طلاق الغضبان دراسة فقهية مقارنة
طلاق الغضبان دراسة فقهية مقارنة/محمد جير البكاي
طلاق الغضبان دراسة فقهية مقارنة
محمد جير البكاي
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الأكرمين الذين كانوا نجوم الشرع ومصابيح الهدى، ولقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه وهداه وفضله، وخلق له من بني جنسه زوجا ليسكن إليه وجعل بينهما مودة ورحمة، ومنهما بنين وحفده ورزقهم من الطيبات وسن لهم من التشريعات من يبين لكل فرد من الأسرة الواجبات والحقوق التي له وعليه لتستقيم الحياة على ذلك.
كما أحل الله الطلاق، وجعله المخرج لمن ضاقت بهما السبل في استحالة العشرة ولكنه كما قيل إن أبغض الحلال إلى الله، وذلك للحد من الطلاق أو عدم الالتجاء إليه في كل حال
فقد شرع الله تعالى الطلاق لإنهاء العلاقة بين الزوجين، وجعله أخر الحلول عندما تغلق أبواب الوفاق، وتنقطع السبل إلى الإصلاح بين الزوجين، ودواء يستشفي به الراغبون في الشفاء، ولكن قد ينقلب الدواء إلى داء، ويستعمل في غير محله، فيصبح وسيلة إلى مآرب أخري، فيصبح كآلة للتهديد من الزوج لزوجته حين يشوب خلاف بينهما أو كلما استشير أو استنشاط غاضبا عليها، وربما استخدم كوسيلة لتأديب أو طريقة تربية أو يمينا يحلف عليها في كل حال ، فإن هذا كله يعد استخفافا بقداسة هذا العقد واخلالا بهذا الميثاق الغليظ، لكن السؤال الآن هل يؤاخذ الشخص بصدور ذلك منه وإن كان غير قاصد لا سيما حين الغضب أم لا ؟.
وإذا كان الجواب بنعم فهل المؤاخذة في كل أنواع الغضب أم مقيدة بنوع معين منه. وما هو الضابط أو الحد الذي يعد فيه الغضب خارجا عن التكلف ويكون فيه الغضبان معذورا فلا يقبل تصرفه الذي يصدر منه ولا يقع طلاقه، هذا كله ما سوف نحاول الإجابة عنه من خلال هذا البحث إن شاء الله تعالي
مناهج البحث:
تتبعت في هذا البحث المنهج الوصفي الاستقرائي، لتتبع ما جاء في الموضوع، وكذلك المنهج التحليلي لأدلة والتعريفات لتوضيح المراد والمعني وبيان الحكم.
أهداف البحث:
يهدف هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف المهمة وهي كالتالي:
- تحديد المفاهيم والحقائق المتعلقة بالطلاق في حالة الغضب
- التفصيل في حالات الغضب أثناء الطلاق في حالة الغضب الشديد والمتوسط.
- التفصيل في أنواع الطلاق من حيث يكون طلاق سني وبدعي وحكم كل منهما.
- تبيان الأحكام والآثار الشرعية المرتبة على الطلاق أثناء الغضب وعدم الغضب.
أسباب اختيار الموضوع:
من أهم أسباب اختياري لهذا الموضوع هو: كونه يساهم في معالجة هذه القضية التي تمس بناء المجتمع وتؤثر على استمرار المودة والسكينة والرحمة فيه.
كثرة الطلاق وانتشاره بشكل كبير بين المجتمع وما يستدعي بيان موقف الشرع منه.
جهل الناس للأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع من ضوابط وشروط مهمة، ينبغي معرفتها بشكل جيد.
أهمية الموضوع:
تتلخص أهمية هذا الموضوع فيما يلي:
كونه يتعلق بمسألة مهمة وهي أهمية الأحكام والآراء الفقهية المتعلقة بطلاق الغضبان.
تعدد حالات الطلاق واختلاف العلماء فيها: ولذلك يحاول هذا البحث أهمية تلك الإشكالات وتسليط ضوء النصوص الشرعية، والاجتهادات الفقهية التي تبحث في هذا الموضوع.
صعوبات الدراسة:
واجهت صعوبات كبيرة منها قلة المراجع في هذا الموضوع
خطة البحث:
يتكون البحث من مقدمة ومبحثين، تحت كل مبحث مطلبين، وخاتمه، وفهارس.
المقدمة أسباب اختيار الموضوع، وأهميته، وأهدافه، ومنهجه وخطته.
المبحث الأول: مفهوم الطلاق وأنواعه
المطلب الأول: تعريف الطلاق
المطلب الثاني: أنواع الطلاق
المبحث الثاني: طلاق الغضبان
المطلب الأول: مباحث العلماء في طلاق الغضبان
المطلب الثاني: أدلة العلماء ومناقشتها
الخاتمة: وفيها أهم النتائج
الفهارس: (المصادر والمراجع)
المبحث الأول: مفهوم الطلاق
- الطلاق في اللغة[1]
الطلاق: اسم مصدر لطلق، يقال: طلق الرجل زوجتـه ولا يقـال: أطلقها، وهو رفع القيد مطلقاً سواء أكان القيد حسياً كقيد الفـرس أم معنويـاً، كقيد الزواج، والطلاق مشتق من الإطلاق: وهو الإرسال بعد الإمساك، يقال: أطلقت البعير من عقاله، ويقال: أطلقت لك الرأي، وطلقت القوم أي تـركتهم، كما يترك الرجل المرأة، ويقال ناقة طالق: أي أنها مرسلة بلا قيد، وقد شاع في العرف استعمال لفظ الطلاق في رفع القيد المعنوي، كما عرف اسـتعمال الإطلاق في رفع القيد الحسي، وطلاق النساء لمعنيين: أحدهما: حـل عقـدة النكاح، والآخر: بمعنى التخلية والإرسال.
