منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضوابط المصلحة المرسلة عند المالكية

ضوابط المصلحة المرسلة عند المالكية/ إسماعيل هادي

0

ضوابط المصلحة المرسلة عند المالكية

بقلم: إسماعيل هادي

بتطور حياة الناس وتغير بيئاتهم وأخلاقهم، تعددت النوازل وتجددت الوقائع، وطرأت على الأمة طوارئ لم يكن لها سوابق، فكانت الحاجة ماسة إلى إعمال العقل لاستنباط أحكام شرعية جديدة، تواكب تلك المستجدات.

ومن طرق الاستنباط الفقهي: المصلحة المرسلة.

ولأهمية المصلحة في استنباط الأحكام، قعّد علماء الأصول قواعد تقيد المجتهد، حتى لا يحيد عن مقصد التشريع الإسلامي.

فما هي المصلحة المرسلة؟وما ضوابطها؟

تعتبر المصلحة المرسلة من الأدلة الشرعية العقلية التي يُستفاد منه حكم شرعي عملي.

ويُقصد بالمصلحة المرسلة؛ المنفعة المطلقة، والمصلحة في اللسان العربي جاءت من الصلاح (1)؛ وهو دال على استقامة الشيء وكماله في ذاته، وانتفاء الفساد عنه(2)، وبهذا تُستجلب المنافع، وتُستدفع المضار، قال الطاهر ابن عاشور: “أما المصلحة فهي كاسمها، شيء فيه صلاحٌ قوي، ولذلك اشتُقت لها صيغة المَفْعل، الدالة على اسم المكان؛ الذي يكثر فيه منه اشتقاقه”(3).

وفي اصطلاح الأصوليين المصلحة: “ما لم يشهد له الشرع بإبطال ولا اعتبار معين، من جلب منفعة أو دفع مضرة”(4).

فالمصلحة المرسلة إذن: “هي المصلحة المسكوت عنها التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها، وهي حجة عند جمهور العلماء والأصوليين إذا تلاءمت مع الأدلة والمقاصد الشرعية” (5). كجمع القرآن حفظا له من الضياع.

ولأهميتها؛ يُستلزم التقيد بمنهج واضح يُتبع لتكون الأحكام المبنية عليها ملائمة لما قُصد من تشريعها. ولذلك ضبط العلماء للعمل بالمصلحة ضوابط ملزمة، خوفا من دخول الهوى والنفس في اعتبار المصلحة أو إلغائها.

الضوابط لغة: جمع ضابط، والضبط لزوم الشيء وحبسه، وضبط الشيء حفظه بالحزم(6).

يقصد بالضوابط هنا الشروط والمعايير التي يجب توافرها في تحقيق معنى المصلحة الشرعية المعتبرة في الشرع الإسلامي. ويعد هذا التعريف أحد استعمالات الضابط في تصرفات الفقهاء، وهو هنا بمعنى المعيار(7).

بعض ضوابط المصلحة المحتج بها عند المالكية:

  • أن يكون المستنبِط للأحكام من المجتهدين:

إن الحكم بأن المصلحة من الأدلة الشرعية يقتضي أن تخضع لاجتهاد الناظر فيها وتنقيح وجه الصلاح فيها وتحقيقه.

قال القرطبي: ” فإن مالكا يشترط في المصلحة أهلية الاجتهاد، ليكون الناظر متكيفا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها”(8)

وهذا ما ييئّس غير المجتهدين الذين ليس لهم حظ من علوم الشرع وتأصيلها، وإقامة قواعدها، وأسرار مقاصدها.

” وليس في الأخذ بالمصالح المرسلة فتح طريق يدخل منه العوام إلى التصرف في أحكام الشرعية على ما يلائم آراءهم أو ينافرها، فإن ما ذكرناه في شرط الأخذ بهذه المصالح، يرفعها أن تكون في متناول آراء العامة وأشباه العامة، إذ لا يدري أن هذه المصلحة لم يرد في مراعاتها أو إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلا للاستنباط”(9).

  • أن تكون المصلحة المرسلة ملائمة لمقاصد الشريعة:

قال الشاطبي: ” الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله”(10)

بمعنى أن تكون موافقة لمقاصد الشرع وللمصلحة المحتج بها، ومصالح الشريعة، وأن تكون من جنسها أو قريبة منها وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد دليل خاص باعتبارها. تحقق نفعا مقصودا شرعا ، أو تدفع ضررا مقصودا شرعا. كاتخاذ مكبرات الصوت في المساجد للآذان وللتسميع، بحيث إن البقاع والمساجد اتسعت فصار لزاما رفع الصوت.

