اعتاد ان يستيقظ على الساعة العاشرة صباحا ..وككل صباح.. يحلق ذقنه..يتناول فطوره ..المتكون من خبزوزيت و شاي..ويختمه بقهوته السوداء بدون سكر..على أنغام موسيقى أم كلثوم..يعدل هندامه المتأنق أمام المرآة..يسرح شعره الناعم الذي لا زال أسود فاحما لا شيب فيه رغم أنه آقترب من الخمسين..ولا ينسى نصيبه من العطر..يترك مصروف البيت على المائدة ..ويسرع في تجهيز محفظته الجلدية التي بها آلة التصوير.. وينصرف ..
يقضي يومه متجولا على قدميه و بين يديه آلة التصوير رفيقة دربه..بجسمه النحيل و قامته المعتدلة الطول.. ولونه الخمري من شدة اشتغاله تحت الشمس طول النهار ..متنقلا بين نافورة ساحة الامم و عين الذئاب والحدائق العمومية نهارا..و مسترزقا بآلته في احدى الحفلات أو الاعراس ليلا.. و لا يعود الى بيته أحيانا الا بعد آذان الفجر ..أنفاسه مخمورة و حركاته غير متزنة..
كان مدخول طارق اليومي وفيرا جدا ثم تضاءل كثيرا مع ظهورالهاتف المحمول بكاميراته الخلفية و الامامية …لكن مع وصول فيروس كورونا الى المغرب آنقطع هذا المدخول..فقد أصبح عاطلا بعد سنوات من مهنة التصوير..
لحظات شؤم وأوقات عصيبة يعيشها مع زوجته و أبنائه منذ انطلاق الحجر الصحي ..حيث تنطلق معاناته منذ الساعات الاولى من كل صباح..أصوات ..صراخ.. وضجيج ..أطفاله من جهة يدرسون عن بعد مُحدثين ضجة ..وهم في عراك بينهم ..عن مَنْ يستعمل جهازالحاسوب الاول ..ومَنْ يستفيد مِنَ الهاتف المحمول..ومن جهة اخرى امرأته التي تُهَمْهِمُ بكلام غير مفهوم يتأرجح بين السب و التذمر والاستياء ..وكلما استقر بِرُكْنٍ من أركان البيت جاءتْ تُطالبه بِالتَّنَحْنُحِ عن المكان أو تغييره لأنها تقوم بتنظيف البيت ( ساعة التخمال هاذي) وكأن هذا التنظيف ساعاته لا تنتهي ..تتحرك حوله..تتصرف بمزاج سيء.. تحاصره بالتنظيف والتعقيم و التنظيم..و كأنه كابوس جاثم فوق صدرها ..لا يدري لماذا هي متذمرة من وجوده في البيت ..وتسلط لسانها اللاَّسِع نحوه مع أي هفوة يرتكبها ..أوتعليق ساخر يتفوه به ..
سلوكها هذا جعله متوترا أكثر من التوترالذي يعاني منه بسبب الملل و الضجرومتابعة أرقام واحصائيات مديرية الأوبئة و أخبار ضحايا فيروس كورونا..
عقارب الساعة تشيرالى الخامسة مساء وهي مقدمة الليلة التاسعة عشر.. وقف بين النافذة و الباب ..يُحصي الليالي التي مضت..و يعد بأصابعه الايام التي قضاها في الحجرالصحي ..رفع بصره الى النافذة.. فرأى السماء فضاء رحبا ..والليل يستعد لنشرظلام..شديد الحلكة ..والنجوم غائبة في عطلة بغياب القمر..وهومحشور هنا في منزل مساحته خمسون مترا أشبه بصندوق أوعلبة سردين وهم سبعة أفراد ..هو و زوجته وأطفاله الخمسة..تمنى لو كانت عنده شقة لها شرفة يطل منها ويحلق ببصره بعيدا..بدل هذا الجُحْرالضيق والخانق الذي يعيشون فيه..
تذكر أنه في ليلة ظلماء كهذه ..
كان قَدْ فَقَدَ رُشده وتزوج برشيدة ..واختارا معا في بداية حياتهما هذا الجحر ..مسكنا لهما ..وظلا ينجبان الاطفال من خلال علاقات تتم في أغلبها وهو في حالة سُكر مُفرط..مُتَمسكَيْنِ بهذا البيت لسومته الكرائية الزهيدة..
فتح الباب رغبة منه في استنشاق هواء نقي و تحريك عضلات رجليه ..جاءه صوت زوجته من عمق المطبخ مزمجرا :..
“الى اين العزم .. و ليس في جيبك درهم ؟.. أم تريد أن تنقل لنا عدوى كورونا و تقتلنا ؟”
فقد زمام أمره و أعصابه فصرخ فيها..وهي لا زالت في المطبخ :
“كورونا أغلقت المقاهي و الملاهي.. و الدولة أغلقت الحدود البرية و الجوية.. و الحكومة أغلقت الشركات و المساجد.. و انت تريدين ان تغلقي فمي و تكبلي لساني و تكتمي أنفاسي ؟..”