ثانيا: الطلاق في الاصطلاح الشرعي: وردت عدة تعريفات للطلاق في المذاهب الفقهية منها:
1- عند الحنفية: الطلاق: “رفع قيد النـكـاح فـي الحـال أو المـال بلفـظ مخصوص”[2]
2- عند المالكية: الطلاق: “صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته”[3]
3- عند الشافعية: الطلاق: “حل عقدة النكاح بلفظ الطلاق ونحوه”[4].
4- عند الحنابلة: الطلاق: “حل عقدة قيد النكاح أو بعضه”[5].
5- ومن تعريفات العلماء المحدثين للطلاق: الطلاق رفع قيد النكاح في الحال أو في المال بلفظ مشتق من الطلاق أو في معناه”[6].
تبين لي من خلال المرور بهذه التعريفات، أن جميع أقوال الفقهاء على أن الطلاق هو حل عقدة النكاح وإنهاء الرابطة الزوجية أو إبطال كل آثار عقد الزواج التي كانت تتمثل بحل المعاشرة والمتعة التي تشكل أساسا من أسس البناء الاجتماعي الكبير الذي يكتسب أهمية بالغة في الطلب والقصد الشرعي، وإن كان في المال فهو الطلاق الرجعي بعد انقضاء العدة.
المطلب الأول: مشروعية الطلاق:
الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وفي الصحيح ” أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مره ليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العِدَّة التي أمر الله أن يُطلق لها النساء[7].
وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم راجعها، وذلك أن جبريل عليه السلام قال: له راجع حفصة، فإنها قوامة صوامة، وطلق أيضا العالية بنت ظبيان وهي التي كان يُقال لها أم المساكين، ونكحت في حياته، قبل أن ينزل عليه تحريم نسائه.[8]
الطلاق تصرف مشروع في ذاته كما يقول الإمام الكسائي[9] ولا خلاف في ثبوت مشروعيته بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، والإجماع.
- أولا: القرآن الكريم: وردت آيات كثيرة تؤكد مشروعية الطلاق منها.
أ – قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان[10] }
ب – وقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [11]}
ج – وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}[12].
وجه الدلالة:
دلت الآيات الكريمة بلفظها الصريح على مشروعية الطلاق، ورفع الإثم عمن طلق زوجته، لأن الزوجية لا تستقيم إلا إذا كان المعروف والود بين الزوجين حتى يتحقق المقصود الشرعي من الزواج.
- ثانيا: السنة: ورد الطلاق في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بفعله وقوله:
أ – ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق زوجته حفصة رضي الله عنها لا لريبة ولا كبر ” وقال: أتاني جبريل فقال لي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة [13]
ب – “ما روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ” [14].
وجه الدلالة: والأمر بالمراجعة دليل على وجود الطلاق، ولولا الطلاق لما أمره الرسول الكريم بأن يراجعها.
ج- قوله صلى الله عليه وسلم: ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق” [15].
والمراد بالحلال: ما ليس فعله بلازم الشامل للمباح والمندوب والواجب والمكروه…
د – وقوله صلى الله عليه وسلم: ” إنما الطلاق لمن أخذ بالساق” [16]
وجه الدلالة: دل الحديث على أن الطلاق حق الزوج الذي له أن يأخذ بساق المرأة لا حق المولي…..
- ثالثا: الإجماع:
وقد انعقد الإجماع من لدن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا الحاضر على مشروعيته، كما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة [17].
المطلب الثاني: أنواع الطلاق:
الطلاق نوعان: رجعي، وبائن
1 – الطلاق الرجعي لا ينهي عقد الزواج، إلا بانقضاء العدة. الطلاق الرَّجْعِي: هو ما يجوز معه للزوج ردّ زوجته إلى عصمته ما دامت لم تنقض عِدَّتها، من غير استئناف عَقْد والمُطلقة طلاقاً رجعياً لها حُكم، الزوجة في كل شيء، ما عدا الاستمتاع بها والدخول عليها في البيت، أو الأكل معها فلا يجوز، وكان ابن عمر قد طلق امرأته وهي في مسكن حفصة رضي الله تعالى عنها وكان طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت كراهية أن يستأذن عليها، حتى راجعها [18].
والدليل على أن المرأة في الطلاق الرَّجْعِي لها حُكم الزوجة في غير الاستمتاع، قوله تعالى: ﴿وَبُعولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إصْلَحا}[19]. والمراد بالإصلاح: الرجعة، والبعولة جمع بعل وهو الزوج، فقد سمّى الله المطلق طلاقاً رجعياً بَعْلاً، وهذا ما يدل على بقاء حكم الزوجية، ولم يجز الاستمتاع بالزوجة في الطلاق الرجعي لأنها مُطلقة، والطلاق يمنع الاستمتاع والمُخالطة.
2 – الطلاق البائن وهو الذي ينهي عقد الزواج حيث وقوعه.
الطلاق البائن نوعان؛ بائن بينونة صغرى وبائن بينونة كبرى. فالطلاق البائن بينونة صغرى هو: ما لا يجوز معه للزوج ردّ زوجته إلى عصمته إلا بعد عقد نكاح جديد بمهر وولي وشهود والبائن بينونة كبرى هو: ما لا يجوز معه.
للزوج رد زوجته إلى عصمته إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، ولا يكون أيضاً إلا بعقد نكاح جديد.
المطلقة طلاقاً بائناً تصير أجنبية عن الرجل، والمطلقة طلاقاً بائناً بِنَوْعِيهِ تُعدّ أجنبية عن مطلقها، لا توارث بينها وبين زوجها إذا مات أحدهما بعد الطلاق، ويجوز له أن يتزوج أختها، وأن يتزوج خامسة إذا كان متزوجاً أربعاً وهي واحدة منهن وتجب لها السكني ما دامت في العدة، لقوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبينة}[20] ولا تجب لها النفقة والكسوة إلا إذا كانت حاملاً، لقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أَوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ}[21].
