منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كتاب التحرر الاقتصادي،بحث في نظرية المنهاج النبوي للدكتور أحمد الإدريسي|سلسلة قراءة في كتاب

الدكتورة فاطمة اسويطط

0

        كتاب التحرر الاقتصادي،بحث في نظرية المنهاج النبوي للدكتور أحمد الإدريسي |سلسلة قراءة في كتاب

بقلم: الدكتورة فاطمة اسويطط

 

أولا: التعريف بالكاتب والكتاب

1.التعريف بالكاتب:

هو الدكتور أحمد الإدريسي باحث في الاقتصادية والمالية الإسلامية، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي؛ مادة التربية الإسلامية، وعضو مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، (مفاد)، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفي “منظمة الزكاة العالمية”، ومحاسب زكاة معتمَـد بنفس المنظمة، نشر مقالات تخصصية في الاقتصادية والمالية الإسلامية،و شارك في العديد من الملتقيات والمؤتمرات العلمية الوطنية والدولية، كما له دراسات ومؤلفات منشورة في مجال تخصصه منها:

كتاب؛ فصول في الاقتصاد الإسلامي.

– كتاب؛ العقود والصيغ البديلة في البنوك الإسلامية.

– كتـاب؛ التشريع المالي في السنة النبوية من خلال موطأ الإمام مالك.

– كتاب؛ تحفة الحذاق بشرح لامية الزقاق، للشيخ أبي حفص عمر الفاسي الفهري؛ دراسة وتحقيق. (قدم له: الدكتور حمزة بن علي الكتاني).

– كتاب؛ أربعون حديثا في الدين والربا. إضافة إلى المشاركة في كُـتُــب جماعية.

وآخر إنتاجاته هو هذا الكتاب محل التقديم “التحرر الاقتصادي”.

2- التعريف بالكتاب:

بلغت صفحاته أربعة وعشرون بعد المائتين، من الحجم المتوسط وهو من منشورات مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، ومؤسسة ركاز للنشر والتوزيع، طبع الكتاب سنة2021.

ثانيا: مضامين الكتاب

1. التقديم:

قـدم لهذا الكتاب الدكتور عبد الحق دادي المتخصص في اللغة العربية وآدابها، وهو من الأعضاء الفاعلين والمؤسسين لمركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية. وقد بين في الأول المعاني المرتبطة بمصطلح التغيير الذي يدل على التحويل والتبديل، كما يفيد تغيير الأحوال، والانتقال من حال إلى حال، وأشار إلى أن عناوين المشروع التغييري تتجه إلى ما يشبه ” فلسفة الاقتصاد”. وقد أشاد بالمجهود الذي قام به الكاتب في معالجة الإشكال المطروح حول النظرية المنهاجية في الاقتصاد. يقول: “لقد كان الأستاذ احمد بن محمد الإدريسي موفقا في طرح الإشكال على قاعدة بنائية تراكمية، مما أعطى الكتاب المصداقية العلمية الكاملة”.

2. المقدمة:

افتتح الدكتور أحمد الإدريسي كلامه في مقدمة كتابه “التحرر الاقتصادي” بالحديث بشكل عام عن التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ليخلص بعد ذلك للتركيز عن التغيير الاقتصادي في كتابات وتصور الإمام رحمه الله، كما بين فيها منهجية تناوله لمضامين كتابه الذي قسمه إلى خمسة فصول تضم كل منها ثلاثة مباحث.

3. الفصل الأول: عنونه الكاتب ب “مفهوم التغيير في الاقتصاد”؛

قسمه إلى ثلاثة مباحث، تناول في أولها ضبط المصطلحات المفاتيح لتسهيل عملية الاطلاع على فحوى الكتاب، فابتدأ بمصطلح الاقتصاد لأنه هو محور البحث ومداره، وأردفه بمصطلح التغيير، فحدد معناهما في اللغة واصطلاح أهل الاختصاص، يقول: ” الاقتصاد في المفهوم الإسلامي علم يبحث في ميدان تداول السلع والخدمات من خلال قواعد السلوك الإسلامي ولا يبحث في السلوك البشري من خلال تداول السلع والخدمات”.

