منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النقاش المميت!

د. أسامة الأشقر

0

النقاش المميت!

د. أسامة الأشقر

1. هناك نقاش دائر مخيف جداً يدور بين أصحاب الفكر الواحد والنهج الواحد يحفر جروحاً نفسيّة عميقة أخشى أن تؤسّس لخلاف جذريّ خطير يتجاوز الاختلاف المشروع الذي ينمّي ويطوّر ويرمّم ويصلح.

2. أدواتُ هذا الخلاف ليست نقاشاً علمياً ولا مرافعةً فكريّة ولا تأصيلاً محترفاً بل هي شتائم عنيفة، وإدانة مبنيّة على اتهامات استنتاجية، وتشكيك يتجاوز اتفاقات الماضي.

3. والأدهى من ذلك أن جهات المناقشين تتعرض كلها لتحديات عسكرية وأمنية وجوديّة خطيرة تحيط بها من كل جانب، وهي تستهدفها بشكل لم يسبق له مثيل، ولا يستدعيها أحدٌ أثناء احتدام النقاش.

4. وهناك قضيّة خافية دائماً في النقاش، وهي أن كثيراً مما يجب توضيحُه من أطراف النقاش لا يمكن قولُه والتصريح به لاعتبارات أمنيّة حسّاسة جدّاً لا مجال للاستثناء فيها أو الاستجابة للضغط الذي تدفع به بعض الجهات.

5. ولأننا في فضاء مفتوح يكثر فيه الراصدون والمتتبعون، والأذكياء والأغبياء، والصادقون والكاذبون، والمؤْتمرون والمتآمرون، والآمرون والمأمورون فلا يمكن أن يكون هناك نقاش صحّيّ يقوم فيه المختلفون بعرض خلافهم على بعضهم لتخفيفه أو إنهائه ووضع سياسات تضمن عدم تحويل أي نقاش إلى مسالك غليظة صعبة تتوارثها الأجيال بعد أن تتحول إلى قناعات وثقافة مشتركة.

6. أيها العقلاء: إن فينا من كل جانبٍ من يتهوّر أو يخطئ أو يضطر أو يرى رأياً فيه مصلحة راجحة في توقيت ما، وهذا يُتعامَل معه موضعياً ويُراجَع فيه من قِبل أهل الحلّ والعقد والرأي من كل جانب لاسيما أن خطوطهم مفتوحة قائمة، وثمّ’ اتصالات لا تنقطع؛ ولكن الإشكال في هذه الأضغان التي تثوّرها المنصات التي تهيج دون هدى فتحجب أصوات العقلاء المرشدين حتى عن أنصارهم فتختلط الأمور وتشتد الفتنة.

7. وأنصح الذين يتصدّرون المنابر والمنصات والصفحات أن يتقوا الله في هذه الأمّة، وأن يتجرّدوا من التحليلات التي ركّبوها أو تأثّروا بها، وأن يتبيّنوا النصح النصيح، فكثيراً مما يظنونه حقيقة هو وجهٌ منها مقصودٌ لأمر لا يعنيهم، ورسالة إلى مَن لا يَلِيهم، وكثيراً مما يثورون عليه ليس فيه ما يظنونه فيه، وأنّ كل طرف لديه ما يخصّه، لكنّ أحداً من إخوانكم وأهلكم لا يمكنه أن يفرح بمصيبة أخيه، أو يتعاون عليه، أو يشارك فيه ولو بشطر كلمة، أو يسمح بتمريره على حسابه، أو يستفيد منه لتحقيق غرضٍ عنده.

8. أيها العارفون! اضربوا على يد طُلّاب الفتنة، ودعاة العصبيّة، والمتشددين المفتونين، وأهل الهوى المنتشرين، والعملاء المتستّرين، والأعداء المبثوثين، والخونة الواقفين على كل ناصية، فهم شرٌّ يتستّر بالنصيحة والصلاح، ويتغذّى من الغضبات والنفرات؛ واعترِضوا على ما ترونه خطأً كما شئتم، واطلبوا من أعيانكم أن يحملوا الأمر ويجادلوا فيه مراراً وتكراراً، ولا تملّوا أن تستغفروا لإخوانكم حتى لو ظننتم تحقّق الخطأ فيهم من الزاوية التي تنطلقون منها في تخطئتهم، فلابد أن لهم زاوية نظر أخرى يرون أن فيها متسعاً لا يسع أحداً إلا هُم حتى ينجلي البلاء، وتستطيعوا أن تكونوا معاً جبهةً واحدةً كما أمَرَكم اللهُ ربُّكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.