أفراد المجتمع بين الأمل القابع والتغيير المؤثر النافع |سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
أفراد المجتمع بين الأمل القابع والتغيير المؤثر النافع |سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع خنيفرة سابقا
عباد الله، يقول تعالى في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) [الرعد: 11].
عباد الله، إن الحالة التي وصل إليها أفراد مجتمعنا؛ لا تبشر بخير، فالكل يشتكي من فساد الأخلاق، وغلاء المعيشة، وتقطع الأواصر، وانتشار الرشوة، والمحسوبية والمحاباة، وغياب العدل، وفشو التملق والنفاق والغش والأنانية، وكثرة الأمراض، وضعف الهمة، وفشو الجهل، وتمكن الوهن من النفوس، والذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، واستيلاء الأعداء على خيرات البلاد…، فهل من أمل لتغير الأحوال من سيء إلى حسن؟ ومن سيغير؟ وكيف يتم التغيير؟
عباد الله، إن هذه الحقائق مُرّة، والأمرّ منها؛ أن نتعامل معها غير مدركين أن علة الأوطان هي شعوب *دجنت واستخفت وقمعت* لتمارس فسادا، إذ القوم فينا يقومون بأعمال تفضح ادعاءاتنا وشعاراتنا الجوفاء، وتبين أن التغيير ليس كلاما نمضغه في المقاهي، وفي قاعات الشاي، وفي العالم الأزرق، ولكنه مجتمع شعب لم يفهم أن الوطن الذي يبحث عنه ويسعى، يبدأ من مواطنة حقة، بالمعنى الحقيقي والشرعي للكلمة، الشعب المسؤول قبل الشعب المحكوم، فالمواطن الذي يحتاج إلى شرطي ليرتدع، والمواطن الذي يخشى الغرامة بدلا من ملامة الضمير، والمواطن الذي يخاف أن يراه الناس، وليس ربَّ الناس، ذلك المواطن، هو علة الأوطان الحقيقية المرة.
عباد الله، نحن شعب يجلس لساعات بالطرقات والمقاهي، وعلى جدران الفايسبوك، ليأكل لحم أخيه وصديقه وجاره، وحتى من لا يعرفه أصلا، وفي نهاية الجلسة، يشتم كل شرائح المجتمع الذي يعيش فيه، متسائلا؛ لماذا لسنا مثل السويد، أو الدانمارك، أو ألمانيا؟ نحن شعب يلعن البلدية بسبب نفايات هو من يرميها من النافذة، أو من السيارة، ويلعن البلدية على ساحات عمومية، تعج بفضلاته، ويلعن البلدية، على مصابيح إنارة معطلة كسرها أطفاله وهم يمارسون رياضة الرمي بالحجارة…، نحن شعب يلعن غلاء الأسعار، ويتنافس على شراء المواد الغذائية وتكديسها، ليرمي ببقاياها كأطعمة في أكياس القمامة، نحن شعب حياتنا مباراة تكسير وتحطيم، إذ بعد كل مبارة قدم مثلا، نكسر الملعب والأسوار والكراسي والمرافق والحافلات التي ستُقلّنا إلى بيوتنا، وبعد أن ننتهي من تكسير كل شيء، نكسر حتى عظام بعضنا بعضا، سواء خسر فريقنا أو فاز، وبعبارة أدق، نحن شعب تكسير، منتصرين كنا أو منهزمين، نحن شعب أُقنع على أن التأهل إلى كأس العالم إنجاز كبير، وأن انهيار التعليم والصحة شيء عادي، نحن شعب يلعن المعلمين والأساتذة والأطباء والمهندسين والموظفين والتجار والحرفيين والمقاولين… وغيرهم، مع نسيان أن الشعب هو كل هؤلاء، نحن شعب يحتج على ضعف أجوره، ولا يحتج على ضعف إنتاجه، شعب يريد كل الحقوق، دون أن يسأل على أقل الواجبات، نحن شعب قد لا يملك أي شهادة علمية أو تقنية، وليس له تجربة ولا خبرة، ومع ذلك يريد عملا مريحا، بأجرة كبيرة، وإذا هاجر خارج بلده، اشتغل في أي شيء، في البناء، في الحفر، في جمع النفايات، وحتى في العناية بالكلاب، ولا يُهمه أن يبيت في العراء، وفي غرف ضيقة، وداخل الأقبية، لكنه إذا عاد إلى وطنه، يريد أن يكون رئيسا، أو لا يعمل، وبعبارة خاتمة، نحن شعب يفكر في نفسه ولا يهتم بغيره، منطقه أن ينجو هو ويغرق الجميع.
فيا عبد الله، يا أيها المواطن، التغيير يبدأ من مساحة تقع تحت أقدامك أنت، وما لم تغيرها، فلا حق لك في الاحتجاج على وطن لم تجسده على مستوى بيتك، لتطالب به على مستوى غيرك، التغيير يبدأ بالإنسان، والمقصود به أنت أولا، وبعده نتحدث عن المجتمع، وعن الوطن، وعن أي شيء.
عباد الله، هذه الآية من سورة الرعد، تتحدث عن قانون إلهي يعرف بسنة التغيير، وهي سنة اجتماعية نفسية، هذه السنة عامة تنطبـق على كل البشر، بدليل أن كلمة (قوم) في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ)، لم تأت مخصصـة بقوم معينين، وإنما هي لكل قوم، ومجيئها نكرة في الآية يدل على هذا.
عباد الله، إن سلوك الإنسان وتصرفاته، هي نتيجة لما بنفسه. فإذا تغيّر ما بنفس الإنسان – سواء كان بجهده أو بجهد غيره – فإن سلوكه لا محالة يتغير.