للطلاق أنواع مختلفة تختلف بحسب النظر إليه:
-فهو من حيث الصيغة المستعملة فيه على نوعين: صريح، وكنائي.
– ومن حيث الأثر الناتج عنه على نوعين: رجعي وبائن، والبائن على نوعين بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى.
– ومن حيث وقت وقوع الأثر الناتج عنه على ثلاثة أنواع: منجز، ومعلق على شرط، ومضاف إلى المستقبل.
- ومن أنواع الطلاق:
أجمع العلماء في المذاهب الإسلامية على تقسيم الطلاق إلى سني، وبدعي، فالطلاق السني هو أن يطلق الزوج زوجته طلقة واحدة إذ دعته إلى الطلاق حاجة وهي طاهر من الحيض ولم يوقعها في هذا الطهر دون أن يردف على تلك الطلقة أخرى[22] .
أما الطلاق البدعي فهو ما كان في زمن الحيض أو كان في طهر واقعها فيه، أو كان أكثر من طلقة واحدة.
- الصفة التي يكون بها الطلاق السني:
اختلف وجهة تسمية هذا القسم بالسني، فقيل: لأنه أذنت في فعله السنة، ورد اذن فيه بقوله تعالي: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء}[23]. ثم إن السنة ليست في مقابلة القرآن، وقيل: لأن أحكامه علمت تفصيل من السنة وإن كانت في الكتاب مجملة وقيل المراد بالسنة: الطريقة الشرعية التي هي في مقابلة البدعة، وعلى كل حال فليس المراد أنه سنة راجح الفعل كما قد يتوهم من إضافته إلى السنة [24].
وليكون الطلاق سنيا لابد له من أن يكون مستوفيا لهذه الشروط التالية:
_ أن يكون طلقة واحدة لا أكثر، أي ما زاد على الواحدة بدعة، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}[25].
ووجه الاستدلال: أن الآية وردت لبيان سنة الطلاق، وهو التفريق: لأن الطلقتين إذا اجتمعنا لم يكن الطلاق مرتين.
- قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}[26].
- ووجه الاستدلال: أن الآية توجب أن يكون الطلاق الواقع من الزوج موجبا لعدة إذا كانت الزوجة تعتد منه والطلاق الواقع ثانيا وثالثا لا يوجب عدة، فكان ممنوعا لأنه واقع خلاف المأمورية.
- – قوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}[27].
ووجه الاستدلال: أن الأمر الذي قد يحدث هو الندم على الطلاق وإرادة الرجعة والطلاق الواقع ثلاثا لا رجعة فيه، ولا يمكن تلاقيه فيكون غير داخل تحت الآية [28].
- أن يكون طلقة كاملة لا بعض طلقة كنصف طلقة
- أن يكون واقعا في طهر، لا في حيض ولا نفاس.
- ألا يطأ المطلق مطلقته في الطهر الذي طلق فيه، ويقوي ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق”[29].
وعلى العموم اختلف الفقهاء فيما يدخل في طلاق السنة [30]
قال الحنفية: إن طلاق السنة من وجهين:
أحدهما: في الوقت وهو أن يطلقها طاهرا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها
والآخر: من جهة العدد وهو أن يزيد في الطهر الواحد على تطلقه واحدة.
وقال المالكية: طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة[31]
وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرا، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض.
وقال الشافعية: طلاق السنة – أن يطلقها كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة.
وقال الحنابلة: طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
فالا تفاق واقع على أن طلاق السنة في طهر لم يجامعها فيه، وأما من أضاف كونها حاملا فلما ورد في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعمر: ” مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت أو هي حاملا “[32].
أما الطلاق البدعي هو ما انتفى فيه شرط أو أكثر من الشروط المتقدمة في الطلاق السني، كأن يطلق الزوج زوجته وهي حائض أو نفساء، أو في طهر مسها فيه، أو أن يطلقها أكثر من طلقة واحدة في مجلس واحد، إلا أنه يستثني منه طلاق غير المدخول بها فللزوج أن يطلق غير المدخول بها من شاء طلقة أو أكثر:
وينقسم الطلاق البدعي إلى:
■ الطلاق في طهر مس فيه: وهو أن يطلق الرجل زوجته في طهر واقعها فيه، وقد اتفق الجمهور على أنه يعد آثما لمخالفته أمر الشارع، ولكنهم اختلفوا هل يقع هذا الطلاق ويحتسب أم لا؟
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأن هذا الطلاق يقع مع الحكم بكراهته.
واختلفوا في علة الكراهة في ذلك، فقيل: لما في ذلك من تلبيس على المرأة في عدتها فلا تدري هل تعتد بالأقراء أو بوضع الحمل لاحتمال أن تكون قد حملت من ذلك الوطء، فكره عليها اللبس في العدة، وأمر ألا يطلقها إلا في موضع تعرف ما هي عدتها: لتستقبلها [33].
وقيل: لخوف الندم على الفراق إن ظهرت حاملا.
وذهب الظاهرية إلى إن الطلاق لا يقع وارتضى هذا القول ودافع عنه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
■ الطلاق في زمن الحيض، وهو أن يطلق الزوج زوجته وهي حائض أو نفساء، وقد أجمع الأئمة الأربعة على حرمته وتأثيم فاعله، وعلة تحريمه تطويل العدة على المطلقة: لأن المطلق إذا طلق زوجته في الحيض يكون قد زادها في العدة أيام الحيض التي طلقها فيها، وهي لا تعتد بها في اقرائها فتكون في تلك العدة كالمعلقة لا هي معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من زوج، وذلك أضرارها والشريعة ناهية عن ذلك
وقال بعض الفقهاء، إن النهي عن الطلاق في الحيض تعبدي غير معقول المعنى.