ولأن الكتاب يعالج التحرر الاقتصادي من خلال نظرية المنهاج النبوي، فقد أورد الكاتب تعريفا مطولا لصاحب الرؤية المنهاجية رحمه الله، أقتبس منها قوله: “الاقتصاد بمعنى التوسط والمداومة والسير”، وقوله أيضا رحمه الله: ” نحتاج لنظرية اقتصادية واضحة المعالم لكي نبني نموذجنا طبقا لروح ديننا، واستجابة لعقيدتنا وطموحنا في الكفاية الذاتية والرخاء والقوة”.

أما مصطلح التغيير فقد حصره صاحب التأليف اصطلاحا في الإيمان والسلوك بمعنى تغيير الإيمان في القلوب، وتغيير سلوك الإنسان وتغير النعم التي أنعم الله تعالى بها على الناس، وقد أشار إشارة مهمة إلى أن التغيير يحتاج إلى استجابة وإرادة وعزم، كما أورد أن التغيير يرتبط ارتباطا وثيقا بإصلاح الإنسان، يقول: ” والتغيير لا بد ان تكون له مقومات وآليات واستراتيجية مضبوطة، ولا بد من تحديد شروطه وضوابطه”، وأكد على أن أداء الأمانة والرسالة التي كلف بحملها المسلمون يتطلب إصلاحا وتغييرا جذريا في النفس البشرية، كما يتطلب تفكيك العقل الإصلاحي وإعادة تركيبه بمقاصد كلية وعملية مستشهدا بما ذهب إليه كلا من الباحث الدكتور عبد العزيز عثمان التويجري والباحث عبد الرحمن العضراوي.

المبحث الثاني خصصه الكاتب للحديث عن التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، الذي يؤصل لكل نظرياته المنهاجية من كتاب رب العزة جل جلاله من سنة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فكانت الآية الكريمة من سورة الرعد هي الموجه والمحدد في منطلق التغيير ومنتهاه، يقول جل من قائل: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾. وقد أورد الدكتور الإدريسي قول الإمام ليعزز ما ذهب إليه، يقول نقلا من كتاب المنهاج النبوي: ” …وتغيير ما بأنفسنا تربية وتنظيما وزحفا هو وسيلة التغيير من غثاء لقوة، ومن جملة التربية والتنظيم والزحف، التربية الاقتصادية، والتنظيم الاقتصادي، والزحف الاقتصادي”.

وبعد أن صال وجال الكاتب موفقا في جل كتابات الإمام رحمه الله تعالى خلص إلى أن ما يميز صاحب نظرية المنهاج النبوي في حديثه عن التغيير أنه فصل بين التغيير الثوري العنيف الذي يحيد عن الأصل ويركز على الفرع، والذي يهدم أكثر مما يبني، وبين التغيير السلمي اللطيف المؤسس على مقومين اثنين، هما: يد الدعوة الرحيمة التي تعد وتقوم وتغير برفق ورحمة وحكمة، ويد الدولة الصارمة التي تمثل القوة التنفيذية لمطالب القومة الصاعدة، وبعد ذلك انتقل الكاتب ليبرز آليات التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وحصرها في خمس آليات كبرى، أولها المرجعية الفكرية الواقعية التي يبنى عليها المشروع التغييري، وثانيها: سلمية الخطاب ووسطية الفكر والتي تتنافى والاستسلام والتطرف تحت أي ظرف، الالتزام بالعدل هو ثالث الآليات التغيير، لأن الجور والفساد أساس كل استبداد، ورابعها محورية المبادئ السامية في تحقيق التغيير المنشود بعيدا عن الأنانية المستعلية والانتهازية والمصالح الشخصية الضيقة، وآخر الآليات هو الإصرار على التغيير وعدم الاستسلام للضغوطات والعقبات.

في ختام هذا المبحث الثاني وضح الكاتب أن التغيير عند الإمام رحمه الله يتطلب استراتيجية واضحة المعالم مدروسة الخطوات تعتمد على الفعل الجماعي المشروط بفهم الواقع وتوفر إرادة التغيير عند الطليعة المجاهدة اليقظة التي تسعى للتعبئة العامة من أجل إرساء خيار الميثاق الجامع.

