الماحُون!
د. أسامة الأشقر
1. قال لي: أراك شديد الثقة بما تحكيه للناس من تدبراتك في كتاب الله بما يخصّ واقعكم، وكأنّ المعنى قد وقع بكم أنتم وهو يعنيكم خاصّة، ألا ترى أنّك تتكلّف التأويل وتذهب بالآيات أحياناً إلى غير اتجاهها وغير محلّها؟
2. قلت له: كنتُ أضع هذا الاحتمالَ أوّل الأمر فلا أوسّع الاستنتاجَ، ثم رأيت مع كثرة التوافقات أنّ الله سبحانه بسط لنا كلامه وخاطَبنا به، وأمرنا أن نتدبره ونتفكر فيه، ونتبصّره ونعتبر به، ولهذا فإنّه يدعونا إلى الاقتراب من ظل هذه المعاني، واقتطاف ما نستطيع من ثمرات شجرتها الوارفة، وأنّ الواجب علينا أن نقرّبها منا لا أن نصرفها عنّا، ولاسيما ما كان على جهة الثبات والصبر وعظيم الأجر.
3. ثم أخبرته أنّ ما يزيدني ثقةً بذلك تظاهرُ الأدلّة، وتعاضدُ الآيات والأحاديث حتى رأيتُ أن أجعل في ذلك كتاباً حافلاً؛ ومن ذلك مثلاً أن أحد الأكابر ذكّرني مرة بحديث أبي هريرة كما في صحيح مسلم أنّ رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قال: (لا يجتمع كافرٌ وقاتلُه في النار أبداً)؛ وبما أن الكفر متحقق في أعدائنا الذين نقاتلهم وفق المقطوع به من أمر ديننا بلا شك، وأن حربنا هذه من أوضح الحروب وأكثرها تمايزاً في شدّة وضوح العدوّ وجلاءِ أمره الشرعيّ عندنا؛ وأنّ مَورِد هذا الحديث بمن قاتل هؤلاء وقتل منهم، فهذا يعني أن المقاتل منّا هو من أهل الجنة، بما أن المقتول على يده من أهل النار، وهما لا يجتمعان في هذه النار أبداً، ولا مساواة بينهما ولاسيما إذا استقام المقاتل على أمر الله وبقي على ذلك حتى يلقاه؛ ويؤيد ذلك حديث رسول الله: (ولا يجتمع على عبدٍ غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنّم).
4. وقد وجدتُ هنا كلاماً بارعاً لسلطان العلماء العز ابن عبد السلام فتأمّلْه مراراً، يقول: (إنما لم يَجمع اللهُ بين الكافر وقاتله في النار من جهة أنه محا كُفرَه من الأرض، ولا فرق بين أن يقتله مُغَرّراً أو غير مغرّر، فلو رماه من بُعدٍ مع أمنِه منه لم يجتمع معه في النار، إلا أنّ أجرَ المغرّر أتمّ؛ لأن الأجر على قدر النَّصَب)، والمغرّر هو المقتحِم للمهالك .
5. فهنيئاً لك أيها المقاتل المؤمن المسدَّد في ميدانك، فقد كتب الله لك مكانك حيث وضعك اللهُ، وجعلك من أسباب محو آثار كفر هؤلاء الملعونين، وتقليل خطرهم على أهل الأرض، وكسر موجة عتوّهم وعلوّهم الكبير.