البدعي هو المخالف للسنة، واتفقوا جميعا على أن الطلاق البدعي لا يجوز للمسلم أن يلجأ إليه وأن يتلفظ به، وإن كانوا اختلفوا في وقوع هذا الطلاق البدعي، منهم من قال لا يقع ومنهم من قال يقع والأمر يحتاج إلى تفصيل أكثر [34]
المبحث الثاني: أقوال العلماء في طلاق الغضبان
المطلب الأول: اختلاف العلماء في طلاق الغضبان
تعريف الغضب لغة واصطلاحا:
تعريف الغضب لغة: (غضب) الغين والضاد والباء أصل صحيح. الغضب مصدر غضب، يدل على شدة وقوة، يقال: إن الغضب: الصخرة الصلبة. قالوا: ومنه اشتق الغضب، لأن اشتداد السخط [35].
يقال غضب يغضب غضبا، وهو غضبان وغضوب.
معنى الغضب اصطلاحا: هو ثوران دم القلب للصدر الانتقام[36]. وقد غضب عليه غضبا ومغضبة، وأغضبته أنا فتغضب. وغضب له: غضب على غيره من أجله.
تعريف الغضب وحالاته:
الغضب مصدر غضب يغضب غضبا، ويقال: رجل غضبان وامرأة غضبى وهو نقيض الرضا[37] ويطلق في العرف على الغيض والانفعال.
قال الجرجاني: “الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر”[38]
للغضب ثلاثة أقسام:
الأولى: أن يحصل للإنسان مبادئ الغضب وأوائله بحيث لا يتغير عليه عقله ويعلم ما يقول، فهذا يقع طلاقه بلا إشكال؛ فإنه مكلف عالم بأقواله ومريد للتكلم بها.
الثاني: أن الغضبان يبلغ به الغضب نهايته فيزيل عقله فلا يعلم ما يقول، وهذا لا يقع طلاقه، قال ابن القيم (بلا نزاع)[39] وذلك أنه يعلم صدور الطلاق منه، فهو أشبه ما يكون بالنائم والمجنون ونحوه. فهذا لا يتوجه خلاف في عدم وقوع طلاقه كما تقدم.
والغضب غول العقل [40] فإذا اغتال الغضب عقله حتى لم يعلم ما يقول، فلا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله في هذه الحالة، فإن أقوال المكلف إنما تنفذ مع علم القائل بصدورها منه، ومعناها، وارادته للتكلم بها.
فالأول يخرج النائم، والمجنون والمبرسم، والسكران وهذا الغضبان.
والثاني يخرج من تكلم باللفظ وهو، يعلم معناه البتة، فإنه يلزم مقتضاه.
والثالث يخرج من تكلم به مكرها، وإن كان عالما بمعناه [41]
الحالة الثالثة من حالات الغضب: أن يستحكم الغضب بصاحبه ويستند به فهو قد تعدى مبادئه ولم ينته إلى آخره، فهذا موضع الخلاف ومحل النظر والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه وعتقه وعقوده التي يعتبر فيها الاختيار والرضا وهو فرع من الإغلاق كما فسره به الأئمة [42].
الغضب مصدر: غضب، يقال: غضب عليه يغضب غضبا وغضبة، ومغضبة، وغضب له: أي غضب على غيره من أجله، هذا إذا كان حيا فإن كان ميتا يقال: غضب به.
وهو في اللغة: نقيض الرضا، وقال أبو البقاء: الغضب إرادة الإضرار بالمعضوب عليه وقال عليه الجرجاني: الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر [43]
المعني الاصطلاح لا يخرج عن المعني اللغوي.
الغضب اصطلاحا: حالة من الاضطراب العصبي، وعدم التوازن الفكري، تحل بالإنسان إذا عدا عليه أحد بالكلام أو غيره.[44]
قد ينكر كثير من الناس أن الغضب يزيل العقل ، ويبلغ بصاحبه إلى هذه الحالة ، فإنه لا يعرف من الغضب إلا ما يجد من نفسه ، وهو لم يعلم غضبا انتهى إلى هذه الحالة وهذا قلط ، فإن الناس متفاوتون في الغضب تفاوتا عظيما ، فمنه ما هو كالنشوة ، ومنه ما هو كالسكر ، ومنه ما هو كالجنون ، ومنه ما هو سريع الحصول سريع الزوال ، وعكسه ، ومنه سريع الحصول بطيء الزوال وعكسه ، كما قسمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأقسام[45]، وقو الناس متفاوتة تفاوتا عظيما في ملك تقواهم [46] عند الغضب ، والطمع ، والحزن والخوف ، والشهوة ، فمنهم من يملك ذلك ويتصرف هو فيه .
قال صاحب إغاثة اللهفان: قوله ومن زال عقله بسب يعذر فيه: كالمجنون والمغمي عليه، والمبرسم، لم يقع طلاقه أبدا لأنه ليس له دخل في ذلك. هذا صحيح لو ذكر المغمي عليه والمجنون بعد أن أفاقا أنهما طلقا، وقع الطلاق[47].
قال المصنف هذا فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية فأما المبرسم، والموسوس [48].إن عقلا لزمهما الطلاق. قال في الفروع: ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه، أو غشي عليه. قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله: يدخل في ذلك في كلا مهم بلا ريب وإن غيره الغضب ولم يزل عقله، لم يقع الطلاق[49].
أن الغضبان الذي قد انغلق عليه القصد والرأي وقد صار إلى الجنون العارض أقرب منه إلى العقل الثابت أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل المتلفظ بالطلاق في حالة عقله؛ وإن لم يرده بقلبه، وقد ألغي طلاق الهازل الفقهاء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد[50],وحكاها أبوبكر عبد العزيز وغيره. وبه يقول بعض أصحاب مالك[51] إذا قام دليل الهزل فلم يلزم عتق ولا نكاح ولا طلاق. ولاريب أن الغضبان أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا.