وفي المبحث الثالث تطرق الدكتور الإدريسي حفظه الله إلى التغيير عند علماء الاقتصاد مشيرا إلى اختلاف اتجاهاتهم الفكرية ورؤيتهم السياسيةللمراحل التي قطعها هذا التغيير عبر العصور، يقول: “وقد تحدث علماء وخبراء اقتصاديون عن التغيير في الاقتصاد واختلفوا باختلاف اتجاهاتهم الفكرية ورؤيتهم السياسية، لكن بنظرة أحادية الجانب” كما بين أن التغيير الاقتصادي يتأثر بالعوامل المحيطة به كالمستوى المعيشي وبإمكانيات الدولة وبعادات الناس وميولتهم، لكن طرح عدة تساؤلات حول العوامل المؤثرة في التغيير الاقتصادي وأكد على ضرورة دراسة الارتباط بين إدارة التحديات الاقتصادية والتغيير لتحديد المسؤوليات المشتركة في التغيير الاقتصادي.

4. الفصل الثاني: اتخذ له الكاتب عنوان الباعث الإيماني والتغيير في الاقتصاد،

وقد افتتحه بمبحث أول تحدث فيه عن مفهوم التربية في اللغة والاصطلاح وفي مصادر التشريع الإسلامي القرآن والسنة النبوية، غير أن الدكتور الإدريسي أثار الانتباه إلى أن التربية تختلف باختلاف المنطلق والغاية، وضرب مثالا لذلك قال فيه:” فالجاهلية تربي أبناءها، تنمي جسمهم وعقلهم وآدابهم المجتمعية لغاية هي الاندماج في المجتمع وإغناؤه بالمهارة المنتجة للبضاعة …”.

وانتقل للحديث عن مفهوم التربية عند الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين: ” التربية تغيير لنفس الإنسان، بعث لإرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحرير لعقله ببث روح الإيمان بالغيب وبالتربية المتكاملة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله” وأضاف أن مدار التربية عنده يقوم على صفاء القلوب والنفوس من سوء الظن ومن النفاق ومن الكبر والعجب، ومن كل الأخلاق الذميمة، لتتحلى بكل الخصال الحسنة المقابلة” فالتربية في مشروع نظرية المنهاج النبوي تخاطب العقل والقلب وتنمي الإيمان، وتجعل الجانب العقدي وحضور نية العبادة في كل مراحل التغيير الاقتصادي.

المبحث الثاني وتحدث فيه الكاتب عن البواعث الإيمانية ووازع الإيمان لتوجيه الاقتصاد، أورد في هذا المبحث مجموعة من الآراء لخبراء في الاقتصاد أجمعوا على أهمية الوازع الديني والقيم الأخلاقية والفطرة السليمة في التغيير الاقتصادي وتوجيه المنظومة المالية نحو القطع مع الجشع والاستحواذ على الثروات والاحتكار والربا، يقول: “ويرى المفكرون غير المسلمين أن وازع الأخلاق والضمير ينبغي أن يكون حاضرا في علم الاقتصاد وعالم المال”، ويضيف قائلا: “ولا يخفى على أحد دور وازع الإيمان في تغيير معاملاتنا في السوق”.

وبعد أن أفاض النقاش حول المعاملات المالية وآليات الاقتصاد والنشاط التنموي عند مختلف التيارات الفكرية والتوجهات السياسية ختم بقولة للإمام المجدد رحمه الله:” وباختلاف القصد بين المجتمع المسلم وغيره يختلف مضمون التعليم وتقييم الأعمال ووجهة النشاط المجمل… ويحمل العمل والكسب والمساهمة في النشاط الاقتصادي معنى التعبئة الجهادية، وتحدد لهدا النشاط التنموي أهداف تلائم العمران الأخوي”.

المبحث الثالث: خصصه الكاتب للحديث دور الباعث الإيماني في تغيير أسلوب إدارة الاقتصاد، تناول فيه علاقة الاقتصاد بالوازع الديني الذي يؤطر هذه العلاقة ويسيجها ويحميها من الوقوع في الغثائية وفي السباق الاقتصادي المحموم، الذي تعتبر الدولة هي المسؤول الأول على تنظيمه وإدارته، كما ركز على الرؤية الشرعية للأموال والتي اعتبرت حفظ المال من كليات مقاصد الشريعة الخمس التي يجب حفظها وصيانتها من العبث والضياع، كما وضعت لها شروطا وسنت لها ضوابط، وجعل البعد الاقتصادي بكل تجلياته وتشعباته خادم للبعد الاجتماعي.

