحفر في أعماق الأرض، اندفعت أسراب المجاهدين كعاصفة صاعقة، اخترقت الحواجز، وأمطرت العدو نارا، واقتادت عددا كبيرا من الأسرى قبل أن تعود إلى أنفاقها وتتوارى. جنّ العدو واندفع كوحش جريح، مركزا كل قوته على المدنيين، ثم على اغتيال يحيى، الذي ظل يقاتل في الميدان متحديا الموت جهارا وهو يردد شعر علي رضي الله عنه:

— أي يومي من الموت أفرْ؟ يوم لا يُقْدر أم يوم قُدِرْ؟ يوم لا يقدر لا أرهبه، ومن المقدور لا ينجو الحذر.

وحين اقترب أوان حلمه الأسمى، أصابه العدو في يده اليمنى. لجأ يحيى إلى بيت قريب يربط جرحه بعيدا عن الأعين، لكن طائرة مسيّرة تعقبته، تعرفت إليه وأطلقت النار فورًا. رفع عصاه الأبية وصوّب نحوها. وثقت كاميرا المسيرة رجلا ينزف ويقاتل بلا خوف، على الأرض التي أحبها حتى الجنون. وتحوّل المشهد إلى ملحمة حيّة، لا يزال صداها ممتدا حتى التحرير الكبير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.