الأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنْكرِ: كتابُ الإحْسانِ ووَاقعُ الأمّةِ والأَنامِ ــ إشارات واقتباسات ــ
الحسين كوكادير
الأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنْكرِ: كتابُ الإحْسانِ ووَاقعُ الأمّةِ والأَنامِ
ــ إشارات واقتباسات ــ
الحسين كوكادير
تقديم:
يشكّل موضوع الإحسان في مشروع العدل والإحسان الغايةَ الكبرى والذّروة القصوى إلى جانب صِنوه وقرِينه موضوع العدل. فهذان الموضوعان ليسا فقط، كما نقرأ في أدبيات الجماعة وكتابات مؤسسها الإمام ياسين رحمه الله، شعارا لتمييز المدرسة والشجرة المباركة المغربية عن غيرها من المدارس، وإنما هما لبّ الأمر وجوهره، والتعبير الأسمى للرؤية الفكرية والتربوية والسياسية، والحركة في الساحة الدعوية الإسلامية.
موضوعُ كتابِ الإحسانِ هُو الإنسانُ. لكن، أيُّ إنسان؟ إنسان اقتحام العقبة، إنسان الطريق إلى الله تعالى بالعلم والعمل، إنسان التربية والتعليم بِهمَّة الفرد وإرادة الجماعة والأمة في كنف الصحبة والجماعة من أجل البناء للنموذج الدعوي الرائد الموعود الخلافة الثانية على منهاج النبوة.
انطلاقا من التأطير أعلاه، تسعى هذه المقالة إلى قراءة أحد أهمِّ المبادئ الإسلامية، مبدإ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” من خلال كتاب الإحسان.
يعدّ هذ الموضوع موضوعا بليغا، والعصر والأمة اليوم في حاجة ماسة إليه أكثر من أي وقت مضى. وذلك لسبب بسيط، وهو أن كل ما تعيشه الأمة من ويلات وذلّ وأزمات وانكسار وهوان بين الأمم سببه تركها لهذا الواجب العظيم. وأن أي انبعاث جديد وبناء متين منطلقه هذا الأمر الإلهي العظيم. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “وإنما ماتت الأمة موت الخنوع، وفسد نظامها، وسقطت من مقام خير أمة أخرجت للناس بتركها الواجب العظيم الذي حث عليه الله عز وجل في كتابه، وأكّده صلى الله عليه وسلم في قوله: “ما من نبيّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.” (رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنهما).”
تتضح إذن، بناء على ما ذكر آنفا، أهمية ومكانة وجِدّة الموضوع، سواء في سياق الشريعة الإسلامية، أو في سياق الدعوة التجديدية للإمام ياسين في كتاب الإحسان، أو في سياق واقع الأمة وما يعتمل فيها كل يوم. ما جعلني أسأل أسئلة أربعة ذيّلتها بخاتمة تأملية، باحثا عن أجوبة ممكنة في ثنايا نصوص الإمام كتاب الإحسان مبتدأ ومنطلقا، وكتب أخرى (المنهاج النبوي، الشورى والديموقراطية، الإسلام بين الدعوة والدولة، رجال القومة والإصلاح، تنوير المومنات…) تقاطُعا وإضافة واستئناسا.
لماذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
يمكن التفاعل مع هذا السؤال انطلاقا من زاويتين أساسيتين. أما الزاوية الأولى: فهي المعروفة والمشهورة التي يدل عليها إجماع الأمة. وتستند في ذلك إلى مجموعة من الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار التاريخية الشاهدة عليه. نذكر بعضا منها إشارة لا تفصيلا، على سبيل المثال لا الحصر:
+أولا: في الآيات: قوله عز وجل جلاله: [ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون.] (آل عمران، الآية 107).
في الأخبار: عنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقاتِ، فقَالُوا: يَا رسَولَ اللَّه، مَا لَنَا مِنْ مَجالِسنَا بُدٌّ، نَتحدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِس فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ، قالوا: ومَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رسولَ اللَّه؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَر، وكَفُّ الأَذَى، ورَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بالْمَعْروفِ، والنَّهْيُ عنِ الْمُنْكَرِ.” (حديث متفقٌ عَلَيهِ).
أما الآثار: “سُئل حذيفة رضي الله عنه عن ميّت الأحياء فقال؛ الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.” “وقال مالك بن دينار: “كان حَبْرٌ من أحبار بني إسرائيل يغشى الرجالُ والنساءُ منزلَه، يعظهم ويذكرهم بأيام الله عز وجل، فرأى بعض بنيه يومًا وقد غمز بعضَ النساء فقال مهلا يا بني مهلا، وسقط من سريره، فانقطع نخاعُه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه في الجيش، فأوحى الله تعالى إلى نبيّ زمانه: أنْ أخبِرْ فلانًا الحَبر، أنّي لا أُخرج من صلبك صديقا أبدا، أما كان من غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني مهلا.” (إحياء علوم الدين للإمام للغزالي، الجزء 2، دار صادر، ص: 383).