5.الفصل الثالث: وقد اختار له الدكتور الإدريسي عنوان؛ “التغيير والالتزام بالضوابط الشرعية للاقتصاد”.

تناول في المبحث الأول التدرج في التغيير، وهو سنة الله في الكون، مشيرا إلى التفاتة نبيهة من الإمام المجدد في هذا المجال، حيث اعتبر ما وسع أمة الإسلام في مرحلة بنائها الأول يسعها بل لا يسعها غيره في مرحلة إعادة البناء، وذلك باتباع التدرج في التشريع والتدرج في التطبيق، ولتوضيح ما ذهب إليه ذكر الكاتب أنواع التغيير التي ينبغي التدرج فيها، ومن أهمها: تغيير أشكال الاستهلاك وترشيده، الموازنة بين الادخار الاختياري والإجباري، تقنين المساعدات الخارجية، وختم هذا المبحث بضرورة تغيير الإرادة السياسية من أجل تطوير مجال التعاون الاقتصادي لينبني على مبدأ التكافل والتعاون. معتبرا أن التدرج فرض على المهتمين بالتغيير جعل مقاصد الشريعة مطالب تستوجب عملا وصبرا ومصابرة حتى توتي الشجرة أكلها.

وفي المبحث الموالي تطرق الكاتب إلى الضوابط الشرعية للاقتصاد لأنها هي ضمان نجاحه وأمان من أي حلل قد يلحق تنزيله على أرض الواقع، فضبط الأموال بقوانين الشرع هو السبيل الأوحد لإلجام المال وترويضه بالقوانين الإسلامية التي تعطي للعامل حقه ولرب المال حقه، وتضع حدا للاحتكار والتضخم والربا والغش واكل أموال الناس بالباطل، ولكل أنواع الفساد والظلم. كما تخضر الضوابط الشرعية سلوك الفرد والمجتمع والدولة في المجال الاقتصادي لنفس القوانين الأخلاقية في سائر مناحي الحياة.

وفي تناسق محكم بين الفقرات ينسج الدكتور الإدريسي خيوط التغيير الاقتصادي بحنكة المتخصص، فينتقل من ضبط سلوك الأفراد وضبط العلاقة بين العمل ورب العمل إلى ضبط السوق لخلق التوازن الاقتصادي المفضي إلى التغيير المنشود وفق الضوابط الشرعية التي حددها الكاتب أذكر منها: المشروعية، الأولويات الإسلامية، المحافظة على الأموال، التوازن لتحقيق الاستقرار.

وفي المبحث الثالث: تحدث عن التدرج في وضع الضوابط الشرعية، حيث قال: “من الحكمة التدرج في وضع القوانين وتنفيذها وتربية الناس عليها، مؤيدا رأيه بما ذهب إليه الإمام المجدد رحمه الله في كتاب المنهاج النبوي الذي جاء فيه:” تدرج من الصول للفروع، ومن الأهم للمهم، تدرج في الزمان، وتوقيت، وأسبقيات، وضروريات تطرأ،وتشبه عملية التحول والتغيير القانونية كل عمليات التحويل الإسلامي في أنها لا تتم في الفراغ والهدوء”.
وقد أشار إلى بعض الحكم وراء سنة التدرج في التغيير، ومنها: موافقة الفطرة ومسايرة الواقع، والتيسير في تعلم وفهم وحفظ الأحكام. التخفيف في التكاليف مع مراعاة المصلحة والتيسير على الأمة. وختم هذا الفصل بالإشادة بمنهجية الإمام المجدد رحمه الله في المناداة بتطبيق سنة التدرج في عملية التغيير الاقتصادي خصوصا وأنه ليس بالأمر الهين.

