تقويم القيم: بين صعوبات الممارسة وآليات التنزيل
ذ. عبد الغني المنيوي
مقدمة
التقويم عملية أساسية في العملية التعليمية – التعلمية، به يتم قياس مدى تحقق النتائج والأهداف المتوخاة و مدى ملاءمة الوسائل لذلك ، كما يعتبر مدخل القيم من أهم مرتكزات المنهاج التربوي المغربي , و من أجل تقويم أنجع لابد من مراعاة كل الجوانب( المعرفية، المهارية، الوجدانية) و الملاحظ إغفال هذا الأخير مما يؤثر سلبا على العملية ككل.
فما هي الصعوبات التي يجدها المدرس لتقويم القيم بمادة التربية الإسلامية ؟
ما هي بعض الٱليات التي يمكن أن تساعد على تقويم القيم؟
وسنتناول هذا الموضوع في محورين أساسيين:
- صعوبات تقويم القيم
- بعض الٱليات
ثم خاتمة
الصعوبات التي تحول دون تقويم القيم:
إن تقويم القيم عملية تستهدف الجانب المهم في بناء شخصية الفرد و المجتمع كما يقول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا [1]
إلا أن هناك عدة صعوبات تواجه هذه العملية نذكر منها :
– صعوبات وضع مؤشرات ملموسة لقياس مدى تحقق القيمة أم لا.
– تقلبات حالات المتعلم سواء النفسية و الإجتماعية… فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:« يصبح الرجل مؤمنا و يمسي كافرا، و يمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافرا، »[2].
– عدم تلقي المدرس لتكوينات في الموضوع اللهم إذا كانت ذاتية.
– تأثر مفهوم القيم بالعولمة إذ أصبحت بعض القيم تحمل معنى ٱخر مخالف للمعنى الذي كانت عليه من قبل.
– عدم إعطاء أهمية للقيم بالمدرسة وذلك بسبب تأثرها بالنظرية السلوكية التي لا تهتم بالجانب الوجداني .
– الأطر القانونية لم تنص على ٱليات عملية لتقويم القيم فمثلا في الدعامة السابعة من الميثاق الوطني للتربية والتكوين هناك حديث عن التقويم بشكل عام و نصت على بعض الٱليات كالامتحان، المراقبة المستمرة ، تقويم طفيف …. ففي رأيي يتم تقويم ماهو معرفي أو مهاري فقط و هذه الٱليات ليست عملية لتقويم الجانب الوجداني
بعض الٱليات الحديثة لتقويم القيم:
1ــ آليات تقويم القيم عند د. خالد الصمدي:
يرى د. خالد الصمدي في كتابه ” القيم الإسلامية في المنظومة التربوية” أن تقويم مدى تطور القيمة في وجدان المتعلم يظل اللغز المحير وذلك لكونها شأن داخلي وجداني لذلك” يقتضي ضبط مجموعة من الآليات العلمية للوصول إلى نتائج أكثر صدقا وذلك وفق الضوابط التالية” :[3]
– ضبط مؤشرات التقويم
– مراحل تطور القيمة في وجدان المتعلم
– تحديد فضاءات التقويم
– استثمار المعينات والوسائل المساعدة على التقويم
ضبط مؤشرات التقويم:
وذلك ببناء وتصنيف مؤشرات التقويم إذ يرى أن القيمة لا يمكن تقييمها إلا من خلال مؤشرات خارجية استنادا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان”[4]، وتنتظم هذه المؤشرات في مجالات ثلاث:
– السلوكات الإيجابية مع النفس والأقران والمحيط وتكرارها عدة مرات وفي مواقف مختلفة.
– الانفعال المتوازن: و ذلك برصد الردود الانفعالية سواء سلبية أو إيجابية في المواقف في مختلف الأنشطة التعليمية و استثمارها في تقويم تطور القيمة.
– المعارف الصحيحة: يشكل امتلاك المفاهيم الصحيحة المتعلقة بقيم مؤشرات دالة على نضج منظومة القيم لدى المتعلم.