خرجت من المطبخ مندفعة نحو الباب ..و رائحة البصل و الطبيخ و أشياء اخرى تفوح منها ..كل مَنْ في البيت سمِعَ صوت الباب يُصْفَقُ بِقُوة و بِعُنف ..وهو جامد في مكانه ..اقتربت منه صفعَتْها رائحتُهُ النتنة ..فهو منذ الحجر لم يستحم ..وكيف يستحم وليس في بيتهم حمام ..ومرحاضهم لا يصلح للاستحمام الا صيفا ..وهوالوحيد في الأسرة الذي لم يستحم خوفا من إصابته بنزلة برد وهي تهمة خطيرة في زمن كورونا ..التي أغلقت الحمامات الشعبية ..
لتستفزه أكثروضعت يدها على انفها قائلة :
“وَ رِيحْتَكْ اعْطات يا ..يا.. يا زير النساء”
ظل يتفرس في ملامح وجهها المرتعش من شدة الغضب ..فتبين له أن وجهها رجولي لا علاقة له بالوجه الانثوي وهو خالٍ من أدوات الزينة و التجميل ..كما لاحظ ان في يدها اليسرى سكينا يلمع..التزم الصمت وقد أدرك أن الحجر الصحي يرغمه على إعادة التعرف على زوجته من جديد و اكتشافها في أسوء احتكاك بينهما ..
طارق رجل نكتة..فنان مسالم ..لا يومن بالعنف ..ولم يعنف زوجته يوما ..بل ولم يضرب أي آمرأة ولو بوردة في حياته..لأنه صاحب مزاج فني..وعاشق للجمال و الليالي الملاح ..ويستهويه السهروالطرب..لذلك لم يصدر عنه أي رد فعل تصعيدي للموقف..ظل ساكنا ..مما زاد من غيضها و هجومها عليه …فاستخرجت من جيب سرواله الورقة الاستثنائية التي سلمه إياها لَمْقَدَّم وهي في قمة غضبها قائلة :
“ماذا ستفعل بهذه ؟.. اذا كانت جيوبك فارغة ولا درهم لذيك و كل الاماكن مغلقة ما عدا المتاجر ..ألم تدرك بعد أنك أصبحت مفلسا وعاطلا عن العمل.. و العاطل مثل الميت ..لا نفع له و لا بركة ؟ ..خد لك زاوية واركن فيها جسدك ”
ثم مزّقت الورقة شَرَّتمزيق حتى لا يخرج ثانية..وقف مَصدوما ومُتحسرا..مُخاطبا نفسه :..
“حتى الفُسْحَة سَنُحْرَمُ منها ..يبدو أن أشياء جميلة ..كانت تجمعنا قد ماتت ..و أصبحنا لبعضنا غرباء ”
قاطعتْهُ مُلَوحة بِإحْدى يَدَيْها..مُسترسلة في الكلام وكأنها نهر قَدْ فاض على ضِفتيه :..
“غُرباء ؟..غُرباء؟..أصبحنا غُرباء من زماااان ..منذ خيانتك البشعة ..أتذكر؟..يوم خُنتني مع ليلى الخياطة صديقتي الوحيدة ..أتذكر؟ ..منذ ذلك اليوم وانا اشعر بك غريبا عني حتى حين يجمعنا فراش واحد ..سقف واحد..مائدة واحدة ..أصبحنا غرباء..منذ بدأتَ تبذرمدخولك اليومي على رغباتك و شهواتك ..وتترك لنا كل صباح مبلغا زهيدا وكأنك تتبرع بصدقة على مجموعة من الفقراء و تمضي الى مغامراتك ..كأعزب طائش يعيش لِهَواه..أصبحنا غرباء..منذ اصبحْتُ أشم عطورا نسوية في بِدْلتك ..وأجد أثرَ أحمر الشفاه الرخيص كصاحبته في قميصِك ..(توقفت لحظة تسترجع فيها أنفاسها )..انظر الآن الى حالنا و وَضْعِنا ..لو لم ادخر مبلغا من المال..من خلال إعداد وبيع المعجنات أمام القيسارية كل مساء.. لكنا اليوم نمد أيدينا للمحسنين ..انظر الي ..انظر الي جيدا ..هل هذه هي رشيدة التي كانت كلها حيوية و شبابا ..من يراني اليوم وأنا مهدودة ومنهكة ..يظن اني تجاوزت الخمسين ..بسببك ..بسبب اهمالك ولا مبالاتك ..ما أَشْعَرْتَنِي يوما بانني انثى ككل النساء ولي حقوق ..ولا جعلتَنِي أحِس بذاتي كامرأة ..ولااحترمْتَ احتياجاتي ..بل تركتني على الهامش تتقاذفني الوساوس والامراض..”
