نقصان عقل المرأة ودينها
بقلم: الأستاذة تورية البوكيلي
إن من أفضل الأعمال خدمة الحديث النبوي، فهو المصدر الثاني من مصادر التشريع، لذلك اهتمت الأمة الإسلامية بهذا الميراث العظيم، وبذلت الجهد في حفظه والمحافظة عليه، وظهرت نتيجة لذلك العلوم المختلفة التي كان من شأنها حماية الحديث النبوي من الوضع والافتراء ومن كيد الماكرين، ونخص بالذكر أصحاب الفكر الحداثي الذين يسعون جاهدين للنيل من السنة والتشكيك في حجيتها ومصداقيتها. ومن بين المواضيع التي كثر كلامهم حولها موضوع المرأة؛ فقد كانت ولازالت قضايا المرأة إشكالية يحتدم حولها النقاش. فمع أن الإسلام قد سوى بين المرأة والرجل في جوانب كثيرة أساسية، وكرمها بنصوص صريحة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض؛ إلا أن بعض أعداء الإسلام شككوا في بعض الأحاديث النبوية الخاصة بالمرأة، وفهموها بشكل خاطئ، واتخذوا ذلك سببا ليشنعوا على الإسلام أنه قد انتقص المرأة، وعاملها دون الرجل كرامة ومكانة.
فكثيرة هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحدث فيها عن طبيعة المرأة وخصائصها، فتلقتها أفهام طائفة من الفقهاء والمفسرين والمحدثين بتأويلات ظالمة للمرأة، بعيدة كل البعد عن المنهج الرباني المتصف بالعدل، الذي أعتدناه مثالا تطبيقيا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فظلت هذه الأحاديث النبوية موضع التشكيك من قبل دعاة تحرير المرأة والحركات النسوية الذين يرون في الفقه الإسلامي تحاملا على المرأة ينبغي مساءلته. فكيف إذن نتعامل مع مثل هذه الأحاديث النبوية، فهي صحيحة عند الشيخين البخاري ومسلم وغيرهما؟ أنردها لأنها تعارض ما قرره القرآن الكريم من مبادئ المساواة بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والتكاليف؟ أم نعيد قرأ ة الأحاديث ونفهم معانيها وفق مقاصد الوحي؟
نقصان عقل ودين المرأة
المصدر الحقيقي لهذه الشبهة هو العادات والتقاليد الموروثة، التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية، وهي عادات وتقاليد جاهلية حرر الإسلام المرأة منها، لكنها عادت إلى الحياة الاجتماعية، في عصور الانكسار التاريخي، والأكثر خطورة هي التفسيرات الخاطئة لبعض الأحاديث النبوية بحثا عن غطاء شرعي لقيم التخلف التي سادت. لقد كان الحظ الأوفر في هذا المقام للتفسير الخاطئ الذي ساد وانتشر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن بلى، قال: فذلك من نقصان دينها“[1].
يحتاج هذا الحديث إلى دراسة سواء من منظور المناسبة التي قيل فيها أو من منظور صياغته، وذلك حتى نتبين دلالاته ونتعمق في معانيه. “فمن ناحية المناسبة فقد قيل النص خلال عظة للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم –صلى الله عليه وسلم- أن يغضَّ من شأن النساء أو يحطّ من كرامتهن أو ينقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة! أما من ناحية صياغة النص فليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام. وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم- من “التناقض” القائم في ظاهرة تغلب النساء – وفيهن ضعف- على الرجال ذوي الحزم. أي: التعجب من حكمة الله! «كيف وضع القوة حيث مظنة الضعف وأخرج الضعف من مظنة القوة”[2].
والواضح أن الحديث جاء في صيغة هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا “التناقض” القائم في ظاهرة تغلب النساء على الرجال ذوي الحزم! أي التعجب من حكمة الله، كيف وضع القوة في ضعف المرأة المتجلي في رقتها العاطفية وتأثراتها الوجدانية، وفي قلة خبرتها بخصام الناس وشدائد الحياة حتى إن الله عز وجل عزز الشاهدة منهن بشاهدة ثانية لتذكرها إذا نسيت. في شرح النووي لصحيح مسلم: «قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله: ” قوله صلى الله عليه وسلم: (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل) تنبيه منه –صلى الله عليه وسلم- على ما وراءه و هو ما نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله تعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحدَاهُمَا الأخْرَىٰ﴾ أي أنهن قليلات الضبط … وأما وصفه –صلى الله عليه وسلم- النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض فقد يستشكل معناه وليس بمشكل، بل هو ظاهر؛ فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد (…)”[3].
إن ما يدل عليه سياق الحديث، أنه صلى الله عليه وسلم وجه إلى النساء كلامه هذا على وجه البسط التي يمارسه كل منا في المناسبات. فالحديث لا يركز على الانتقاص من المرأة، بمقدار ما يركز على التعجب من قوة سلطانها على الرجل. فالرسول الكريم يمدح في المرأة عاطفتها التي تذهب بحزم الرجال، وهي من أهم خصائص الأمومة ومميزاتها التي زودت بها لتقوم بحضانة وتربية طفلها، ولهذا فإن الطفل يحتاج إلى الحنان والعاطفة من الأم، وإلى العقل من الأب، وأكبر دليل على عاطفة الأم تحملها لمتاعب الحمل والولادة، والسهر على رعاية طفلها، ولا يمكن لرجل أن يتحمل ما تتحمله الأم، ونحن جميعا نشهد بذلك.
ومن المعلوم أيضا كما جاء في مبادئ علم النفس، أن المرأة أقوى عاطفة من الرجل، وأوهن تفكيرا منه، وأن الرجل أقوى تفكيرا من المرأة وأوهن عاطفة منها. وكلنا نعلم أن هذا التقابل التكاملي بينهما، هو سر سعادة كل من الرجل والمرأة بالآخر. وقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث مختلفة طبيعة المرأة، وحث على مراعاتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: “إن المرأة كالضلع، إن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها على عوج”[4] . وقد يفهم هذا الحديث، فهما حرفيا. فالمرأة معوجة مطلق الاعوجاج، والرجل هو الاستقامة، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحيز ضدّ المرأة، وهو الذي أوْصى بها ثم أوصى، ودارى ثم دارى، وأحسن ثم أحسن. وهذا ما أشار إليه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله قائلا: “إن اختلاف نفسية المرأة، وغلبة العاطفة عليها إن غلب على الرجل المنطق العقلي، مزية وتكامل. لا يصِحّ أن نُنَقصَها لمكان تركيبتها النفسية إلا لو صح أن نلومها على اختلاف تركيبها الجسمي. اعوجاجها الضِّلَعي هو استقامتها. هو انحناء معنوي وحُنُوّ. هو عاطفة ورحمة”[5].
وأخيرا، هل يجوز في أي منطق، أن يعهد الله بأهم الصناعات، صناعة الإنسان، ورعاية الأسرة، وبناء مستقبل الأمة، إلى ناقصات العقل والدين، بهذا المعنى السلبي، الذي ظلم به الإسلام، ورسوله الكريم، الذي حرر المرأة تحريره للرجل؟!
[1] متفق عليه.
[2] تحرير المرأة في عصر الرسالة، عبد الحليم أبو شقة، 1: 275.
[3] شرح النووي على صحيح مسلم.
[4] سنن الترمذي
[5] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 2، ص174