معرفة مراحل تطور القيمة في وجدان المتعلم (سلم المراقي):
يقترح د. خالد الصمدي آلية لمعرفة مدى تطور القيمة لدى التلميذ، حتى نتمكن من تقويمها،
وأطلق عليها سلم “المراقي الست”، وجعل لكل مرقاة عنوانا، وهذه المراقي هي كالتالي:
- الانتباه والمقصود بها أن يشعر التلميذ بشيء جديد يعرض عليه، إما في صورة أو قصة أو في مشهد سمعي بصري، أو أرقام إحصائية وبيانية أو غيرها من الوسائل التعليمية باعتماد المدرس على طرق مشوقة تستهدف إثارة انتباه المتعلمين وحصر أذهانهم في قضية بعينها، وفي هذه المرحلة يعتبر: صمت المتعلمين أثناء عرض المقطع التعلمي، مبادرتهم لإعادة قراءة النص / طلبهم عرض المشهد لمرة ثانية/ تأملهم في محتوى الوثيقة المعروضة بتركيز النظم… إلخ، كل هذا يعتبر مؤشرا دالا على تمكن المدرس من إثارة اهتمام المتعلمين.
- الاهتمام وهي المرحلة التي ينتقل معها المتعلم بمساعدة المدرس وبمشاركته زملائه في الصف إلى الإسهام في بلورة معطيات جديدة حول القيمة قد لا تكون موجودة بالضرورة في الوثيقة الأصلية المعروضة أثناء مرحلة إثارة الانتباه فيطرح أسئلة جديدة حولها، ويطلب معلومات إضافية عنها ويصنفها في سياق معين ويقارن بينها وبين ما يضادها ويناقضها ويميز بينها وبين غيرها … الخ، وهذه المؤشرات تدل على انتقال التلميذ من الانتباه إلى الاهتمام بالقيمة من خلال طرح ما لديه من رأي، وبذل المجهود في تبيينها وتصنيفها .
- التفاعل وهي مرحلة تظهر فيها مؤشرات جديدة أرقى من سابقتها وتتعلق بالانخراط في تحليل ومناقشة وتفسير القيمة وتجلياتها العملية في الواقع إيجابا وسلبا، والانتقال من الإطار العام للقضية موضوع النشاط التعليمي إلى القضايا الجزئية والتفصيلية والتي ستؤثر بصفة مباشرة على مواقفه وقراراته وبناء اختياراته فينخرط في مناقشة الآراء المختلفة التي يعرضها زملاؤه حول القيمة ويبحث عن الأدلة المتعلقة بها ويستحضر سلوكات ومواقف تعززها وتشهد لها وسلوكات مناقضة لها يصنف القضايا والإشكالات المتعلقة بها يقترح حلا للإشكالات المطروحة لها …. إلخ، وهذه كلها مؤشرات تدل على أن التلميذ اندمج وتفاعل مع هذه القيمة.
- الاقتناع وهي المرحلة التي تظهر فيها مؤشرات دالة على التوجهات والاختيارات والمواقف والقناعات، ويتجلى ذلك من خلال تبني المتعلم لرأي معين بناء على معطيات وحجج يتخذ موقفا من سلوك أو ظاهرة معينة مرتبطة بالقيمة يستشهد ويستدل على رأيه بأدلة عقلية ونقلية ، يرجح اختيارا من الاختيارات التي كانت سائدة أثناء النقاش… إلخ. هذه الأمور هي دليل على اقتناع التلميذ بهذه القيمة.
- الدفاع في هذه المرحلة يوضع التلميذ في موقف اختباري، يهدف إلى معرفة مدى استعداده للدفاع عن القيمة التي اقتنع بها، فهو هنا يرد على رأي المخالف بالحجج المناسبة يجادل المخالفين بالحسنى يذم السلوكات المناقضة للقيمة يتحمس لكل رأي عملي يعزز دور القيمة… إلخ، هذا كله يدل على استعداد التلميذ للدفاع عن القيمة.
- نقل القيمة: أما في هذه المرحلة الأخيرة، فيكون التلميذ مستعدا فيها إلى نشر القيمة دون أن يطلب ذلك منه وتتجلى مظاهر هذه المرحلة من خلال مسابقة ، محاضرة ، ندوة ، خرجة دراسية ، إعداد ملصق أو مطوبة تأسيس ناد أو جمعية داخل أو خارج المؤسسة… إلخ، فهذا يدل على تمثل التلميذ للقيمة حق تمثل.