أما الزاوية الثانية، ولأننا لا نهتم، وأمتنا أمة خاملة، تخلّت عن الواجب، وأصبحت في سبات القرن، كان لزاما إحياء هذا المبدأ. يقول الإمام ياسين: “ولا أخطرَ على الأمة من خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، حتى يصبحَ من أصولِهم الاشتغالُ عن الأمر العام بسفاسف الحياة اليومية. ولا تزال تسمع من يوصيك أن تشتغل بما لا يعنيك، وما لا يعنيك هو سياسة أمتك، لا يعنيك الضيم النازلُ عليها، لا يعنيك هزائمها، لا تعنيك المؤامرة اليهودية الصليبية عليها، لا يعنيك الحكام الخونة وعبثهم بمصيرها. إن عامة أمتنا لا تزال نائمة من أثر سبات القرن، استقالت أمام الحكم الفردي من حقها وواجبها في تصريف شؤونها. فالحكام اليوم سادة من فوق رؤوس الأمة، لا ينازعهم إلا أحزاب سياسية تنظم فيها الأجيال التي انقطعت صلتها بالدين.” (رجال القومة والإصلاح، ص: 23).
ما المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما سِماتُ الاجتهاد فيه عند الإمام ياسين رحمه الله تعالى؟
أولا: التعريف.
-يقول الإمام عبد السلام ياسين: “المعروف، كما قال الراغب الأصفهاني، “اسم لكل فعلٍ يُعرفُ بالعقل أو الشرع حسنُه، والمنكر ما ينكر بهما.” فواجب كل محسن ومؤمن ومسلم ذكرٍ أو أنثى أن يجتهدَ لمعرفة الحسن العقلي والشرعي، ويأمرَ به، وينهي عن خِلافه ويُجَاهدَ بالفكر والقلب واللسان واليد ليُعرف المعروفُ من الدين ويُفعل ويحترم، وليُنكرَ المنكرُ في الدين ويُدحض ويُبطَل.
وكما يعرف إسلام المسلم والمسلمة وإيمان المؤمن والمؤمنة في خاصة فرديّة كلّ واحد بصلاح الأعمال والأقوال، كذلك تُعرفُ إسلامية المجتمع من عدمها، ودرجةُ إسلاميته، بمقدار يقظته الدينية المتجلية في معرفته للمعروف وأمرِه به وفرضِه في السلوك العام، وفي معرفة ما هو المنكر ونهيُه عنه ومحاصرتُه وملاحقته أنى وُجد.” (كتاب الإحسان، ص: 144.)
-“المعروف هو العدل والبر والمجتمع الأخوي وإنصاف المحرومين وإغاثة الملهوفين ورفع المستضعفين إلى المرتبة الإيمانية المكرمة التي يتحققون بها منة الله بالاستخلاف في الأرض والسيادة فيها.” (كتاب الإحسان، ص: 147.)
ثانيا: سِماتُ الاجتهادِ.
ويمكن رصد ذلك انطلاقا من النقاط الآتية:
- الانطلاق من الإيمان والتربية:وهو مدار عمل وانشغال مشروع العدل والإحسان. يقول الأستاذ ياسين: “فلا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من لم يتهذب قلبه.” (كتاب الإحسان)؛ أي أنه لا يؤتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثماره إن لم يكن صادرا عن قلب متصل بالله تعالى.
- توسيع مفهوم المنكر،فبدل أن يبقى محصورا في المظاهر الأخلاقية، جعله يشمل الظلم بجميع مفاهيمه (الاستبداد، الفساد، القهر السياسي…). يقول رحمه الله: “المنكر الذي يجب تغييره ليس فقط منكر الزنا وشربِ الخمر، بل منكرَ استعباد الناس وقهرهم.” (الشورى والديموقراطية، ص: 121.)
- جعله واجبا فرديا وجماعيا مجتمعيا:فعلى مستوى الفرد هو واجب إلزامي وليس اختياري على عكس الإمام الغزالي الذي يراه فرض كفاية لا فرض عين. أي أن الفرد، بالنسبة للإمام ياسين، مسؤول عن إنكار المنكر في أسرته، ومحيطه، ومجتمعه. أما على مستوى الجماعة؛ فمن خلال دور المجتمع في إنشاء بيئة تعين على المعروف وتكافح المنكر بشكل مؤسساتي…
-يقول في كتاب الإسلام بين الدعوة والدولة الصفحة 38: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فردي على كل مسلم ومسلمة بحسب الاستطاعة، وهو فريضة جماعية مؤسساتية إن تخلّفت عنها الأمة عمّتها لعنة الله.”
