الختمة الجماعية أو “السلكة”
بقلم: د.محمد جعواني
صورتها: اتفاق عدد من القراء على ختم القرآن كاملا، بحيث يقرأ كل منهم عددا من “الأحزاب” غير التي يقرأوها الآخرون، فيتمون ختم القرآن كله، إما في مجلس واحد أو متفرقين.
حكمها: يعتبر البعض “السلكة” من البدع التي يجب اجتنابها، وبعضهم قاسها على الاشتراك في الصلاة الواحدة الممنوع فخلص إلى منعها كذلك.
وهذه الجزئية يؤطرها نقاش أوسع، ويتعلق بتحرير القول في مفهومي “السنة” و”البدعة” ابتداء. (لي منشور في الموضوع على صفحتي، وعلى منار الإسلام).
ومنع “السلكة” والقول ببدعيتها مجانب للصواب من وجوه:
الأول: في قياس الختمة الجماعية على الصلاة زلة علمية جلية، إذ لا يلجأ إلى القياس عند وجود الفارق. فالصلاة أمر بها الشرع وحدد كيفيات أدائها تحديدا بالقول والفعل ” صلوا كما رأيتموني أصلي”[صحيح البخاري]. فلا مجال للزيادة ولا النقصان في المضمون والكيفية معا.
أما قراءة القرآن فقد ورد الأمر الشرعي بها مطلقا من غير تحديد للكيفية في كتاب ربنا “فاقرؤوا ما تيسر من القرآن” [المزمل،18]”إن الذين يتلون كتاب الله” [فاطر،29]وفي السنة ” وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله…”[صحيح مسلم]. فتبين الفارق بينهما، وسقط القياس تبعا لذلك.
الثاني: قد نقل عن الإمام مالك جواز اجتماع جماعة يقرأ واحد ربع حزب مثلا ويقرأ آخر ما يليه [ينظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير 1/423]، وقال
النووي: “فصل في الإدارة بالقرآن : وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا أو جزءا أو غير ذلك ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول ثم يقرأ الآخر وهذا جائز حسن، وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال لا بأس به”.[انظر: التبيان للنووي ص: 103]
الثالث: القول بالتحريم يستلزم دليلا خاصا صحيحا وصريحا، ولا يوجد دليل بهذه المواصفات يمنع الختمة الجماعية، أما القول بعدم الفعل زمن التشريع فلا دليل فيه، إذ الترك ليس دليلا، ولا يفيد حظرا ولا منعا كما قاله محققو علم الأصول.
الرابع: القول بأن الأصل في العبادات هوالحظر والتوقف هو قول صحيح، ونجيب بأن العبادة هاهنا هي قراءة القرآن، وأنه لم يرد تخصيص من الشرع للكيفية التي يقرأ بها القرآن، وبالتالي فمريدو الختمة الجماعية ملتزمون بالعبادة كما نص عليها الشرع من غير زيادة ولا نقصان، وقد حققوا القراءة المطلوبة.
وأيضا فالذي جرى به العمل من قراءة القرآن بهذه الوقوف والسكتات، وتقسيمه إلى أحزاب وأنصاف وأرباع وأثمان لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام، فهل يلزم من ذلك القول ببدعيته؟!
الخامس: جرت عادة المغاربة على الختمة الجماعية “السلكة”، وفيها تعاون على البر والخير وقد أمرنا بالتسابق إلى ذلك” فاستبقوا الخيرات”[البقرة،148] “وتعاونوا على البر والتقوى”[المائدة،2].
فلا نحجر واسعا، ولا نحرم مالم يحرمه الشرع بغير برهان ساطع ولا دليل قاطع.
مع التذكير بأن الختمة الجماعية الجائزة لا ينبغي أن تعوض الختمة الفردية وتحل محلها، فلكل منهما مقصوده ومكانته.
كان الله لأهلنا في غزة العزة.