  • عدم معارضتها للنص الشرعي:

أي لا تخالف نصا أو دليلا من الأدلة القطعية، والتي لم يتناولها الشرع باعتبار ولا إلغاء، فلا اعتبار لمصلحة عارضت نصا. ومقصود المعارضة هنا؛ معارضة اللفظ والمعنى، إذ قد تعارض ظاهره وهي محققة لمعناه. وأوضح شاهد على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم:{ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ}(11) فقد  خالف فريق ظاهر الحديث مراعاة لمصلحة المحافظة على الصلاة في وقتها .

  • عدم معارضة المصلحة للإجماع:

يعتبر الإجماع ثالث دليل شرعي، به تقررت بعض الأحكام الشرعية، وبه تلغى كل مصلحة عارضته شرعا. كالمسح على الخفين التي أجمع الفقهاء على جوازها، من غير خلاف. فلا يعتبر أي دليل معارض له من المصلحة.

  • أن تكون المصلحة معقولة في ذاتها حقيقية لا وهمية:

بحيث يتمكن العقل في الاسترشاد إلى المصالح والمفاسد الدنيوية، وتقديرها والترجيح بين المصالح المتعارضة بينها حين تقع.

والعقل الذي قصده الأصوليون في بيان المناسبات المصلحية هو العقل الفطري الخلقي الذي تناسب مع الفطرة الإنسانية والنظام الكوني العام.(12). وأن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا أو يدفع ضررا. كتسعير السلع، الذي به يمنع الغبن الزائد في الأثمان، ويدفع الحرج والضرر عن الناس.

والمصلحة الوهمية؛ هي التي يُتخيل فيها منفعة وهي عند التأمل مضرة، وذلك لخفاء الضرر فيها. ومثال هذه المصلحة التي تتوهم في سلب الزوج حق تطليق زوجته، وجعل حق التطليق للقاضي فقط في جميع الحالات.(13)

  • أن تكون مصلحة عامة للناس وليست مصلحة شخصية:

لأن أحكام الشرع تنطبق على الناس كافة، ولا يعتبر الحكم الذي يخدم مصلحة فردية أو طائفة معينة. كما “لا يجوز الإفتاء بقتل مسلم واحد تترس به الأعداء في قلعة، متى أمكن حصارهم، ولا يخشى منهم التسلط على بلاد المسلمين” (14).

  • أن تختص في المعاملات دون العبادات:

لأن العبادات متوقفة على النصوص الشرعية، أما المعاملات فإنها قائمة على تحقيق مصالح العباد الدنيوية على تنوعها.

قال الشاطبي:“اِلتزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني إن ظهرت بادئ الرأي، وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه، بخلاف قسم العبادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول، فإنه استرسل فيه استرسال المدلّ العريق في فهم المعاني المصلحية، نعم مع مراعاة مقصود الشارع وألا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله”(15).

وهكذا تكون الضوابط قد ضبطت المصالح المرسلة من انطلاقها من عقالها، قال القرضاوي رحمه الله:”من هذا المنطلق كانت ضوابط المصلحة، حتى لا يتجـرأ مرضـى القلـوب ، وأصحاب الأفكار المسمومة والمستوردة، على الشرع بفتاوى لا علاقة لها به لا من قريـب ولا من بعيد ، متذرعين بالمصلحة، ففيها خطر عظيم إن بقيـت مطلقـة مـن غيـر ضـابط يضبطه(16) .


الهوامش

  • – تهذيب اللغة، للأزهري، ج4ص 243.
  • – لسان العرب لابن منظور، ج2، ص 512.
  • – مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، ص203.
  • – روضة الناظر لابن قدامة ج 12، ص 169.
  • – المصلحة المرسلة للخادمي نور الدين، ج 1، ص 11.
  • – لسان العرب ابن منظور، ج 2، ص 509.
  • – القواعد الكلية والضوابط الفقهي لمحمد عثمان شبير، ص21.
  • – نفائس الأصول للقرافي ج 4، ص 4092.
  • – الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، محمد الخضر حسين، ص 48.
  • – الاعتصام للشاطبي ج2، ص 129.
  • – صحيح البخاري، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، رقم الحديث: 899.
  • – المناسبة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة للخادمي نور الدين بن مختار، ص289.
  • – أرشيف ملتقى أهل الحديث – المصالح المرسلة – المكتبة الشاملة الحديثة، ص307.
  • – الوجيز في أصول الفقه لوهبة الزحيلي، ص97.
  • – الاعتصام للشاطبي، ج 2، ص 310.
  • – السياسة الشرعية للقرضاوي، ص 95 -96 ، بتصرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.