حين جف ريقها و لسانها ..وقعت على الارض مغمى عليها ..من شدة الصراخ والبكاء الهستيري.. حملها أولادها الى غرفة الجلوس ناولوها كأس ماء واحضروا لها قارورة عطر..وانطلقت الوشوشه و الهمهمة بينهم ..
اجتاح كلامها اللاذع جسده كله ..عقله ..قلبه..بصره.. و روحه..لم يترك فيه عضوا سالما ..انعقد لسانه من شدة هول التهم.. وحلت الخيبة محل الهيبة ..فبقي في مكانه مُرتبكا.. يستعيد كل ما قالته.. لأنها تفوهت بكلام كثير.. لم يذكر منه بل لم يتذكر منه الا القليل ..لأول مرة سيدرك بأن الانسان قد يتسمم من الكلام كما يتسمم من الطعام ..وآثار التسمم بادية على جسده..وجه أصفرويدان ترتعشان وعرق يتصبب من مسام جبينه..
لم يبرح مكانه ..ظل ساكنا .. لا يدري أين المفر؟..كل الطرق مسدودة وهومحاصر ..كورونا أمامه وزوجته خلفة و ليس له ما يستعيد به كرامته ..ظل في شروده الى أن جاءت ابنته الصغرى تدعوه للعشاء ..فكر بملامح عابسة .. ثم لبى الدعوة ..لكن بسبب اضطرابه .. لم تكن له رغبة في الاكل فانزوى في ركن و ظل يتأملهم ..ولاول مرة سيكتشف أنّ زوجته تأكل بشراسة و بشراهة ..وأنّ ابنته الصغرى الوحيدة التي تهتم به وتتجاوب معه..وأن أبناءه الاخرين يهملونه .. ويشكلون حِلفا مع أمهم ضده ويأتمرون بأمرها..وأنّ أثاث بيته قديم جدا ..وأن بيتهم كجحر في أسفل عمارة لا تدخله الشمس إلا نادرا..وفي الاخير تأكد أنّ وجوده بينهم لا معنى له ..فقرر مغادرة البيت ومواجهة رجال الأمن وفيروس كورونا على البقاء معهم
فتح الباب تقدم خطوتين ثم وقف يتأمل ..الظلام دامس ..رغم أضواء المصابيح الخافتة والمتباعدة..الزقاق مقفروخال من المارة ..يذكره بمدن الاشباح ..والصمت يخيم على المكان..ما عدا قطط تبعثر القمامة بحثا عن طعام ..وكلاب بلا صاحب محتمية ببعضها ..
ساعتها ناجى نفسه متحسرا..بصوت خافت :
“الى أين المفر يا طارق ؟ الى اين المفر ؟..جاءتك الموت يا تارك الصلاة كما كانت تقول جدتي في مثل هذه المواقف ..اليوم جاء وقت الحساب ..وعليك يا طارق أن تدفعه بصدر رحب ..أنت الذي أهملت واجباتك وتركت المركب بلا ربان..عد الى مركبك وقُدْهُ باهتمام واتزان” ..
بقي مترددا ..لكن ..حين التفت خلفه فوجئ بأطفاله جميعهم واقفين مبتسمين وفي عيونهم رجاء و أمل في بقائه معهم و بينهم..وخلفهم زوجته هادئة يبدوأنها تشعر براحة نفسية ..بعد أن أفرغت كل ما في صدرها من كلمات ظلت مكتومة في قلبها لسنوات ..
نظر اليها وقد اخدت حدقتا عينيه تضيقان و جبينه ينكمش وحاجباه يتقاربان تحسبا لرفضها .. منتظرا موقفها ..تفاعلت رشيدة مع موقف أبنائها وابتسمت أساريرها ..إشفاقا على اطفالها أو ربما حبا فيه قائلة له :
“العشرة لا تهون إطلاقا..و الحب لا يموت أبدا..حتى وإن خنقه فيروس كورونا أيام الحجر..لا يموت أبدا..سنحصل على الدعم من صندوق كورونا ..وسوف نخلق نعيمنا بصبرنا و تلاحمنا حتى تنقشع هذه الغمة..سنحلم و سنظل نحلم بالحياة بعد كورونا و بمستقبل أبنائنا ..فنحن لا نملك إلا الحلم ..وفي الحلم و أثناءه سنشعر براحة نفسية و جسدية و منه سنستمد القوة لمتابعة حياتنا. ”
لا أحد يدري كيف يقضي طارق باقي أيامه في الجُحْرِ مع الحَجْرِالصحي ..لكن مع وجود زوجة صالحة صبورة و أم فاضلة قنوعة ستظل الأسرة متماسكة رغم الحجرو الفقر و… .
…………………
نورالدين النبهاني
أبريل 2020
أديب مغربي
2 تعليقات
اترك رد
إلغاء الرد
قصة مشوقة ..عشت مع احداثها الواقعية جدا ،ننتظر جديدك
عمل قصصي جميل ومعبر عن حالة الفئات الهشة خلال الوباء .