ويرى جماعة من أهل العلم في عدم اشتراط في المجنون والمبرسم ألا يكون ذاكرا لطلاقه، وإن كان ظاهر نص أحمد بن حنبل، أنه متى ذكر الطلاق لزمه فإنه قال في رواية أبي طالب في المجنون يطلق فقيل له لما أفاق؛ إنك طلقت امرأتك فقال: أنا ذاكر أني طلقت، ولم يكن عقلي معي: فقال: إذا كان يذكر أنه طلق فقد طلقت”[52]
قال أبو محمد المقدسي: “وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فمن كان بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشاف أو كان مبر مسا فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضره ذكر الطلاق إن شاء الله”[53] أنتهى كلامه.
ومعلوم أن الغضبان الممتلئ أسوء حالا ممن جنونه من نشاف أو برسام وأقل أحواله أن يكون مثله[54].
الموسوس لا يقع طلاقه على الإطلاق وصرح به أصحاب أبي حنيفة [55]وكذلك غيرهم، وما ذاك إلا لعدم صحة العقل والارادة منه فهكذا هذا.
أنه لم يقل أحد: أن مجرد التكلم بلفظ الطلاق موجب لوقوعه على أي حال كان بل لابد من أمر آخر وراء التكلم باللفظ.
هناك طائفة؛ اشترطت أن يأتي به في حال التكليف فقط، سواء قصده أو جرى على لسانه من غير قصد، سواء أكره عليه أو أتى به اختيارا، وهذا مذهب من يوقع طلاق المكره والطلاق الذي يجري على لسان العبد من غبر قصد منه، وهو المنصوص عند أبي حنيفة في الموضعين”[56].
وهناك طائفة اشترطت كذلك مع ذلك أن يأتي باللفظ مختارا قاصدا له وهو قول الجمهور من الفقهاء الذين لا ينفذون طلاق المكره.
ثم منهم من اشترط مع ذلك أن يكون عالما بمعناه، فإن تكلم به اختيارا غير عارف بمعناه لم يلزمه حكمه، وهذا قول من يقول: لا يلزم المكلف أحكام أحكا م أقواله حتى يكون عارفا بمدلولها. وهذا هو الصواب [57].
ومنهم من يشترط مع ذلك أن يكون مريدا لمعناه ناويا له، فإن لم ينو معناه ولم يرده لم يلزمه حكمه، وهذا قول من يشترط لصريح الطلاق النية، وقول من لا يوقع طلاق الهازل وهو قول “في مذهب الإمام أحمد[58]“والإمام مالك[59].وبه قالت جماعة من الأئمة منهم الصادق والباقر والناصر، واستدلوا بقوله تعالى {وإن عزموا الطلاق}[60],فدلت على اعتبار العزم والهازل لا عزم منه. وأما حديث: ” ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق، والرجعة[61].
ومالك يشترط هؤلاء المسائل:
- الرضا بنطق اللسان
- والعلم بمعناه
- وإرادة مقتضاه.
ومنهم من يشترط مع ذلك كون الطلاق مأذونا فيه من جهة الشارع، وهو قول من لا يوقع الطلاق المحرم، وهو قول طائفة من السلف ومن الصحابة، والتابعين ومن بعدهم [62].
وقال أبو جعفر الباقر: لا طلاق إلا على منة، ولا طلاق إلى على طهر من غير جماع، وكل طلاق في غضب أو يمين أو عتق فليس بطلاق، إلا لمن أراد الطلاق[63] “.
أن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد[64]
أحدها لا يصح ولا ينفذ لأن النهي يقتضي الفساد. والثاني ينفذ، والثالث إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه، وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ فإن، الحاكم يجب أن يكون عالما عدلا.
ومن لم ينفذ حكمه قال: الغضب يمنعه كمال المقصود وحسن القصد، فيمنعه العلم والعدل، ولا يصح القياس أيضا على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه معصوم في غضبه ورضاه، فكان عليه السلام إذا غضب لم يقل إلا حقا؛ كما كان في رضاه كذلك.
جمهور العلماء، يقول إن طلاق الصبي المميز العاقل لا ينفذ ولا يصح، هذا قول أبي حنيفة[65] ومالك [66]
والشافعي واحدي الروايتين عن الإمام أحمد [67].
أن غاية التلفظ بالطلاق أن يكون جزء سبب، والحكم لا يتم إلا بعد وجود سبه وانتفاء مانعه، وليس مجرد التلفظ سببا تاما باتفاق الأئمة كما تقدم؛ وحينئذ: فالقصيم والعلم والتكليف إما أن تكون بقية أجزاء {الكسب}[68]
وكذلك قال أصحاب الشافعي إذا سبق الطلاق إلى لسانه بغير قصد، فهو لغو، ولكن لا تقبل دعوى سبق اللسان إلا إذا ظهرت قريبة تدل عليه [69].فقبلوا منه في الباطن دون الحكم إلا بقرية.
وكذلك قال أصحاب مالك من سبق لسانه إلى الطلاق، لم يقع عليه الطلاق قالوا ويقبل في الفتوى [70].
وأبو حنيفة لايري سبق اللسان مانعا من وقوع الطلاق، وعنده في سبق اللسان في العتق روايتان، وقرر أصحابه بأن المرأة تملك بضعها لسبب يستوي فيه القصد وعدم القصد؛ كالسكران والمكره والهازل، فإن السبب الذي يملك به نفسه يختلف فيه القصد وعدمه وروي أبو يوسف عن أبي حنيفة التسوية بينهما، ثم اختلف أصحابه[71].
إن سبق السان إلى الطلاق من غير قصد مانع من وقوع عند الجمهور، والغضبان إذا علم من نفسه أن لسانه سبقه بالطلاق من غير قصد، جاز له الإقامة على نكاحه ويدين في الفتوى، وأما قبوله في الحكم فيخرج على الخلاف.
