منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يوم عرفة: مداخل التعيين ومناطات التعظيم

د. البشير قصري

0

يوم عرفة: مداخل التعيين ومناطات التعظيم

د. البشير قصري

باحث في الفكر الإسلامي المعاصر ومقاصد السياسة الشريعة

 

كلما هل هلال شهر ذي الحجة من كل سنة تتكاثر الكتابات والتسجيلات، والآراء والتعليقات، والتعقيبات المتعلقة بتحديد يوم عرفة، أهو الموافق للتاسع من ذي الحجة؟ أم هو المتفق مع وقوف الحجاج بعرفة؟ وما ذاك –أحسبه- إلا أمارة خير وعافية حيث يحرص المسلمون على إدراكه صياما وطاعة، ودعاء وتقربا لله عز وجل، رجاء فضله بغفران سنة مضت وأخرى أقبلت.

وتحقيقا لواجب البيان الملح وقت الحاجة يبذل الدعاة والفقهاء والباحثون والعلماء هذه الأيام جهودا علمية توعوية تنويرية للإجابة عن السؤال الذي يشغل جمهور المسلمين: هل نحدد يوم عرفة بالزمن أم بالحدث؟ وفي هذا أيضا علامة دالة على عافية –أحسبها- لأن من شأنها تحسين العرض الفقهي الإسلامي، المعتبَر طبعا، أي المستند لدليل من أثر صحيح ونظر صريح، وهذه هي البيئة الطبيعية الحاضنة للفقه الإسلامي في نموه وتطوره، فيكسب العلم قوة وحجة ونفع وإفادة، فالعلم العري عن الحجة لن تفيد به غيرك، وإن كنت لا أخفي تخوفي من توظيف مثل هذه النقاشات واختلاف العلماء حولها لتوسيع الهوة والفرقة بين مسلمي العالم، والتقليل من درجة الإحساس بالانتماء إلى رابطة عقدية وشعائرية تعبدية وسلوكية.

لذلك ينبغي أن تحرص هذه الجهود العلمية والبيانية على بقاء القلوب والنفوس مرتبطة بهذه المقدسات المباركة، ومتصلة بهذا التاريخ الإسلامي الخالد، الذي سطره أنبياء الله تعالى ومن اتبعهم، من أب البشرية آدم، إلى أب الأنبياء إبراهيم، فأب العرب إسماعيل، مرورا بكوكبة نور مصطفاة وصولا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه وعلى جميع أنبياء الله أزكى الصلاة والتسليم.

ولقد تتبعت الكثير مما كُتب وألفيته غنيا مفيدا، اختلفت مداخلهم التأسيسية وبناؤهم المنطقي وخطواتهم المنهجية، وفيما يلي إشارة وتعليق مقتضب على بعضها:

1- تحقيق المناط: بحث هؤلاء على ما أكسَب هذا اليوم التاسع من ذي الحجة مزية (المزية لا تقتضي التفضيل كما قال القرافي في فروقه) تكفر عن صائمه سنتين، فرأوا أنه وقوف الحجيج بجبل عرفة. وهو رأي وجيه باعتبار تكلف أصحابه لفتح مدخل منطقي أصولي لاستنباط الحكم المناسب، لكن لنا أن نذهب في السؤال بعيدا (وشفاء العي السؤال) فنقول: أكان هذا اليوم التاسع من ذي الحجة فاقدا لمزيته قبل فرض الحج وركنه الأعظم الوقوف بعرفة؟ أم أنه يوم جليل شرع الله فيه هذه العبادة الجليلة، كما اختار الليلة المباركة لإنزال الكتاب المبارك، فزادت بركتها؟

2- التفريق بين عرفة وعرفات: حاول هؤلاء التمييز بين “عرفة” كظرف زمن، و”عرفات” كظرف مكان، واستندوا إلى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: « نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن صِيامِ يَوْمِ عَرَفةَ بعَرَفات».

 وبالرجوع إلى أحاديث الباب نجد ما يوهن هذا المدخل، إذ روى أبو هريرة رضي الله عنه حديثا مماثلا ولكن بعرفة عوض عرفات، قال: «نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن صِيامِ يَوْمِ عَرَفةَ بعَرَفةَ». ولما رجعت إلى معاجم وفهارس البلدان، وأطلس السيرة النبوية تغلب لدي عدم التفريق بينهما من حيث الدلالة على المكان، فنجد “جبل عرفات” و”وادي عرفة” وغيرهما كثير.

3- توحيد المطالع: يرون أن التطور العلمي والتكنولوجي في زمننا لم يسمح بقبول اختلاف المطالع وأن يكون لكل بلد بداية شهره الخاصة، وميقات نسكه، وقد خرجت بعض المجامع العلمية بتوصيات تقضي بتوحيد المطالع للإمكانية التي توفرها التقنية الحديثة رصدا وتبليغا، ولكنها لم تُفعَّل بعد، لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، ولاعتبارات واقعية وحسابية أيضا تتمثل في امتداد معظم بلاد العالم الإسلامي على مساحة كبيرة من خطوط الطول، وهو واقع يجعل بعض هذه البلدان لا تشترك في جزء من الليل، ولذلك يبقى اختلاف المطالع واقعا موضوعيا. وإذا قبلنا بهذا الأمر جاز أن تسبق بعض الدوال السعودية بيوم مثلا –وقع هذا مرات منها الصين سنة 2004م- فيوافق وقوف الحجيج يوم عيدهم، ويحرم صيامه باتفاق (يخص الجالية المسلمة هناك).

4- المدخل التاريخي: يسجل التاريخ أن المسلمين لم يحجوا بعض السنوات لظروف، وبالتالي لم يقفوا بعرفة، وهذا الأمر محتمل الوقوع مستقبلا أيضا –لا قدر الله- وبالتالي يستبعدون أن يكون الوقوف مناطا لتعيين يوم عرفة لأنه مناط يتخلف أحيانا، والمطلوب في المناطات الوصف الظاهر الثابت المضطرد.

5- علاقة الزمن والمكان بأفعال العباد: لأفعال العباد ظرفان: زمني ومكاني، وبينهما ارتباط وثيق، لا تستقيم للإنسان حياة إن فصل بينهما، ويكون لذلك أثر وخيم على إحساسه بوجوده واستقامة تفكيره، ونجاح عمله، فنهاره بدهي أن يكون نهار البلد الذي هو فيه، وليلُه ليله، وظهره وعصره ورمضانه رمضانه، وقس على ذلك الشهور والدهور. فالإنسان تنضبط مواقيته تبعا للمكان الذي هو فيه.

6- يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة: يستندون إلى حديثين شريفين: الأول عند أبي داود وهو: «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصومُ تِسعَ ذي الحِجَّةِ، ويومَ عاشوراءَ، وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ، والخميسَ والخميسَ»، والثاني عند النسائي «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصومُ تِسعَ ذي الحِجَّةِ، ويومَ عاشوراءَ، وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ، والخميسَ والخميسَ»

هذه بعض الملاحظات التي سجلت بعد متابعتي لما كتب من شأنها أن توسع مدارك الفهم، وتبصر بمداخل الاستدلال وبناء الخطاب الشرعي، مع التأكيد مرة أخرى أنها لن ترفع الخلاف وإن أسهمت في حسن إدارته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.