-وفي كتاب الإحسان الصفحة 144: “في النظام الإسلامي، كما نتصوره في عصرنا وما بعده، تكون قاعدة الشورى والحكم والمراقبة هي المشاركة العامة بمقتضى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حيث تكون عضوية الحزب في النظامين الديموقراطي والشيوعي اختيارا ومزيّة، وحيث يكون التصويت اختياريا، يكون واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولة القرآن تجنيدا شرعيا للكافة من المؤمنين والمسلمين.”
-وفي المنهاج النبوي الصفحة 123: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون تنظيم قياديٍّ هو حماسٌ لا يؤتي ثمارًا، وقد ينقلب إلى فوضى.”
هذه إذن اقتباسات واستشهادات من فكر الإمام تدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبيّته على الفرد والجماعة على العامة والخاصة.
- التدرج والرّفق:ونورد لذلك هذه المقتطفات الموجزة والدّالة:
-يقول الأستاذ ياسين في المنهاج النبوي الصفحة 235: “من أراد تغيير المنكر بالسيف قبل أن تقوى شوكة الدعوة، وتحصل التربية، وتنعقد البيعة فهو يَعْجَلُ ويُخْرِقُ سنّة الله.”
-وفي كتاب الإحسان الصفحة 148: “وليكن الرفقُ، لا سيما في مراحل التأسيس، رائد جند الله. هناك أشلاء النظام المقضيّ عليه، من أحزاب ومؤسسات. هنالك الذهنيات الموروثة، والعادات والأنانيات، والغنائم الحرام، وتربص الأعداء من داخل وخارج. وليس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشيء الذي تناديه فيلبي النداء فورا ويحضر لتلقي الأوامر. الإيمان بناءٌ وتربية وتوجيه وتسديد. ومن جملة شعب الإيمان الأمر والنهي، والفعل والترك.”
كيف تكون المعرفة مقدمة على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
- “القومة تعني تغييرا للمنكر، ولا يغيّر المنكر من لا يعرف المنكر في أسبابه، ودخائله، وماضيه، وحاضره، وحُماته.” (كتاب القومة والإصلاح، ص: 26.)
- “معرفة ما هو المعروف وما هو المنكر شرط وجوب صحة سابقٌ على المشاركة في الأمر والنهي.” (كتاب الإحسان، ص: 146.)
- “واجب على كل مسلم ومؤمن أن يتعلّم ما هو المعروف وما هو المنكر قبل المشاركة في الفعل، كما يتعلم صفة الصلاة وأركانَها وشروطها قبل القيام إليها وإقامتها.” (كتاب الإحسان، ص: 147.)
هذه مقتطفات تشير إلى ضرورة تقديم معرفة ما هو المعروف وما هو المنكر على وجوبية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه المعرفة “شرط سابق” وأساسي؛ بها يبدأ المرء وإليها يستند.
ما الغاية/الهدف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زماننا؟
يقول الإمام ياسين: “إن الهدف الرئيسي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتثات الحكم الفاسد وتقويض دعائمه شرطا لكل الشروط، وإلا استحالَ هذا الواجبُ المقدّسُ لعبةً في يد السلطان الجائر وسهما مصوبا إلى من ينافسه ويضايقه.” كما أشار الأستاذ عبد السلام في نفس السياق إلى أهداف أخرى، من قبيل: المحافظة على سلطة نظام الحكم، حماية حوزته، محاصرة الفساد ومنابع الشر، تزويد جَذوته بالجُهد الصادق لكيلا يفتُر نشاطُه وتنطفئ شعلته.
الخاتمة:
ختاما، وبعد هذا التطواف في رحاب كتاب الإحسان ومعاني مبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعة الإسلام، أترك القارئ الكريم ليستمتع ويتأمل في نصين رائعين لغة وأسلوبا ومضمونا، الأول منثور والثاني منظوم من كتاب الإحسان لمؤلِّفه عبد السلام ياسين.
- “قال أمير من أمراء الأولياء وسلاطينهم الشيخ عبد القادر: “قد أخبرك الله عز وجل بجهادين: ظاهر وباطن. فالباطن جهاد النفس والهوى والشيطان، والتوبة عن المعاصي والزلات، والثبات عليها، وترك الشهوات المحرمات. والظاهر جهاد الكفار المعاندين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومُقاساة سيوفهم ورماحهم وسهامهم. “يَقتلون ويُقتلون” فالجهادُ الباطن أصعب من الجهاد الظاهر، لأنه شيء ملازم متكرر. وكيف لا يكون أصعب من الجهاد الظاهر وهو قطع مألوفات النفس من المحرمات، وهجرانُها وامتثال أوامر الشرع، والانتهاء عن نهيه.” فمن امتثل أمر الله عز وجل في الجهادين حصلت له المجازاة دنيا وآخرة.
- ما كنتَ تتلوا من كتاب الهدى … يأمُرُ بالمعروف خيرَ الأممْ
والمنكرَ الكريه يَلْعــنُـه … فاليومَ داس الناس تلك الحُرَمْ
فيا حماة الشرع قوموا اصفعوا … أُبَّهَةَ الظّلم ودوسوا الصنم