والأظهر: أنه إن قامت قرينة ظاهرة تدل على صحة قوله، قبل في الحكم، والغضب الشديد من أقوال القرائن، ولاسيما فإن كثيرا ممن يطلق في شدة الغضب يحلف بالله جهد يمينه أنه لم يقصد الطلاق، وإنما سبق لسانه؛ وحينئذ فالجمهور لا يوقعون عليه الطلاق، كما صرح به أصحاب أحمد والشافعي، ومالك، وفي قوله في القضاء ثلاثة أقوال، أصحها؛ أنه إن قامت قريبة ظاهرة على صحة قوله قبل وإلا فلا[72].
المطلب الثاني: أدلة العلماء ومناقشتها:
اختلف العلماء في طلاق الغضبان على التفصيل السابق على قولين[73] :
_ المذهب الأول: أن طلاق الغضبان لغو لا عبرة به وهذا هو مذهب الحنفية وبعض الحنابلة.
_ المذهب الثاني: أن طلاق الغضبان واقع معتبر وهذا مذهب الجمهور من المالكية والحنابلة
- الأدلة ومناقشتها:
استدل أهل المذهب الأول ومن وافقهم بأدلة منها:
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: ” لا طلاق ولا عتاق في إغلاق[74].
والإغلاق يتناول الغضبان: فإنه قد انغلق عليه رأيه، حتى أصبح لا يعلم شيء من تصرفاته.
واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: {لا يؤخذكم الله باللغو في أيمانكم}[75] قال ابن عباس: ” لغو اليمين تختلف وأنت غضبان” رفع الله المؤاخذ عن الغضبان فيما يتلفظ به علمنا إلغاءه لكلامه [76].
ومنها: قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزق فاستعن بالله}[77].
ومما يتكلم به الغضبان في حالة شدة غضبه من طلاق ونحوه هو من نزغات الشيطان، فإنه يلجئه إلى أن يقول مالم يكن مختارا فلا يترتب عليه حكمة [78] .ويدل على هذا الكلام حديث عطية السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الغضب من الشيطان “[79] .
استدلوا أيضا:
بحديث أبي بكر مرفوعا: {لا يقضي القاض بين اثنين وهو غضبان}[80]. ولو لا إن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لن ينه عن الحكم حال الغضب.
فدل على نفي القصد فيبطل قوله ومنه طلاقه.
ومنها أيضا: أن السكران بسبب مباح طلاقه غير واقع؛ لأنه غير قاصد للطلاق، ومعلوم أن الغضبان كثيرا ما يكون أسوأ حالا من السكران [81] .
■ المناقشة:
أما حديث عائشة رضي الله عنها في الإغلاق فإنه خارج محل النزاع؛ إذا هو في الإغلاق، والإغلاق ليس هو محض الغضب.
قال ابن القيم رحمه الله: قال شيخنا: الإغلاق انسداد باب العلم والقصد عليه[82]. وهذا طلاق غير واقع باعتبار واتفاق وهو الحالة الثانية من تقسيم الطلاق.
أما تفسير ابن عباس فغير صحيح. قال ابن رجب ” لا يصح اسناده [83] هذا واقع نقل عنه تفسير الآية غير ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير عن سعيد بن جبير عنه أن لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، قال ابن رجب ” صح عن غير واحد من الصحابة أنهم أفتوا أن يمين الغضبان منعقدة وفيها الكفارة”[84].
أما القول بأن ما يتكلم به الغضبان هو من نزغات الشيطان فلا يترتب عليه حكمة، فهذا غير صحيح فإن معناه أن ما كان أثرا لنزغات الشيطان فلا حكم له، وهذا ظاهر البطلان فإن غالب معاص ابن آدم وسيئاتهم إنما هي من نزغات الشيطان ووساوسه، أعان الله وإياكم منها.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من غضب أن يتلاف في غضبه بما يسكنه من أقوال وأفعال، فلولا أنه مكلف مؤخذ لما أمر بذلك، والله تعالى أعلم.
فدل على عدم خروجه عن التكليف؛ ثم إن الحكم يرتبط بحق الغير وليس كالطلاق فإنه مختص باللفظ.
■ وأما قياسه على السكران فهو صالح للمرتبة الثانية دون ما نحن بصدده؛ وذلك لأن السكران غير عالم بما يقول، قال الله تعالي: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}[85]
وتقدم أن صاحب المرتبة الثانية هو من بلغ به الغضب نهايته، فأزال عقله حتى لا يعلم ما يقول \
استدل أهل المذهب الثاني: وهم الجمهور بأدلة منها:
عن خولة بنت ثعلبه امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت زوجها فغضب فظاهر منها، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر، وإنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت تشكوا إليه وما تلقي من سوء خلقه، فينزل الله تعالى آية الظهار وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفارة ولم يلغه؛ لكونه غضبان والظهار كالطلاق[86]
ومنها أيضا: عن أبي العالية أن خولة _غضب زوجها فظاهر منها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قالت؛ إنه لم يرد الطلاق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ما أراك إلا قد حرمت عليه “وذكر القصة وفي آخرها قال: فحول الله الطلاق فجعله ظهارا [87].
قال ابن رجب في جامعه: فهذا الرجل ظاهر في حالة غضبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى حينئذ أن الظهار طلاق وقد قال: إنما حرمت عليه بذلك، يعني لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارا مكفر أليمه بالكفارة ولم يلغه[88] .
وقد يرد على الحدثين اعتراض بأن المراد به الحالة الأولى حيث يكون الغضب في مبادئه، فأقول؛ قد ورد الحديث بذكر الغضب مطلقا عاما: إذا إنه لم يستفصل وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فتدخل الحالات الثلاثة حين يبلغ الغضب أشده فتخرج، وتبقي الحالتان الأخريان مرادتين بهذا الحديث.
ما روي عن مجاهد عن ابن عباس أن رجلا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان، فقال: ابن عباس لا أستطيع أن أحل لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك[89].