فهذه المراقي الست التي اقترحها د خالد الصمدي تعتبر آلية في تقويم مدى استيعاب الفئة المستهدفة للقيم المدرسة.
ويلاحظ على هذه المراقي أنها تمتاز بالدقة في مواكبة تطور القيمة لدى المتعلم ومدى استيعابه لها، وهي مجهود كبير يشكر عليه صاحبها، غير أن هناك صعوبات في تنزيل هذه المراقي على المستوى التطبيقي في منظومتنا التربوية، مثل قصر حصص مادة الربية الإسلامية، عدم تلقي تكوينات مهمة بالنسبة للأطر التربوية….
ثانيا: آليات تقويم القيم عند د. عبد الوهاب عبد السلام طويلة:
يقترح الدكتور عبد الوهاب عبد السلام طويلة طريقة أخرى للتقويم سماها بـ”طريقة للتقييم الخلقي للطالب”، وهي كالتالي:
- الملاحظة أي مراقبة الطالب داخل الفصل وخارجه من حيث المشاركة في الدرس والتفاعل معه ونحو ذلك، داخل المدرسة وخارجها في النشاطات والندوات والمعارض والرحلات، من خلال ما یلي:
أ ــ مراقبة نشاط الطالب الفكري والمسلكي في المجالات المختلفة لمعرفة مدى إيمان الطالب وصدق عقيدته.
ب ــ مراقبة سلوك الطالب لمعرفة مدى قيامه بواجباته الدينية والدنيوية والتزامه بها وإتقانها.
ج-مراقبة علاقاته الاجتماعية لمعرفة مدى تمسكه بالأخلاق الفاضلة.
- وسائل تقويم الذات والغاية من هذه الوسائل قياس النمو الشخصي والاجتماعي، ويشمل:
أ- الاستبانة وهذه الاستبانة –الاستمارة- تسعى الكشف عن تطوره ونمو شخصيته.
ب المقابلة: ويلجأ إليها المدرس للتوسع في جمع البيانات عن الطالب، والوقوف عن كثب عند شخصيته، واستكشاف مكنوناتها، وهي طريقة ناجعة عند تعذر الوسائل الأخرى .
هذه الطريقة التي تبناها الدكتور عبد الوهاب طويلة، تتميز بالإيجاز، وربما أيضا – في نظري بالقصور، إذ إن الملاحظة لا أرى أنها تنفع دائما في تتبع المتعلم ومعرفة مدى تمثله للقيم، فربما تصنع هذا الامتثال بسبب استشعاره لهذه المراقبة والمراهق مجبول على التصنع والامتثال تحت تأثير المراقبة أو المحاسبة أو التهديد، وبمجرد انتهاء هذه الرقابة يتخلى عما أوجب عليه ويسلك مسلكا آخر بعيدا عن الأعين. وفي نظري، فإن طريقة الدكتور خالد الصمدي هي الأنفع والأنسب في تقويم مدى اقتناع المتعلم بالقيم، نظرا لما يلي:
ـ أن هذه المراقي تمتاز بالدقة في التقييم والشمولية في تتبع المراحل.
ـ أنها تجعل المتعلم منسجما مع مراحلها، سائرا مع أهدافها دون فرض ضغط عليه، ولا استشعاره بالملاحظة والرقابة، وهذا ما يجعل انسجامه هذا مبنيا على الاقتناع.
خاتمة:
وهكذا نكون قد بينا بعض الصعوبات التي تعترض تقويم القيم بالمدرسة المغربية و خاصة بمادة التربية الإسلامية، لقد قدم الدكتوران خالد الصمدي و عبد الوهاب عبد السلام طويلة نموذجين لتجاوز بعضا منها ، وكما أقترح مايلي:
- إدراج مصوغات تكوينية تهتم بتقويم القيم لمدرسي المادة.
- الزيادة في عدد ساعات مادة التربية الإسلامية.
- تكوين أندية تهتم بالقيم.
- إشراك كافة المتدخلين و تشجيعهم للاهتمام بالقيم سواء داخل المؤسسات أو خارجها.
[1] أحمد شوقي، ديوان أحمد شوقي ، “قصيدة العربي”، ص245.
[2] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال و مخافة أن يحبط عمله.
[3] د. خالد الصمدي ، الفيم التربوية في المنظومة التربوية، ص 90 .
[4] سنن أبي داود، حديث رقم 569.