قهر وحب ووفاء (قصة قصيرة)
الأستاذ منير الجوري
هو في السبعينات من عمره، غطى الشيب لحيته وذبلت عيناه من تحت نظارتين طبيتين لا تكادان تسعفان بصره. وهي في الستينات، تختزل صورة المرأة المغربية الأصيلة لباسا وسلوكا وقيما. وقفا عند صندوق الأداء بمستشفى خصوصي، قالت المستخدمة من خلف زجاجها السميك: عندك راديو أ الشريفة كيدير 1700 درهم.
نظرت هي إليه تستطلع رأيه وكأنها تعرف الجيب وما فيه، قال هو للمستخدمة: بزااااف أبنيتي، شوفي لينا شي حاجة تكون رخيصة.
ضحكت المستخدمة استهزاء ونحت برأسها اتجاه زبون آخر، بادرها مستعطفا: راه عندي شي تحاليل ديالي نديرهوم حتى هما عندكم غير نقصي لينا شوية.
حسمت المستخدمة النقاش بوقاحة وعجرفة لم ترحم شيبته ووقاره: شوف أسيدي، أنا راه غير خدامة هنا، عندك باش تخلص؟ ندوز لمرتك الدوسيي، ما عندكش؟ حيد خلي الناس يدوزو.
اختلطت في وجهه أحاسيس القهر والعوز وطفحت علامات الغضب والكبرياء، وطأطأ رأسه يستجدي الأرض لتنشق فتخفيه. فيما تقدمت زوجته توضح الوضع: شوفي راه حنا جينا من الناظور وفي سبيطار عطاونا رونديفو على 6 شهور، وجينا عندكم باش…..
لم يترك لها فرصة لتكمل جملتها، سحبها من يديها وابتعدا عن الصندوق والزجاج السميك والأعين التي ترمقهما وهما في حالة عجز تام.
جلسا جنبي في مكان قصي، قالت له في حب لا يخطئه القلب: لا تهتم، هاذ المرة دير أنت التحليلات، في المرة القادمة أنا نعمل الراديو، أنت تعاني أكثر.
رفض عرضها بشكل قاطع: ألا… ألا… أنت الأولى، أنت راك ما تنعسيش.
ردت عليه في إصرار ووفاء: لا لا لا الحمد الله البارح نعست مزيان. أنت لي راك مريض كثر مني وراك تخبي.
ظلا يتبادلان المودة والتراحم والوفاء… فيما غادرت أنا لحاجتي…
غادرت وأنا أتأمل صورة الوفاء والمودة التي رسماها أمامي بألوان القهر والظلم والفاقة والعوز..
لم أملك لهما إلا الدعاء، اللهم اشفهما وأذهب سقمهما وبارك لهما في محبتهما.