قول الحسن: (طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهرا من غير جماع، وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض، فإن بدا له أن يراجعها كان أملك بذلك، فإن كان غضبان ففي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، ما يذهب غضبه [90].
أن القاعدة الفقهية تقول: ” دلالة الأحوال تختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوي ما يوفقها ورد ما يخالفها، ويترتب عليها الأحكام بمجردها [91].
قال ابن رجب في قواعده: «يتخرج على القاعدة مسائل منها: كنايات الطلاق في حالة الغضب والخصومة لا تقبل دعوى إرادة غير الطلاق بها ” وفيما ذكر خلاف ذكره صاحب المغني [92] وهذا في كنايات الطلاق، ففي صريحه أو أخرى، قال في المغني: ” والغضب ها هنا يدل على قصد الطلاق فيقوم مقامه”[93]
الراجح في المسألة:
يتبين لي مما مضي من دراسة هذا المسألة أن الراجح فيها هو: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة وهو مذهب الجمهور من وقوع الطلاق على الغضبان على التفصيل المذكور: وذلك لقوة الأدلة التي استدلوا بها في هذه القضية
صراحتها وقوة صلتها بالمسألة
ضعف أدلة المخالفين لما ورد عليها من المناقشة.
أن القاعدة الشرعية أن الأصل في الأبضاع التحريم فالواجب التثبت في الأمور والتنبه لها. وقد اختار هذا القول من المحققين ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالي
الخاتمة:
بعد هذه الجولة الماتعة في كتب أهل العلم من فقهاء ومحدثين ومفسرين وأصوليين نخلص هنا إلى ذكر أمور:
- وقوع طلاق المكره بحق دون المكره بغير حق
- الغضبان الذي لم يغم عليه فطلاقه واقع.
– الطلاق من حيث الصيغة ينقسم إلى صريح، ويقع بمجرد التلفظ به من غير حاجة إلى نية، وكناية وهو الذي يفتقر إلى نية الألفاظ ومعنى الطلاق وغيرها.
– قصد بطلاق الغضبان رفع قيد النكاح الصحيح من رجل وهو في حالة اضطرابه العصبي، وعدم توازنه الفكري.
– من خلال دراستنا تبين لنا أن الغضب يكون على ثلاثة أنواع؛
الأول: أن يحصل له مبادئ الغضب بحيث لا يتغير عقله ويعلم ما يقول ويقصد، وهذا لا إشكال فيه.
الثاني؛ أن يبلغ النهاية فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله.
الثالث؛ من توسط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون، فهذا محل النظر.
- طلاق الغضبان مختلف باختلاف أنواعه.
جمهور العلماء يرون التوسع بالمؤاخذة على الغضبان، فيؤاخذ على ما يصدر منه أثناء حال الغضب مالم يكن مغلوب على عقله فلا يقع طلاقه كالمجنون والمدهوش بشرط أن يذكر ما صدر منه أثناء طلاقه.
أما ابن تيمية ومن وافقه فيرون توسع دائرة المؤاخذ لتشمل الغضب الشديد واستحاله فلا يقع طلاقه وإن كان مستكرها ما يقول.
فلا يقع طلاق الغضبان في حال اشتداد الغضب لكن بشرط أن يثبت عدم قصده.
وهنا أنبه إلى الطلاق إنما شرع لحل قيد الزوجية عند تعذر إتمام الزواج والبقاء عليه.
فلا ينبغي أن يجعل وسيلة لأمور أخرى كما يفعله بعض الجهلة، كأسلوب تهديد، أو وسيلة تأديب أو طريقة تربية، أو يمينا يحلف عليها في كل حال فإن هذا كله من اتخاذ آيات الله هزوا والله المستعان.
توصيات
- التوعية الدنية والثقافية لجميع الناس بمسائل الطلاق وكثرة انتظارها وتأكيد خطورتها، لا سيما عبر وسائل الإعلام المختلفة التي أصبحت تجمع العالم في دائرة واحدة.
- اهتمام الأجيال وكل الباحثين العالمين للاهتمام بهذا النوع من القضايا ولا سيما مسائل الطلاق المنتشرة في مجتمعنا.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
المراحع:
- زاد المعاد في هدي خير العباد المؤلف: ابن قيم الجوزية: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله شمس الدين المحقق: شعيب الأرناؤوط عبد القادر الناشر: مؤسسة الرسالة سنة النشر: 1418-1998. الطبعة: الثالثة 3.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين الطبعة العلمية ابن القيم المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب بن سعيد شمس الدين ابن قيم الجوزية الناشر: دار الكتب العلمية بيروت الطبعة: الأولى 1411ه 1991م.
- سبل السلام شرح بلوغ المرام المؤلف: محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني الناشر: دار الحديث – القاهرة الطبعة: الخامسة، 1418ه 1997م.
- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع المؤلف؛ علاء الدين، أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بملك العلماء (ت 587ه) الطبعة؛ الأولى 1367-1368ه تنبيه؛ أصدرت دار الكتب العلمية وغيرها.
- معجم مقايس اللغة المؤلف؛ أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسن الناشر؛ دار الفكر عام النشر؛ 1399ه 1979م
[1] انظر ابن منظور / لسان العرب مادة طلق
[2] انظر حاشية ابن عابدين 3/226
[3] انظر مراحب الجليل 4/18
[4] مغني المحتاج 3279 كفاية الأخيار 2/84.
[5] المغني 7/66. الانصاف 8/429
[6] الأحوال الشخصية لأبي زهير ص 279.
[7] صحيح البخاري باب طلاق الحائض. رقم الحديث 5251
[8] انظر أبو داود 2/285: الاستيعاب 4/1812 ومواهب الجليل 4/19
[9] بدائع الصناعة
[10] البقرة الآية 227
[11] البقرة الآية 236
[12] الطلاق الآية 1
[13] سنن النسائي رقم 3556
[14] سنن ابن ماجه 1/651، رقم 2019، 2023 سنن أبي داود 2/255 رقم 2179 سنن النسائي 6/216 – 2013 رقم 3566
[15] سنن أبي داود 2/255، رقم 2178، سنن ابن ماجه 1/650، رقم 2018
[16] انظر ملتقى أهل الحديث -2.
