منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل حرّمَ النّبِيُّ ﷺ تعدُّدَ الزوجاتِ؟

هل حرّمَ النّبِيُّ ﷺ تعدُّدَ الزوجاتِ؟/ عبد المجيد فاضل

0

هل حرّمَ النّبِيُّ ﷺ تعدُّدَ الزوجاتِ؟

بقلم:  الأستاذ عبد المجيد فاضل

الحمْدُ لِلّه ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على سيد المرسلين وخاتم النبيين؛ وبعدُ:

إنّ أكثر الشباب في هذا العصر يجدون صعوبةً كبيرةً في الزواج بامرأةٍ واحدةٍ، بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛ والغريبُ في الأمر أنّ بعضَ المنابر عوض أن يُقدّموا حلولاً لهذه الظاهرة، تراهم يوجِّهون سِهامَهُم المسمومة نحوَ المُناداة بمنْعِ تعدد الزوجات، وكأنّ التعددَ هو المشكلةُ الكُبرى التي تُقِضُّ مَضْجَعَ شبابِ اليوم!

وهم لا يفْتُرون عن محاولة استخراج الأدلة من القرآن والسُّنَّةِ؛ لإقناع المسلمين بأن التعدد حرام، لا يجوز في شريعة الإسلام!

وكثيرٌ منهم يستدلّون بالقصة التي رواها البخاري ومسلم عن المِسورِ بن مخرمة، والتي جاء فيها أنَّهُ قال: “سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وهو علَى المِنْبَرِ: “إنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا في أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أبِي طَالِبٍ، فلا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، إلَّا أنْ يُرِيدَ ابنُ أبِي طَالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فإنَّما هي بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرَابَهَا، ويُؤْذِينِي ما آذَاهَا”.

ولكنْ هناك روايةٌ أخرى في الصحيحين – يُعرِضُ عن ذكرها هؤلاء المُحَرِّمون للتّعدّد – تُبيّن السبب الحقيقي الذي جعل النبيَّ يغضب ويرفض هذا الزواج؛ هذه الرواية جاء فيها: “أَنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، لَكِنْ وَاَللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا”، وَفِي روَايَةٍ أخْرى في الصحيحين: “وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا”.

يتبيّنُ لنا من هذه الروايات أمران:

الأمر الأوّل: أنَّ التعدد مباح، وهذا واضحٌ من قولِه : “وإني لست أُحَرِّم حلاَلاً”.

 الأمرُ الثاني: أنَّ النبي لم يُحرِّم التعدد على علي – رضي الله عنه -، وإنما منعه من أن يتزوج ابنةَ عَدُوِّه وعَدُوِّ اللَّهِ؛ لأن هذا فيه مضرّةً لابنتِه فاطمة الزهراء – رضي الله عنها – ؛ ولذلك قال : “فإنما ابنتي بضعةٌ مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها”، فهو رفض هذا الزواج شفقةً على ابنته فاطمة، التي كان يحبُّها حُبّاً شديداً؛ وهي – رضي الله عنها – لم تستسغْ أن تكون ابنةُ رجلٍ كان مِنْ أشدِّ الناس عداوةً لرسول الله ضَرَّةً لها.

إنّ هذه المرأةَ التي اختارها علي رضي – اللّهُ عنه – كانت ابنةَ أبي جهل، وأبو جهل كان من أشدِّ النّاس عداوةً لرسولِ اللّهِ ، وكان له دورٌ كبيرٌ في محاولة قتله؛ وهو الذي حرّض كُفّارَ قُريش على قتله ، وقال لهم: “واللَّه لأُشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له”! [حديث حسن: رواه الطبري في تفسيره (11/ 135، 134)، / انظر: «الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه»، محمد عبد الله الضياء الأعظمي، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض – السعودية، الطبعة الأولى، 1437هـ – 2016م، ج10 ص338].

إنّ فاطمةَ الزهراء – رضي اللّهُ عنها – كانت ابنةَ رجلٍ ليس كباقي الرجال، إنها كانت ابنةَ رسول اللّهِ ، وكان أحبّ الناس إلى قلبها، ونظراً لمكانتها لم يكن في إمكانها أنْ تتحمّلَ أن يجمع زوجُها بينها وبين ابنة أبغضِ النّاس إلى قلبها. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرحه لهذا الحديث: “السّياقُ يُشعِر بأن ذلك مباحٌ لِعلي، لكنه منعه النبي رعايةً لخاطر فاطمة”.

وقال الإمامُ النووي في «شرح صحيح مسلم»: “فإن ذَلِكَ يؤَدِّي إِلَى أَذَى فَاطِمَة، فَيَتَأَذَّى حِينَئِذٍ النَّبِيُّ ، فَيَهْلَك مَنْ آذَاهُ؛ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِكَمَالِ شَفَقَته عَلَى عَلِيّ، وَعَلَى فَاطِمَة”.

وقَالَ ابْنُ التِّينِ: “أَصَحُّ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَبَيْنَ ابْنَةِ أَبِي جَهْلٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَأَذِيَّتُهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ”. [فتح الباري (9/328-329)].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.