مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – على مرأى من الملائكة
حسناء ادويشي
مشروع وجوه الطوفان: قصة اليوم – على مرأى من الملائكة
بقلم القاصة: حسناء ادويشي
نواصل عرض الإبداعات التي وصلتنا من الأدباء والمبدعين، استجابةً لنداء المشاركة في مشروع وجوه الطوفان تشعل المجد؛ مشروع أدبي–مسرحي تربوي يسعى إلى إعادة تشكيل صورة البطولة الفلسطينية في قالب رمزي حيّ، يربط بين الواقع والرموز القرآنية والتاريخية، ويحوّل القصص الواقعية إلى مشاهد درامية تُضيء القيم الكبرى: الصبر، الثبات، القيادة، الجماعة، الاستشهاد. ليست الغاية مجرد توثيق أحداث، بل بناء سردية تربوية تُخلّد وجوهًا صنعت المجد، وتقدّمها للأجيال كنماذج ملهمة، تُغني الذاكرة وتُشعل الإيمان.
نبذة عن القصة الواقعية
القصة مستوحاة من تجربة واقعية عاشتها إيناس هنية، زوجة الشهيد حازم إسماعيل هنية، نجل القائد إسماعيل هنية، التي فقدت زوجها وابنتيها تحت القصف، وخرجت من قلب المأساة شاهدة على معنى الأمومة حين تتحوّل إلى جبهة صبر وفداء. شهادتها التي روتها للعالم جسّدت بطولة الأم في مواجهة الفقد، وتحويل الحزن إلى إيمان ورضا، لتصبح نموذجًا حيًا يُعلّم أن الأم في غزة تُحوّل الفقد إلى قوة، والصبر إلى وسام. هذه التجربة التي وثّقتها وسائل الإعلام تُبرز كيف أن الأمومة في غزة فعل مقاوم يضيء الطريق للأجيال. الرابط: زوجة الشهيد حازم إسماعيل هنية تروي تفاصيل اللحظات الأولى عقب وقف إطلاق النار (فيديو) | الجزيرة مباشر.
تقديم قصير للقصة الرمزية
«على مرأى من الملائكة» للكاتبة حسناء ادويشي تُقدّم لوحة إنسانية مؤثرة، حيث الأم في قلب الفاجعة، تجسد قمة الإيمان، وتجد في حضور الملائكة مصدرًا للجبر والصبر والسكينة. النص يفيض بالصور البصرية والوجدانية: الهاتف الذي يحمل خبر الاستشهاد، المقبرة التي تجمع الأحبة، والرؤيا التي تُحوّل الانكسار إلى يقين. وقد استطاعت القاصة أن تُصوّر هذه التجربة بلغة أدبية مكثفة ومشاهد بصرية مؤثرة، تجعل القارئ يعيش تفاصيل الفقد والثبات، وتُبرز أن البطولة في غزة ليست في مواجهة العدو فقط، بل في الثبات أمام الألم.
القصة الرمزية: على مرأى من الملائكة
لم تكن الحرب على غزة مجرد قذائفَ تهدم البيوت، بل كانت ريحًا سوداء تدخل القلوب لتختبر جذورها: من بقي ثابتًا في الأرض؟
ومن ظلّ قلبه معلقًا بالأقصى؟
ومن صدق حين قال: صابرون؟
كانت امتحانًا طويلًا للجوع، للحصار، للوحدة، ولخذلانٍ يأتي أحيانًا من الأقرب.
كأنها تهمس بشرطها الخفي:
لا نصر بلا طهارة… طهارة القلوب قبل قوة السلاح.
مشهد البداية
في بهو بيتها الصغير، حيث الجدران المتعبة تحفظ صدى تكبيرات قديمة، جلست أُنس تحت ضوء شاحب. في يدها هاتف، وفي الأخرى قلب معلّق بخيطٍ رفيع من الرجاء.
قالت لابنة عمها سارة في الخليل بصوتٍ حاولت أن تثبّته:
-“اشتقت لكِ… عيدك مبارك. قرابة سنة لم نلتقِ. كيف حالكم؟ هل تجدون طعامًا؟”
انقطع الصوت.
لم يصلها جواب واضح.
تابعت كأنها تخفف عن نفسها:
-“حالنا مثل حالكم… الجوع واحد. لجأتُ لأشياء لم أتخيل يومًا أن أقدّمها لأطفالي، فقط لأطفئ لهيب المعدة.”
سكتت لحظة، ثم انكسر صوتها:
-“تعلمين يا سارة… ابنتي إيمان قالت شيئًا أوجع قلبي. من شدة القصف والجوع سألتني:
متى سنذهب إلى الجنة؟ متى يأخذنا الله؟ لقد تعبنا.”