الجزء 22. الصفحة 151
[17] انظر زاد المعاد ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية ص: 214.الجزء 5
[18] انظر السنن الكبرى 7/372، والشرح الكبير 2/422
[19] البقرة آية 226.
[20] الطلاق آية 1
[21] البقرة آية 5.
[22] انظر عبد الرحمن الصادق الغرياني مدونة الفقه المالكي وادلته، الطبعة: دار الريان للطباعة والنشر 2005. الجزء 3. الصفحة 221
[23] سورة البقرة الآية: 236
[24] انظر عبد الرحمن الصادق الغرياني مدونة الفقه المالكي وادلته. الجزء 3.ص 221
[25] سورة البقرة الآية: 229
[26] سورة الطلاق الآية 1
[27] سورة الطلاق الآية 1-2
[28] انظر مواهب الجليل للحطاب 4/55
[29] في البخاري رقم 4953 , ومسلم 1471
[30] تفسير آيات الأحكام / الصابوني (1930م.) الطلاق 65.ج :3
[31] انظر روائع البيان. ج 2. ص 598
[32] انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام.
المؤلف [محمد علي الصابوني] ج: 2. ص: 598
[33] انظر الصادق الغرياني مدونة الفقه المالكي وادلته. ج3.ص221
[34] انظر جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
ج 12. ص 443.
[35] معجم مقايس اللغة ابن فارس 48-428
[36] انظر الأصفهاني ص 75.
[37] انظر لسان العرب (5/3262) وكذلك مختار الصحاح ص 199 والمصباح المنير (ص 170)
[38] التعريفات (ص 162) وانظر معجم لغة الفقهاء ص.332
[39] انظر زاد المعاد (5/125)
[40] انظر أعلام الموقعين 2/175و 3/53 وأقسام القرآن 265
[41] انظر إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان (ص-21)
[42] انظر إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ص:39
[43] لسان العرب والتعريفات للجرجاني. ج.٣١/٢٥٨
[44] الموسوعة الفقهية الكويتية ( ١٨/٢٨ )
[45] تقدم تخريجه (ص’ 66) من حديث أبي سعيد الخدري.
[46] تقواهم “كذا في الأصل. ولعل الصواب: قواهم والله أعلم
[47] انظر إغاثة اللهفان بتصرف (ص 87)
[48] في الأصل، أ الموسوس
[49] انظر الإنصاف ج 22 ص 138
[50] انظر الإنصاف 22-216
[51] حاشية الدسوقي 2-351
[52] انظر المغني 10 / 346، والانصاف 22/138
[53] انظر المغني (10/346)
[54] انظر إغاثة اللهفان (ص 89)
[55] حاشية ابن عابدين بتصرف 4/224
[56] انظر حاشية ابن عابدين 3/235.
[57] إغاثة اللهفان ص 90
[58] لكن المذهب خلاف (محمد بن مانع) تعقبه تلميذه الشيخ زهير الشاويش: وهذا منه رحمه الله. تمسك بالمفتاح به عند متأخري مذهبه الحنبلي
[59] قال الشوكاني في نيل الأوطار 5/235
[60] البقرة الآية 227,
[61] المروي في أبي داود 2194 والترمذي 1184
فليس من مرويات الشيخين ولا من الصحيح لذاته ولا غيره ومثل هذا المقام يحتاج فيه إلى القواطع كما لا يخفي قال الشوكاني: حديث ثلاثة جده جد…. في إسناد عبد الرحمن بن حبيب وهو مختلف فيه.
[62] انظر إغاثة اللهفان ص 91
[63] إغاثة اللهفان ص 94
[64] انظر المغني 14 / 25,28 وأصول الفقه لابن مفلح 4/1546
وروضة الطالبين 11/110 واعلام الموقعين 4/227
[65] انظر شرح فتح القدير 3/487
[66] المدونة 6_25 ومواهب الجليل 3-453
[67] يقع طلاق المميز أن عقل معناه.
[68] الكسب في الأصل: لكسب
[69] انظر روضة الطالبين 8/53
[70] مواهب الجليل ومعه التاج والاكليل 4/44
[71] انظر إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ص101
[72] إغاثة اللهفان ص 102
[73] انظر مجلة البحوث الإسلامية الفصل الثاني حكم طلاق الغضبان
ج؛50. ص؛ 348
[74] انظر سبل السلام شرح بلوغ المرام 2/262
[75] سورة البقرة الآية 225
[76] انظر طلاق الغضبان ص36
[77] سورة الأعراف الآية 200
[78] طلاق الغضبان ص 35
[79] أخرجه أبو داود في سننه كتاب الآداب باب ما يقال عند الغضب 4774 وأحمد في مسنده 4/226
[80] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، رقم (7158)
[81] انظر طلاق الغضبان ص 45
[82] انظر تهذيب السنن 6/187
[83] جامع العلوم والحكم، ص 149
[84] انظر الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي2/4 ص 2574
[85] سورة النساء الآية: 45
[86] انظر جامع العلوم والحكم، ص 149
وزاد المعاد ,5/325
[87] أخرجه ابن حاتم كما في ابن كثير 4/32 ابن جرير, 28/5 والبيهقي 7/392,
[88] انظر جامع العلوم والحكم لبن رجب الصفحة :149
[89] انظر مجلة البحوث الإسلامية [ج-50: ص355]
[90] أخرجه القاض إسماعيل كما في جامع العلوم والحكم. ص 149.
[91] انظر القواعد لا بن رجب. ص 322 القاعدة الحادي والخمسون بعد المائة
[92] انظر المغني 10/360
[93] مجلة البحوث الإسلامية ص 356.ج 50