(1)”عن أي تاريخ نتحدث؟” – فقه التاريخ
الحلقة الأولى: "عن أي تاريخ نتحدث؟" "فقه التاريخ" / الدكتور محمد اللياوي
“فقه التاريخ”
الحلقة الأولى: “عن أي تاريخ نتحدث؟”
بقلم : الدكتور محمد اللياوي
تقديم :
أمة بدون تاريخ، أمة لا هوية لها. وأمة لا تفقه تاريخها لا مشروع لها للمستقبل. فقه التاريخ لأمة تحمل رسالة للعاملين يعني ضمان استمرار رسالتها خالدة بني الأمم.
فأي معنى يحمله التاريخ؟
وأي فقه للتاريخ نعني؟ وأية أهمية له؟
وما هي الآليات التي ينظر بها إلى التاريخ؟ وأية قواعد تحكمه في ذلك؟
وأخيرا ما هي المقاصد التي يسعى إلى تحقيقها؟
تلك هي الأسئلة التي نسعى – في هذه السلسلة – أن نجيب عليها، بالقدر الذي يبوؤ فقه التاريخ مكانته اللائقة به، وبمنظار يستعلي عن الجزئيات والتفاصيل لينظر في الغايات والمقاصد بالعمق الذي يجعل من هذا العلم الجليل آلة قوية لاستنهاض أمة تملك من المقومات الروحية والعقلية والبشرية والتاريخية والعملية ما لا يملكه غيرها، وبمنهاج يستقصي الحقائق ولا يحابي الرجال، يستفيد من العثرات قبل أن يستفيد من الإنجازات، يعتبر من أخطاء الأفراد والجماعات والدول ولا يشتغل بمحاسبتهم ومحاكمتهم، ف { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون } (البقرة 134)
1- عن أي تاريخ نتحدث؟
لا نقصد بالتاريخ ذلك العلم الذي يعنى بتأريخ الأحداث وتوقيتها وتدوينها أو ذكر لأخبار وتسجيلها في دواوين المؤرخين، فإن ذلك مجرد وعاء زمني تجري فيه الحوادث بما قضى الله وقدر، وبما كسبت أيدي الناس والأمم يعنى بها المؤرخون وجمّاع الأخبار.
أ- تاريخ الإنسان لا الحوادث:
مرادنا بالتاريخ تاريخ الإنسان ذلك المخلوق المكلف بخلافة الله في الأرض لا الحوادث والأخبار والوقائع على حد قول الحافظ السخاوي أنه: “فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت.”1
ب – تاريخ الإيمان لا المادة:
مرادنا بالتاريخ تاريخ الإيمان الذي بعث به الرسل والأنبياء منذ أبي البشر آدم إلى خاتم الأنبياء عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، الذين قصّ علينا القرآن قصصهم: { وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } (هود 120) ، لب هذا التاريخ بعثة الأنبياء عليهم السلام لهداية الخلق 2. لا التاريخ المادي الذي يستبعد قضية الإيمان أو في أحسن الأحوال ينظر إليها من طرف خفي أو على هامش التحليل.
ت- تاريخ الإسلام لا المسلمين:
مرادنا بالتاريخ تاريخ الإسلام نفهمه في ضوء كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلّم- لا تاريخ المسلمين الذي شابته الأخطاء وشوهه الانحراف بعد أن افترق القرآن والسلطان، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ : “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب” 3.
فبعض من يحسب على الدعوة تختلط في ذهنهم الأمور فلا يكادون يميزون بني تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين، فإذا بهم كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين -رحمه الله- “يفكرون ويوصون ويجتهدون في حدود نمط الحكم الأموي، والمجد العباسي، والشوكة العثمانية،… والدفاع بلا تمييز عن تاريخ المسلمين يحسبونه تاريخ الإسلام” 4.
فهذه الذهنية كما يضيف التي لا تميز تاريخ الفتن، وهو تاريخ المسلمين، عن تاريخ الإسلام الذي كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة تكيل في صواع أعداء الدين من بني جلدتنا دون أن تشعر… يمدونهم بالحجة والدليل على أن الفكر الإسلامي فكر ماضوي لا يحسن سوى الدفاع والتبرير، لا يحسن إدراك ما هو رهان الحاضر والمستقبل في زمن تتسابق فيه الأحداث 5.
والتاريخ بالمعنى القاموسي إن كان مطلوبا لنا فمن حيث كونه موضوع نظر ومحل تبصر نستجلي به فقه التاريخ من خلال التوغل والتعمق في قراءة صفحات التجارب البشرية الكثيرة والمتنوعة، وفحصها وتدبر أبعادها وخلفياتها واكتشاف امل مؤثرات والسنن التي ساهمت في بعثها وإيجادها قصد التزود والاعتبار ومحاولة تفهم الأسس السيكولوجية للكثير من الأحداث والصراعات والانفعالات والتأثريات والحروب… الحاصلة والمتولدة عبر الأيام في تاريخ البشرية الحافل والطويل6.
فعلم التاريخ حينما يقوم بجمع وتحقيق وتدوين وتفسير الأحداث التاريخية يبدو علما سكونيا كالجغرافيا الوصفية، ولكن عندما ننتقل لاستكشاف القوانين والاستفادة منها يتحول إلى علم حركي ديناميكي. 7
حينها نكون أمام “فلسفة التاريخ” أي “ذلك العلم الذي يحاول أن يكتشف القوانين الموجهة لحركة المجتمعات والدول والنهضات وأسباب صعودها وهبوطها. وليست وظيفة هذا العلم قاصرة على توصيف هذه القوانين، ولكنها -كأي علم آخر- يسعى لاكتشاف القوانين من أجل استخدامها وتوظيفها لمعاجلة الظواهر القائمة والمستقبلية.” 8
نفضل عبارة «فقه التاريخ» نستعملها بدل «فلسفة التاريخ» لما تحمله من عمق له صلة بثقافتنا وتراثنا الإسلاميين.
خلاصة:
نعني بالتاريخ تاريخ الإنسان المستخلف في الأرض، وتاريخ الإيمان المخبر عنه في القرآن، وتاريخ الإسلام المنزه عن أخطاء المسلمين. ونقصد بفقه التاريخ استجلاء سنن الله في التاريخ والأمم وقوانينه الثابتة التي لا تحابي إلا من قدرها حق قدرها.
1 – “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ”، للحافظ محمد السخاوي، ص:7
2 – “محنة العقل المسلم”، عبد السلام ياسين، ص: 118
3- “المعجم الكبير” للطبراني – ج 20 / ص: 90
4- “نظرات في الفقه والتاريخ”، عبد السلام ياسين، ص:47
5- نفس المرجع، ص:48
6- “المسلمون وضرورة الوعي التاريخي”، عبد القادر عبار، ص:14
7” -أداة فلسفة التاريخ”، د. جاسم سلطان، ص:16
8- “فلسفة التاريخ”، د. رأفت غنيمي الشيخ