(منذ أيام، بعد كل حصة قرآن مع العم هاني، كانت أُنس تجمع طفلتيْها حولها، تحكي لهما عن الجنة، عن أمانٍ لا قصف فيه، وعن نعيمٍ لا ينقطع، الناس يتحدثون عن الدنيا وأسرة أُنس حديثهم عن الجنة، حتى أضحت الجنة حياة يتمناها الأطفال لجمالها وحسن نعيمها)
قالت بيقين هادئ:
-نثق أن الله ناصرنا… كل شيء يهون في سبيل الأقصى.
انقطع الاتصال…
أغلقت الهاتف، وتوجّهت إلى زاويتها المعتادة. فتحت المصحف، قرأت آياتٍ قليلة، ثم أغلقته حين رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة، كان الصوت مرتجفًا:
-حاتم… زوجك… وأخوه… قُصفوا.
سقط الهاتف من يدها.
لم تصرخ.
لم تبد أي غضب أو ضجر.. كأن روحها انسحبت قليلًا، تاركة الجسد واقفًا وحده…
..انتشر الخبر في الحي قبل أن تستوعبه أُنس:
استشهاد زوجها، وابنتيها، وأبناء العم هاني.
جلست في مكانها، ورفعت كفيها نحو القبلة:
-يا رب… ارزقني الصبر.
هذا زوجي وابنتيَّ سبقوني إليك… فأكرم ضيافتهم.
دخلت نساء الحي.
زغاريد تختلط بالبكاء.
تكبيرات تحاول إبقاء الإيمان حيًا وسط الفقد.
كانت أُنس ساكنة، كأنها قطعة من الأرض.
اقتربت منها جارة واحتضنتها بلطف.
وقبل أن تشدّ أُنس على يدها…
وقبل أن تعود إلى المكان…
الرؤيا
انسحب الضجيج فجأة.
صار الهواء أخفّ،
وكأن الزمن أبطأ خطاه.
شعرت أُنس بنورٍ يملأ المكان، ليس نورًا يُبهر العين؛ بل نورًا يطمئن القلب.
كأن ملائكةً تحيط بها، ترفرف بأجنحتها في سكينة،
لا صوت لها إلا سلامٌ خفي،
ولا حركة إلا رحمة.
لم تتكلم الملائكة،
لكن أُنس فهمت.
فهمت أن الله يرى كسرها،
ويسمع أنين قلبها،
وأرسل لها الجبر قبل أن تطلبه.
انسابت الطمأنينة إلى صدرها،
كأن يدًا رحيمة تقول:لستِ وحدك…الله معك.
عاد الصوت.
عاد المكان.
شدّت أُنس على يد الجارة، ورفعت رأسها ببطء، وقالت:
-أنا هنا… ما زلت هنا..
وانهمرت الدموع بلا صوت.
قالت الجارة:
-هنيئًا لكِ وسام الشهادة.
شدّت أُنس على يدها، كأنها تقول: أنا أسمعك… وأنا ثابتة.
مشهد الدفن
في اليوم التالي، وقفت أُنس عند المقبرة.
لم يكن الوداع كما تتخيله الأمهات.
ما تبقّى من ابنتيها كان آثارًا صامتة، جمعتها بيديها المرتجفتين في أكياس بلاستيكية..
لم تسأل لماذا.
لم تعترض.
كانت تفعل ذلك بهدوءٍ يشبه الصلاة.
قبر صغير قرب قبر والدهما.
وضعت ما تبقّى من طفلتَيها برفق، كأنها تُعيدهما إلى النوم، في هذه اللحظة تداعت إلى مخيلتها ليالي سهرها معهما رعاية وتعهدا وعناية وتطبيبا..
ثم همست:
-هنا ستكونان مع أبيكما…
لن تكونا وحدكما.
أهالت التراب بيديها، ثم جلست قرب القبر.
لم تطلب شيئًا لنفسها.
قالت فقط:
-الآن قلبي مطمئن…
صار لكما مكان أزوركما فيه،
وأحدّثكما،
وأسلّم عليكما وعلى والدكما.
مسك الصبر
عادت أُنس إلى بيتها مكسورة، لكن غير مهزومة.
التفّت النساء حولها.
قالت بصوتٍ ثابت:
-القلب يحزن، والعين تدمع…
لكننا لا نعترض على قضاء الله.
ثم رفعت رأسها، وفي صوتها يقين:
-خذ منا يا الله حتى ترضى.
الأقصى أعظم…
ودين الله أعظم.
والله أكبر.
تعالت الزغاريد من جديد،
زغاريد تعرف أن الفقد طويل، وأن الصبر في غزة ليس خيارًا، بل قدرا يحمل بالإيمان.. ويقينا يُعَلَّم منذ الصغر.. حتى تغدو الجنة أو النصر على مرمى حجر، يراهما المؤمن والمؤمنة رأي العين..