الديـمقراطـيــة: تـــــاريخ ومســـارات
الديـمقراطـيــة: تـــــاريخ ومســـارات/ الأستاذ محمد باكريم
الديـمقراطـيـة: تـاريخ ومسـارات
بقلم: الأستاذ محمد باكريم
قراءة في الأصول:
كلما ذُكرتِ الديمقراطية تَذكرتُ الموْطن أثينا وتذكرت المواطنين وهم فقط الذكور الأحرار المولودين من أب أثيني وتذكرت الساحة العامة أَكورَا وتذكرت الغاية وهي اختيار الحكام والقضاة وصياغة القوانين والتصويت عليها.
فالديمقراطية تدور حول الوطن والمواطن والغاية في إطار الأكورا العمومي الذكوري السيادي، وكانت الساحة الأثينية تأسيسية للقوانين وتشريعية وتنفيذية وقضائية.
يقول التعريف إن الديمقراطية تعني فيما تعني « حكم الشعب » بينما واقع الساحة والوضع السياسي السائد مخالف للتعريف. الساحة غير التعريف، الساحة أقوى من التعريف، الواقع يفرض نفسه، الشعب في التعريف شيء آخر مخالف للشعب في الساحة الأكورية الحاكمة بإرادتها، لها سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء.
الشعب مطلق وهو في الساحة مقيد بشرط الذكورية والحرية والأبوة الأثينية، حاول « لينكولن » أن يحرر العملية السياسية وأن يحرر اللعبة من النخبة فوسع التعريف: يقول الديمقراطية هي « حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب ».
نلاحظ أن الشعب في التعريف هو ثلاثة طبقات شعب حاكم وشعب محكوم وشعب في انتظار الأحكام.
فالشعب الحاكم هو الفرد الواحد الأوحد هو الكل في الكل، والشعب المحكوم هو النخبة المنتفعة ذات المصالح الدائرة في فلك السلطة الطامعة تدور في ساحة الحاكم. أما العبيد فهم الشعب الذي ينتظر صدور الأحكام فيرتقي من وضعية عبد ورعية إلى وضعية سياسية وطنية مواطنة معترف بها أو يرتقي من وضع اقتصادي واجتماعي متدهور إلى آخر فيلتحق بالشعب المحكوم.
فإذا عملية اختيار وصيانة القوانين والتصويت والمشاركة هي ديمقراطيا لم ترق إلى مستوى فك عقدة ثنائية الذكور والإناث والأحرار والعبيد، ثنائية سلطة تحكم بالفعل والواقع وشعب يسمح له بممارسة اللعبة يتلهى بها بين فترة وأخرى، يوهَم أنه مصدر السلطة ويختار ممثليه في مراكز القرار، لكن الديمقراطية الحقة تتعالى عن مستوى اللعبة إلى مستوى آخر مختلف تماما.
قراءة في المبادئ:
انطلقت الديموقراطية الحقة رافعة شعارات إنسانية ومبادئ معقولة هي مطمع كل إنسان يتوق إلى مجتمع فاضل ومدينة فاضلة ومواطنين فضلاء، ومن المبادئ الركائز التي رفعت عليها الديمقراطية عرشها وتوجت به صرحها وجعلت الفرس والعجم والبربر يتوق إلى استيرادها واستيطانها واستنباتها في أوطانهم والاستفادة من ثمراتها ومنافعها مايلي:
1- الحرية: لازالت تشرئب إليها الأعناق وتتخذ تماثيل وتكتب على الجدران ويسيل حولها المداد والدماء ولا زالت مقولة « متى استعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا » شعارا ينحت على بعض البوابات.
تعلِّم الديموقراطية المواطن أنه حر في حدوده في ظل مبادئه تحت سمائه وعلى أرضه التي يتشارك فيها مع غيره ” أنت موجود إذا أنت حر ” ووجودك مع غيرك يفرض عليك المشاركة والتعاون والاحترام المتبادل، ولو كنت وحدك منعزلا في أحد الجزر لما كان للحديث معك عن الحرية معنى ومغزى.
فالديموقراطية تعلِّم الناس أنهم أحرار في التعبير والرأي، ويكفي الديموقراطية هذه الميزة الكبرى وهذه القيمة: أنها تطلق الإبداع والتفكير وتطلق القلم ليجولَ في عالم الخيال والقول، إنه تحرير العقل الإنساني والقلم من ركودهما وخمولهما التاريخيين.
لاتنازل عن حرية التعبير ولا تراجع عن حق الرأي لكن مع استحضار واجب الاحترام.
2- أما الاختيار فهو أن تختار من تشاء وتعزل من تشاء، يتجلى رأيك إذا كان لك رأي في الاختيار.
3- المساواة: لا فضل لأثيني حر على آخر عبد، المواطنون سواء وسواسية لاتمييز في الديموقراطية بين أبناء الوطن إلا بما يبذلونه من جهود وطاقات في خدمة المصلحة العامة للوطن، يختلفون بإرادتهم وقدراتهم، هم سواء أمام القانون، لهم حقوق وواجبات.
4- العدالة الاجتماعية: لازال مطلب الرفاهية الاجتماعية والرفع من المستوى المعيشي للمواطن التحدي الذي حاولت الديموقراطية في منشئها تخطيه، ولا يسمع الجائع إلا صوت الخبز وصوت من يتحدث عن الخبز ويدعو إلى الثورة الخبزية لذلك لا معنى لديموقراطية الحاجيات الطبيعية لمواطنيها.