6. الفصل الرابع، اتخذ له عنوان: التغيير لبناء اقتصاد الدولة الإسلامية:

ابتدأ هذا الفصل بضرورة التحرر من آفة التبعية التي أفقدت المسلمون استقلالهم المعاشي، وحريتهم الاقتصادية، مبرزا الأضرار التي تنتج عن هذه المعضلة وعلى رأسها السيطرة المطلقة للمستعمر الأجنبي على خيرات وأرباح واستثمارات وتحكم في السيولة والإنتاج، ليخلص إلى ذكر أهم مخلفات هذه التبعية الاقتصادية والتي تتمثل في ربط التجارة الخارجية والعملات النقدية لبعض الدول العربية بالدول الاستعمارية، العمل على توجيه الإنتاج الزراعي والتحكم في الموارد الطبيعية، لكن يبقى التدرج للتحرر من ربقة التبعية وحبالها المختلفة هو السبيل الناجح، وكما أن للتبعية أضرارا فإن للتحرر منها ثمنا لأنه يتطلب تضحية وبذلا ومصابرة ومجاهدة النفس، وللتخلص منها ذكر بعض الاقتراحات منها: التحكم في السيولة النقدية، الاستثمار في المشروعات الاقتصادية العامة. الاكتفاء الذاتي والتمويل الداخلي. وتغيير نمط الاستهلاك. ويرى أن الخلاص من هذه التبعية العمياء لا بد من تعبئة المال والرجال وتنظيم العمل.

لينتقل في المبحث الثاني للحديث عن بناء اقتصاد الدولة الإسلامية، قائلا: “الدولة مسؤولة على قيادة التغيير وبناء الاقتصاد، وعليها أن تكون صريحة مع مواطنيها منذ البداية” معضدا ذلك بما جاء في كتاب الأموال للقاسم بن سلام، يروي فيه قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يرد إلى الصحابي الجليل سيدنا معاذ بن جبل صدقة أتى بها من اليمن قائلا: لم أبعثك جابيا ولا آخذا جزية ولكن بعثتم لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم، وفي كل مرة يرد سيدنا معاذ ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا”، وينتقل الكاتب بالقارئ ليحدثه عن مسؤوليات الدولة الاقتصادية وحددها في ضرورة تدخل الدولة لمنع مفسدات التبادل التجاري من غش واحتكار و تدليس وغيرها، ومنع مفسدات الإنتاج والعرض كالخمور والخنزير والميتة، وضبط التسعير وتحقيق التوازن الاقتصادي، وتحميل المواطن العدل في تقسيم الأرزاق والسعي الجاد لتحقيق التنمية. وختم هذا المبحث بالحديث عن التضحيات والعقبات التي تعترض بناء اقتصاد الدولة مشيرا إلى من أولويات إقامة دولة إسلام هو إذكاء روح التضحية الجماعية في الناس من أجل رفع هممهم عن الحسابات الضيقة ومن أجل تجاوز عقبة التبذير والإسراف التي تعرقل البناء السليم لاقتصاد الدولة الإسلامية التي تنشد العدل في منظومتها الاقتصادية. ليأتي للحديث عن الدولة الإسلامية وسياسة الاقتصاد التي يرى الدكتور الإدريسي أنها مرتبطة بالمالية العامة ارتباطا كبيرا، وهي المسؤولة عن تدبير السياسة الاقتصادية وصولا إلى التكافل الاقتصادي والعدالة الاجتماعية الاقتصادية، مع الحد من التضخم وضبط السياسة النقدية.

وفي الفصل الخامس والأخير تناول الاجتهاد للتغيير في الاقتصاد في نظرية المنهاج النبوي.

المبحث الأول، وخصصه الكاتب لضبط المصطلحات منها الاجتهاد والتجديد وعرج على شروط الاجتهاد وضوابطه، وربط بين الاجتهاد والشورى خاصة في القضايا الكبرى التي تتطلب اجتهادا جماعيا لأهل المشورة والرأي، كما وضع ضوابط للتجديد في المعاملات الاقتصادية كي لا يتغير الثابت من الشرع، والقطعي من الأحكام الشرعية التي أجمع عليها فقهاء الإسلام، من بين هذه الضوابط:

  • المعرفة بعلم الاقتصاد علما ونظاما وقواعد.
  • الإلمام بالعلوم الإنسانية والتطبيقية.
  • المعرفة والاطلاع على ما يشهده العالم من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية.
  • ضرورة التجديد من داخل المنظومة الفقهية.

