منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكتابة على جدار الضوء: عبد الحق الديوري يصنع مرآته من شظايا الرقمنة

رشيد الهاشمي

0

الكتابة على جدار الضوء:
عبد الحق الديوري يصنع مرآته من شظايا الرقمنة

بقلم: رشيد الهاشمي

في زمنٍ صارت فيه الشاشات مرايا تعكس أشباح الذوات، حيث تتجول الكلمات في الفضاء الأزرق كطيور بلا أوكار، يطل عبد الحق الديوري من واحة زيز حاملاً في جعبته ما يشبه حكايات الساهرين. كيف له ألا يكون سارداً بارعاً وهو ابن تلك الأرض التي تختزن في طينتها حكايا الأسلاف؟ نشأ بين جدران من طين تتنفس التاريخ والأساطير، وتحت ظلال نخيل تهمس بالأسرار والحكايا الغابرة، فتشرب لغة الواحة التي تتراوح بين العطاء والجفاف، بين الضحك والدموع. عاشقٌ للكلمة الحية، يجعل من الكتابة موطناً مؤقتاً للروح الشاردة، ومن الحرف جسراً يعبر عليه القارئ إلى عالم آخر. في نصوصه المبعثرة كأوراق الخريف، تجد ذلك الحنين الصافي الذي يشبه ماء الواحة حين ينساب بين السطور، حاملاً في تياره وجوهاً بشرية تتراوح بين البراءة والمشاكسة، بين اليأس والأمل. اختار أن يكتب في الفضاء الافتراضي كما يختار المسافر طريقاً غير مطروق، جاعلاً من الكلمات علامات على جسده الروحي. لم يحجب شيئاً من ذاته عن القارئ، بل فتح نوافذ روحه على مصراعيها، شاركاً إيانا همسه وأحلامه وقلقه. فالكتابة عنده ليست زينة ولا وسيلة للتباهي، بل هي ذلك الفعل الحيوي الذي لا غنى عنه، كالتنفس أو الحلم. يقول في ذلك:

أنا لا أحب كل ما أكتب،

 كما لا أستلذ كل ما آكل.

 لكن تدفعني إلى الفعلين حاجة النفس، للتنفيس والبقاء ! 

هذه شهادة تكشف كيف تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة. مقاومة لا بالسلاح، بل بالكلمة التي تشق الظلام. إنها ترميم للذات عبر البوح، وتطهير للجروح بنور المعنى. فالكلمة دواء، كما أن الخبز ضرورة. وكما يقبل الجسد الدواء المُرّ ليبقى حياً، تقبل الروح كلمات الألم لتشفى. فالكتابة، حتى حين لا ترضي صاحبها، تظل معبراً من صمت الوحشة إلى رحابة التعبير.

ينبني عالم الديوري النصي على مبادئ عدة: اعتراف بالذات، اقتصاد في التعبير، تركيز في المعنى، وخروج عن المألوف. كتابة تتحرر من قيود المنطق لتجري كأنغام طليقة، تحمل في طياتها مشاعر مكثفة. هي ليست فلسفة معقدة، ولا خطاباً متعالياً، بل تشبه القصيدة الغنائية في صدقها وألمها. كلمات مقتصدة في ألفاظها، عميقة في دلالاتها. قد تبدو للقارئ أول الأمر مفككة، لكنها تخفي في أعماقها تماسكاً عضوياً يجمع بين الذات والموضوع، بين الاعتراف والرؤية. ليست شذراته كلمات مبعثرة، بل لآلئ تصنع عقداً سردياً فريداً. إنه كاتب يحول الشظايا إلى فن، والقلق إلى جمال.

  • جدلية الوعي والشقاء

تتشكل دلالة شذرات عبد الحق الديوري من خلال كشفها ذلك التناقض الصارخ الذي ينخر في جسد هذا العالم الواسع. إنها ترصد ببراعة ذلك الصراع الأزلي الذي يخترق التجربة الإنسانية في أعماقها. تأتي نصوصه كمرآة تعكس الأشياء وأضدادها، خاصة تلك الجوانب التي ارتبطت في وعي الكاتب بالمعاناة والألم. وهو ما يؤكده بقوله:

من شقاء المرء

إدراكه للشيء ونقيضه! 