قراءة في الإنجازات:
الديموقراطية في بلادها لها معنى وتحمل معنى وتعني اختيار الشعب والاحتكام إلى الشعب، الديموقراطية أحزاب متعددة، أحزاب تتعايش، معارضة تراقب، نقد متبادل، تداول على السلطة حرية صحافية مضمونة، حقوق دستورية مقننة، دستور تاريخي له تجربة طويلة، الاحتكام إليه وتحكيمه واحترام القانون عمل وسياسة متفق عليها وطنيا وبديل حضاري يقتنع به الكل.
في بلاد الديموقراطية يعني النظام الديموقراطي:الاستقرار وليس كما يقول الزعيم الإنجليزي تشرتشل أقل الأنظمة شرا، بل هو من أفضل الأنظمة بالنظر إلى ماهنالك في ضفاف الجنوب.
هناك الديموقراطية حوار ثم حوار، مؤسسات منتخبة ومحترمة، موازنة بين السلطات، حل للخلافات السياسية بالطرق السياسية والحضارية. الديموقراطية نشدان لدولة القانون، لا لدولة الأشخاص وشخصنة الدولة، والدولة هي فلان الميسيو أو علان، يحكم ثم يستبد ثم لا يستعد لتداول الحكم.
من إنجازات الديموقراطية
1- تعليم حر تنافسي فتح الأبواب على كل المجالات، فانطلق مكسرا القيود الكنسية وتعاليمها المفلسة، فبدأ عصر الأنوار والكشوفات التي توسعت آفاقها.
2- اقتصاد وتجارة انفتحت أمامها كل الحدود الدولية فتطورت العلاقات الاقتصادية والتجارية وتوطدت العلاقات الدولية وأنشئت مؤسسات ومنظمات دولية ترعى الاقتصاد الجديد وتضع له قوانين وضوابط.
3- علوم إنسانية متجددة متحررة من كل المراقبة الكنسية، فعلّمت الديموقراطية الإنسان على اكتساب العقلية المنتقدة والمنفتحة والمتفتحة والقابلة للتفكير والإبداع والإنتاج.
4- المشاركة في البناء المجتمعي: بناء المؤسسات واحترام المؤسسات: جمعيات، منظمات، انتخابات، صحافة، أحزاب دستور، قانون…..
بهذا يكون الإنسان في المجتمع الديموقراطي قد جمع بين التعلم والبحث والحرص على العمل والإنتاج ليستقل اقتصاديا واجتماعيا ثم يسهم في بناء المجتمع بعقلية منفتحة ومتحررة من التبعية ولاتبيع صوتها.
قراءة في عصارة الفكر الديموقراطي
إن أهم ماجاءت الديموقراطية تسعى إلى تحقيقه على مستوى الفرد والمجتمع هو الحرية التي تعتبر أهم مطلب إنساني ملح وضروري وهو أعز ما تتوق إليه البشرية عبر التاريخ، لذلك فالحرية لها وقع في آذان الناس ولها قيمة وتتحرك لسماعها النفوس.
لبناء المجتمع المستقر توصل الفكر الديموقراطي بعد تجربته الطويلة إلى هذه الحِكَم المعتبرة:
أ – العقد الاجتماعي: يتمثل هذا العقد كما صاغه الفيلسوف الفرنسي « روسو » في أعراف وحقوق غير مكتوبة كما هو الأمر في إنجلترا، أو مكتوبة في دستور مقنن ومعقلن ومنشور يقرأه كل الناس، قابل للمراجعة والتعديل كما هو الحال في الأنظمة الدستورية الكبرى..
فالناس يرتبطون في الدولة بعقد اجتماعي، عقد وعهد ومعرفة، يتصرف الناس على أساس واضح، وضوح في الواجبات والحقوق، لاغموض ولاخوف إذا لا تسلط ولا استبداد.
ب- الدستور: وهو صيغة تنزيلية لمفهوم العقد الاجتماعي، بمعنى أنه القانون الأساسي للدولة يضبط الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، قائم على فصل السلط الثلاث، ويضمن لكل ذي حق حقه، البرلمان يسن القوانين ويراقب، الحكومة تنفذ، والقضاء يمسك الميزان.
ج- سيادة الشعب: الشعب يمارس حريته في اختيار حكامه أو ينزع منهم الثقة، يصوت على الذين يقنعون بأدائهم وكفاءتهم وبرامجهم وسمعة أحزابهم.
د- المجتمع المدني: يقصد به قادة الرأي العام، والنقابات والجمعيات والمؤسسات والتنظيمات، وهذه كلها تقوم بدور أساسي وهو تأطير الشعب وتوجيهه وتنويره وتعبئة القاعدة الشعبية الواعية بالقضايا العامة السياسية والوطنية، قاعدة حرة فعالة مؤثرة لا رعية أو قطيع أخرس مهمل في سهول الغفلة والجهل السياسي.
ه- حقوق المواطنة: للمواطن في الدولة الوطنية الديموقراطية حقوق مضمونة، ومعاش وأمن وتضامن وكرامة، ويتمتع بحق المشاركة، يَنتخب ويُنتخب.
و- دولة القانون: تعني أن طاعة القوانين واجب على كل مواطن مقابل ما يتمتع به من حقوق، بمعنى أن كل قانون صوت عليه المواطنون يصبح ملزما ويطبق على الجميع، وبهذا يمكن ملاحقة كل تلاعب بالقانون، ومقاضاة الرؤساء وإدانتهم وتتبع الفضائح الأخلاقية والمالية والمافيا والموظفين المرتشين.
هكذا عاش المواطن في بلاد الديموقراطية متمتعا بالرفاهية السياسية والحرية إلى جانب الرفاهية على مستوى القدرة الشرائية، حيث إن العطاء السياسي الناجح رهين بالعطاء والسخاء والكرم المعاشي الاجتماعي.