وختم هذا المبحث بقوله بضرورة الاجتهاد الإنشائي الذي يعالج القضايا الاقتصادية الجديدة، والتي ظهرت مع التطور الذي يعرفه العالم في مجال المعاملات المالية التي قفزت قفزات كبيرة في عالم المبادلات التجارية عبر الشبكة العنكبوتية وعبر ما يستجد من قضايا اقتصادية فرضتها العولمة والتطور التكنولوجي.
وفي المبحث الثاني كان حديث الكاتب حول الاجتهاد عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، افتتحه بنص من كتاب إمامة الأمة جاء فيه:” عزم العاملين للإسلام على الحكم لا يكفي معه القول إن الإسلام هو الحل لمشكلات الإنسان، بل يجب أن نعرض تصورنا للحكم الإسلامي، والاقتصادي الإسلامي، والحل الإسلامي لمشكلات المجتمعات المسلمة في إطار الشريعة، وفي أفق المستقبل، وعلى نطاق الإنسانية جمعاء”، وقد استخلص الكاتب من هذه المقولة وغيرها من أقوال عند الإمام أن الاجتهاد ليس شأنا خاصا بمشكلات المجتمعات المسلمة فقط، بل هو ممتد إلى الإنسانية، وأن الاجتهاد هو اجتهاد كليات واجتهاد في السياسة الشرعية لتطويع الواقع لينسجم مع أحكام الشريعة الغراء.

ولتحقيق التجديد ضمن اجتهاد جماعي أورد الكاتب عدة أقوال للإمام في الموضوع، وخلص إلى ضرورة الاجتهاد الجماعي المتجدد الذي يسبق التغيير الشامل ويواكبه ويستمر معه.

وفي المبحث الختامي والذي اختار له الكاتب عنوان الاجتهاد في أبواب الاقتصاد، وأتي فيه برؤية الإمام المجدد رحمه الله وبين كيفية الانتقال من اجتهاد فردي فرضه الواقع في فترات من تاريخ المسلمين إلى اجتهاد جماعي أملته ضرورة التغيير ووجود خبراء وعلماء انضبطوا بضوابط الاجتهاد وخبروا مقاصده ومآلاته، هؤلاء هم من يجب لم شملهم في معاهد ترعاها الدولة الإسلامية يوم لا تكون الدولة جانية على الدين.

وختم الكاتب هذا الفصل –موفقا بإذن الله- بقوله: “لازالت أبواب المعاملات المالية، وفصول الاقتصاد تنتظر من يتصدى للبحث والاجتهاد فيها، في حين نجد علماءنا قد استفاضوا وأفادوا في أبواب العبادات”. ثم جاء بقول جامع للإمام يقول فيه: “والمجال فسيح للاجتهاد، كفانا علماؤنا الأولون عناء البحث عن النصوص، … وكفانا فقهاؤنا عناء تفريع أحكام الطهارة والمسبوق في الصلاة، وسائر أبواب الفقه الشخصي العبادي، بقي ميدان المعاملات، وأحكام البيوع وشروطها، والربا ووجوهه والقِراضُ وأصنافُه، والزكاةُ ومصارِفُها، والوِكالةُ ومسؤوليتُها، والمزارعة والمساقاةُ، والإجارةُ وإحياء المَوَات، والغَصْبُ والضمان، والشُّفعَةُ والهِبة، والوقفُ والصدقة، والجهاد والعهود”.

الخاتمة

لخص فيها الدكتور الإدريسي معظم ما جاء في مضمون كتابه؛ “التحرر الاقتصادي بحث في نظرية المنهاج النبوي”، مؤكدا على أن الاجتهاد الجماعي التشاوري القطري يعقبه تعاون أقطار الأمة وتكاملها اقتصاديا وسياسيا، وذلك بعد باعث الإيمان، حيث يؤكد الإمام رحمه الله على التأطير والتنظيم والتصنيع وإفساح المجال للاستثمارات، والمبادرات المعقولة، وخبرات البلد وثرواته، وعلى تكامل وازع القرآن وازع السلطان في توجيه سلوك الأمة، ومؤكدا كذلك أن؛ الإمام رحمه الله له نظرة شمولية ومتكاملة، وله حـثٌّ مستمر على الجهاد الاقتصادي للتخلص من قيود الهوى والشهوات وحب الدنيا لأنها تفتك بقيم الأمة المادية والمعنوية، وأن الدولة قادرة على تحقيق التكافل الذي يشمل جميع طبقات المجتمع ليسود العدل، وتتأهل الدولة ثم الأمة الإسلامية اقتصاديا وسياسيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.