تنفتح قراءة النص على هاوية النفس البشرية، حيث يتصارع الظاهر والكامن، اليقظ والغافي. ذلك الجدل الأزلي بين ما يعلو وما يستتر يشبه محاكمة دائمة بين رغباتنا العمياء وضمائرنا اليقظة. وكما يحدث حين تلتقي النار بالماء، يولد من هذا اللقاء ألمٌ وجودي لا ينطفئ. إنه ذلك القلق الذي وصفه فرويد، ثمنٌ ندفعه مقابل العيش في مملكة القوانين والأخلاق. ليس الشقاء هنا زائراً عابراً، بل هو الجار الذي لا يفارق عتبة الوعي. من يفتح عينيه على ازدواجية العالم، لن يعود قادراً على العيش بسلام الأغبياء. إنها المعرفة التي تشبه سكيناً مزدوج الحدين، تفرض علينا أن نحمل عبء الرؤية الواضحة. كما نيتشه حين أعلن موت الآلهة، يجد المرء نفسه فجأة على حافة الهاوية، بلا حبال إنقاذ. النص هنا يرسم مأساة العقل الذي أدرك أن كل يقين هو مجرد وهم مؤقت، وأن كل حقيقة تحمل بذور نقيضها. المعرفة لا تحررنا، بل تضعنا في سجن من الأسئلة التي لا جواب لها :

لما اتسعت عيناي

ضاق صدري !

يتجلى في النص ذلك الرباط الخفي بين الرؤية والمعاناة. العينان الواسعتان، كبحرين لا ساحل لهما، تحملان ذلك الحزن الذي يأتي مع الفهم العميق. والصدر الضيق، كسجن من لحم ودم، يسجّل ثمن هذه البصيرة النافذة. هل هي لعنة المبدع الذي يرى أكثر مما يجب؟ أم قدر الإنسان الذي يدرك، فجأة، أنه حبيس عالم لا يعرف الرحمة؟ الكتاب هنا يلعب بلعبة الأضداد: اتساع في النظر، ضيق في التنفس. ليست مجرد محسنات لفظية، بل هي جرح مفتوح في جبين الوجود. نبحث عن المعرفة كمن يبحث عن الماء في الصحراء، لكننا حين نجدها، نكتشف أنها ماء مالح لا يروي العطش، بل يزيده اشتعالاً.

هذا التناقض المرّ هو جوهر التجربة الإنسانية: نطلب الحقيقة ظنّاً أنها ستخلّصنا، فإذا بها تخلع عنا ثوب الطمأنينة، وتتركنا عراة أمام رياح الشك. كما قال أحد الحكماء: “من فتح عينيه واسعاً، وجد صدره يضيق”. النص هنا يمسك بتلابيب هذه المفارقة المؤلمة، ويجعلنا نعيشها كضربة سكين في الظلام :

نسيتني

في فترة الفتوة،

فأدركني الكبر صغيراً

يكشف النص عن تلك المفارقة القاسية حيث يتحول الوعي من نعمة إلى نقمة. فما أن يبدأ المرء في مراقبة ذاته بعين ناقدة، حتى ينفصل عن تيار الحياة الجارف. النسيان هنا ليس مجرد غياب للذاكرة، بل هو شاهد على ذلك الوعي المفرط الذي يجعل الكاتب يشعر بالغربة حتى عن نفسه. تتجلى المأساة في هذه العين الساهرة التي تراقب سقوط حبات الزمن واحدة تلو الأخرى، بينما تظل عاجزة عن الإمساك بها. فالشباب الذي كان يجب أن يكون تجربة حية، تحول إلى محكمة يحاسب فيها المرء نفسه على كل لحظة ضائعة. أليس هذا هو السجن الحقيقي؟ أن تكون واعياً بمرور الوقت دون أن تمتلك القدرة على استثماره. الوعي هنا لم يعد جسراً إلى الحرية، بل أصبح قفصاً من الزجاج يرى المرء من خلاله الحياة تنساب بين يديه دون أن يقدر على المشاركة فيها. إنها لعنة المعرفة التي تجعل من العيش تجربة مؤلمة، ومن الحاضر سجناً لا مهرب منه.


  • جدلية الحياة والموت

في هذه الكتابات المتقطعة كأنفاس محتضَر، تتعانق المتناقضات في رقصة سرمدية. الحياة هنا تُهمس للموت بكلماتٍ عارية، والموت يُجاوب بصمتٍ بليغ. ينسج الديوري حروفه وكأنها اللفظات الأخيرة لروح تبحث عن الخلود بين سطور الزمن الفاني. كلماتُه تشبه تلك الورقة الأخيرة التي تتساقط من شجرة الخريف، تعرف مصيرها المحتوم لكنها مع ذلك ترسم في سقوطها لوحةً من الجمال الأخاذ. إنها كتابة على حافة الهاوية، حيث يصبح كل حرف شاهداً على ذلك الحوار الأزلي بين الوجود والعدم. يكتب وكأنه يحفر اسمه على الماء، يعلم أنه سيختفي لكنه مع ذلك يستمر في النقش. هذه الشذرات ليست سوى صدى لذلك الصراع الأبدي بين رغبتنا في البقاء وحتمية الفناء. كلمات تبحث عن الخلود في عالم لا يعترف إلا بالزوال :

وَبُؤْسٌ مُحِبٌّ… كِذْبَةُ الحَيَاةْ!