عباد الله، إن مجال التغيير الذي يحدثه الله عز وجل هو « مـا بالـقـوم »، والتغيير الذي أسنده سبحانه إلى القوم مجاله: « ما بأنفسهم»؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، وقد مضت سنته تعالى بأن نعمه على المجتمعات والأمم، منوطة ابتداء ودوما بعقائد وأخلاق وأعمال تقتضيها. فما دامت هذه المبادئ والقيم والأفعال لاصقة بأنفسهم، متمكنة منها، كانت تلك النعم ثابتة بثباتها، ولم يكن الله جل ثناؤه لينتزعها منهم انتزاعا بغير ظلم منهم ولا ذنب. فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق، وما يترتب عليها من محاسن الأعمال، غير الله عز جل عندئذ ما بأنفسهم، وسلب منهم النعمة، فبدلهم فقراً بعد غنى، وذلاً بعد عزّة، وضعفاً بعد قوة، وسقما بعد صحة، [ تفسير المنار لرشيد رضا، ج 10، ص 32 بتصرف]. فالله تعالى لا يغير ما بالناس من عافية ونعمة، حتى يغيروا ما هم متلبسون به من طاعة وعدل وإحسان؛ فلا يسلبهم نعمة أنعم بها عليهم حتى يحدثوا تغيير ما بهم من خير وهداية، إلى شرور ومنكرات. كما أنه سبحانه وتعالى لا يغير ما يحل بقوم من عذاب ونكال وخذلان وإذلال – جزاء ما ارتكبوا من عصيان وآثام – حتى يغيروا ما بأنفسهم من الشرور والآثام، ويحدثوا توبة صادقة، تنقلهم نقلة نوعية من حضيض الفساد والفجور، إلى آفاق الهدى والصلاح، فيؤمنوا بعد عصيان وجحود، ويهتدوا بعد غواية وكنود، ويعلموا بعد جهالة، ويحسنوا بعد إساءة، ولا يكتفوا بالآمال القابعة، والشكاوى المثبطة، بل ينطلقوا إلى التغيير المؤثر النافع.
عباد الله، إن التغيير قانون إلهي، يسري على الأفراد والأمم والشعوب إلى قيام الساعة، ولا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل ولا تحويل، قال تعالى في سورة فاطر: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: 43]، وقد يكون التغيير من النقمة إلى النعمة، إذ أن الله جل ذكره لا يغير ما يحل بقوم من عذاب ونكال وخذلان وإذلال – جزاء ما ارتكبوا من عصيان وآثام، حتى يغيروا ما بأنفهسم من الشرور والآثام، ويحدثوا توبة صادقة تنقلهم نقلة نوعية من حضيض الفساد والفجور، إلى آفاق الهدى والصلاح، فيؤمنوا بعد الجحود، ويهتدوا بعد الغواية والكنود، ويعلموا بعد الجهالة، ويحسنوا بعد الإساءة. [سنن الله في المجتمع من خلال القرآن لمحمد صادق عرجون، ص 51 – 52 بتصرف].
عباد الله، إن التغيير من الحسن إلى السيء، أو من السيء إلى الحسن، يعبر عنه الوحي فيما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده إلى إبراهيم قال: (أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت، يكونون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحوّل لهم مما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن مصداق ذلك في كتاب الله في سورة الرعد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾) [الرعد : 11] [ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج 4، ص 440]. وورد في حديث مرفوع، أثبته الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في كتابه صفة العرش، بسنده إلى عمير بن عبد الله قال: خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منبر الكوفة قال: (كنت إذا سكتّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه عز وجل قال: قال الرب: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا في ما كرهت من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت عما يكرهون من عذابي، إلى ما يحبّون من رحمتي). [ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج 4، ص 440]
عباد الله، إن الله تعالى يرشدنا من خلال سنة التغيير إلى أن الأمم والدول لا تسقط من علياء عزها، ولا ينمحي اسمها من على الأحداث، إلا بعد نكوبها عن السنن التي سنها الله تعالى على أساس الحكمة البالغة. فالله سبحانه وتعالى لا يغير ما بأمة من عز وسلطان، وقوة ورفاهية، وخفض عيش وصحة وأمن وراحة، حتى يغير الأفراد ما بأنفسهم، فيحيدوا عن سنة العدل، ويخرجوا عن البصيرة والحكمة والإحسان، ويميلوا عن الاستقامة في الرأي، والعفة عن الشهوات، والحمية عن الحق، والتعاون على حمايته، ويتبعوا الأهواء الباطلة، وينكبّوا على الشهوات الفانية، فتخير عزائمهم، ولا يعتبروا بأفعال الله تعالى في الأمم السابقة، والتدبر في أحوال الذين تنكبوا عن الصراط المستقيم، فهلكوا وحل بهم الدمار، فيأخذهم الله بذنوبهم، ويجعلهم عبرة لغيرهم. قال تعالى في سورة آل عمران: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ: أَنَّى هَذَا قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165].
عباد الله، إن من تجليات هذا القانون الإلهي الذي هو سنة التغيير، أنه لا يتحقق إلا بتوفر شرط جوهري، وهو تغيير ما بالنفس، وما في المحيط؛ حيث لا يستطيع أي مجتمع أن يغير ما حوله إذا لم يغير ما بنفسه أولا، وهذه حقيقة علمية، ينبغي تصورها كقانون اجتماعي، أثبته الله جل جلاله في القرآن الكريم، وسنة من سننه التي تسير عليها حياة البشر. فلنعلنها توبة نصوحا، ولننتقل من النقد الهدام إلى البناء، ومن الأقوال إلى الأفعال، ومن الأمل القابع، إلى تغيير ما بأنفسنا المؤثر النافع.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم البدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.