وَمَمَاتٌ مُقِرٌّ… حَقِيقَةُ المَوْتْ!

يُبرز هذان السطران لعبة التوازي التركيبي ببراعة، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد تماثل شكلي، بل يتعداه إلى تلاحم دلالي عميق. كل عنصر في السطر الأول يجد صداه في السطر الثاني، ليس في القالب النحوي فقط، بل في الثقل المعنوي أيضاً، مما يخلق ائتلافاً عضوياً بين الوعاء والمحتوى. هذا التوازي البنائي لا يقف عند حد المحاكاة السطحية، بل يغوص في أعماق النص ليصنع نسيجاً من التقابلات التي تثري المعنى وتضاعف من إشعاعاته.

وعلى مستوى الدلالة، يرسم الديوري مشهداً وجودياً تعصف به الثنائيات الصارخة: الحياة في مواجهة الموت، الوهم في صراع مع الحقيقة، المعاناة في حوار مع الاعتراف. الحياة هنا تتجلى كوهم كبير، حمل ثقيل لا يُطاق، حيث تتبخر كل ملذاتها – من دفء عابر ولحظات فرح وذكريات بائدة – كسراب في صحراء الزمن، في مواجهة الموت كمصير لا مفر منه. لكن المفارقة تكمن في ذلك التشبث الإنساني الجامح بالحياة، رغم وعيه بزيفها، ورغم ما تنثره في دربه من أشواك الألم وخيبات الرجاء. هذه المفارقة تجسد أعمق تجليات الوجود البشري، حيث يصبح التمسك بالحياة تحدياً وجودياً في مواجهة حتمية الفناء. وهكذا يتحول النص إلى مرآة تعكس ذلك القلق الإنساني الأزلي، حيث تتجسد المأساة البشرية في هذا الصدام بين إدراك زوال الوجود، والإصرار على الاحتفاء به رغم كل شيء.

في عوالم الديوري، تظل صدمة الموت قائمة حتى في خضم صخب الحياة الذي يبتلعنا:

الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ

مَا يَجْعَلُ دَاخِلَ أَجْوَفَ شَكّاً!

أَلَيْسَ الأَجْدَى أَنْ نَعِيشَ بِسَعَادَةٍ؟

مَا دَامَتِ الحَيَاةُ عَبْرَةٌ زَائِلَةٌ،

وَالْمَوْتُ وَعْدٌ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ،

فَلِمَ الحُزْنُ وَالأَلَمْ؟

في هذه الكتابة، يتحول الخوف من الفناء إلى كائن يعيش في جوف الكاتب، يسكنه كما تسكن الذئاب الكهوف المظلمة. يصبح القلق حجرة مهجورة تتراكم فيها أصوات الأسئلة كأوراق الخريف الجافة. وفي مواجهة هذا الوحش الوجودي، يرفع الكاتب صوته كمن يشعل شمعة في نفق طويل، ممسكاً بيد القارئ ليعبر به من دهشة السؤال إلى صدمة الجواب. الحياة هنا كقطرة ماء على سطح حجر ساخن، تتبخر قبل أن نتمكن من رؤية شكلها. بينما يقف الموت كصخرة صلبة في تيار الزمن العابر. هذا التحول من السائل إلى الصلب يخلق توتراً يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة، حيث تتصارع الرياح مع السكون.

يطرح السؤال الأخير كطُعْمٍ وجودي: لماذا الحزن؟ سؤال يهز القارئ كما تهز الريح الشجرة، فيسقط منه كل ما هو سطحي وزائف. النص يبني نفسه على هذه المفارقة: العقل يدرك زوال الأشياء، لكن القلب يأبى إلا أن يتمسك بها. كمن يعرف أن الحلم حلم، لكنه يصر على إكماله.

اللغة هنا تتنقل بين التجريد والتجسيد، كخيط يخيط جرحاً لا يندمل. تبدأ متقطعة كأنفاس خائفة، ثم تنساب كجدول هادئ، لتنتهي بانفجار سؤال يخترق الصفحة كصاعقة. هذه الكتابة تشبه تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء خريطة كنز في جيب سترته القديمة. صغيرة في حجمها، لكنها تحتوي عوالم. تترك في القارئ ذلك الشعور الغريب، كمن وجد رسالة موجهة إليه قبل سنوات طويلة، يعرف كاتبها لكنه لا يتذكر متى كتبت. وهكذا تبقى هذه الكلمات كشمعة في غرفة مظلمة، لا تنير كل الزوايا، لكنها تكفي لنتجنب الاصطدام بالجدران. تذكرنا أن الأدب الحقيقي ليس أجوبة، بل أسئلة تظل معلقة في الهواء كرائحة القهوة في الصباح الباكر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.