مواطنة أهل الذمة
حميد نعيمي
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:
عقد الذمة
أولا: الذمة لغة
الذمة في اللغة الأمان والعهد والضمان[1]، وجاء في اللسان: “والذِمام كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها المذمة، ومن ذلك سمي أهل الذمة وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين”.[2]
ثانيا: الذمة شرعا
عرفه ابن عرفة: “التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم والذب عنهم بشرط بذل الجزية”.[3]
وعرفه عبد الكريم زيدان بـ” عقد بمقتضاه يصير غير المسلم في ذمة المسلمين أي في عهدتهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة في دار الإسلام على وجه الدوام”.[4]
وعند سليم العوا: “عقد مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها، بشرط بذلهم الجزية وقبولهم أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية”.[5]
ثالثا: خصائص عقد الذمة
عقد الذمة يمنح جنسية الدولة الإسلامية، هذا ما تدل عليه عبارة الفقهاء “الذمة من أهل الإسلام”.[6]
الأصل في عقد الذمة هو الرضا بين طرفيه كسائر العقود والمعاهدات، فإن كان غير المسلمين منفردين في قرية أو ناحية فلهم قبول عقد الذمة أو رفضه، ما داموا لا يهددون المسلمين بعدوان أو بإعانة معتد، وقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل البحرين وكانوا مجوسا عقد الذمة، ومع أهل نجران وكانوا نصارى، وهم بهذا العقد يحفظون أرضهم وثرواتهم ولا سبيل عليهم إلا بالجزية. [7]
إن عقد الذمة بنظر الدولة الإسلامية يمثل تأمينا لها من أعدائها أن يكيدوا لها عن طريق جيرانها، ولذلك إذا كان هؤلاء الجيران مسالمين من أنفسهم، ولا يتوقع استغلالهم من غيرهم…فهم أحرار في قبول عقد الذمة أو رفضه، لكن إذا كانوا يشكلون تهديدا ما، فإن عقد الذمة يضمن ولائهم وتأمين الدولة من جهتهم ويضمن لهم الحماية والمساواة والحرية والتضامن، دون استغلال أو اضطهاد.[8]
رابعا: مصير عقد الذمة اليوم
وفي العصر الحاضر سقط الملك العثماني، واستبيحت بيضة الإسلام، وألغي العمل بالشريعة الإسلامية، وتعرضت دار الإسلام للاحتلال وانقسمت إلى عدة دول، ولا زال أحفاد أهل الذمة السابقين يسكنون بجوار المسلمين.
فما مصير عقد الذمة الذي عقدته الدولة الإسلامية لأهل الذمة في عصرها؟ وهل لا يزال مفعوله ساريا على أحفادهم أم انحل العقد؟
للفقه المعاصر ثلاثة آراء حول هذه المسألة:
الرأي الأول “بقاء عقد الذمة”: حيث يرى محمد خير هيكل أن عقد الذمة باق رغم سقوط الخلافة، وأن لأعقاب أهل الذمة حكم آبائهم، لأن عقد الذمة عقد أبدي ما بقي منهم واحد.[9]
الرأي الثاني “زوال عقد الذمة وعاد الذميون أهل حرب”: وهو رأي سليم زيرار حيث يقول:” أن عقد الذمة كسائر العقود لا يستعصي عليه الزوال بزوال أحد أطرافه أو كليهما أو بالظروف الخارجة عن الطرفين، وأن تأبيد عقد الذمة لا يمنع من انحلال العقد، وإنما معناه أنه لا يزول بموت الحاكم الذي أبرمه وأنه يلزم الحكام المسلمين بعدهم أبدا، ما بقي حكم إسلامي، وبقي ذميون يفون بواجباتهم، ومن أسباب زوال عقد الذمة: زوال الخلافة التي تلتزم بتأمين أهل الذمة وتطالبهم بواجباتهم وأيضا خروج أهل الذمة من دار الإسلام لزوال سلطة المسلمين في غير دارهم، ثم يخلص هذا الباحث إلى أن زوال هذا العقد بزوال أطرافه رفع العصمة عن غير المسلمين لأن الدماء والأموال في الإسلام يعصمها الإسلام أو الذمة، وليس معهم أي منهما”.[10]
الرأي الثالث “زوال عقد الذمة وحلول المواطنة محله”: وهو رأي غالبية العلماء المعاصرين، حيث يقررون زوال عقد الذمة في عصرنا بسقوط الخلافة وسيطرة الاستعمار والغرب على أغلب ديار المسلمين وانقطاع العمل بالشريعة، ويؤكدون على أن غير المسلمين معصومو الدماء والأموال، وموفورو الحقوق بموجب عقد جديد هو عقد المواطنة.[11]
يقول عبد الجليل أبو المجد موضحا هذه المسألة: “…مما دفع البعض أن يحاول إعادة النظر في بعض القضايا وعلى سبيل المثال نذكر فهمي هويدي ودعوته إلى التخلي عن تعبير أهل الذمة القديم واستبداله بالمواطنة اصطلاحا ومضمونا خاصة وان تعبير أهل الذمة قد سقط من البناء القانوني في العالم العربي منذ صدور أول دستور عثماني في عام 1876م”.[12]
ويؤكد سليم العوا إجماع المعاصرين على هذا الرأي قائلا: “وهذا الرأي هو رأي جمهور العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ محمد شلتوت، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والدكتور يوسف العالم والشيخ محمد الغزالي والقرضاوي ووهبة الزحيلي وعبد الكريم زيدان وطارق البشري ومحمد عمارة وفهمي هويدي….
[1] (مفردات ألفاظ القرآن)، الراغب الأصفهاني، ص331.
[2] (لسان العرب)، ابن منظور، مادة ذمم، 1/1077.
[3] (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير)، محمد عرفة الدسوقي، دار إحياء الكتب العربية: القاهرة، 2/200.
[4] (أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام)، عبد الكريم زيدان، ط2: 1988، مؤسسة الرسالة: بيروت، ص20.
[5] (في النظام السياسي للدولة الإسلامية)، محمد سليم العوا، ص251.
[6] (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)، علاء الدين الكاساني، ط2: 1986، دار الكتب العلمية: بيروت، 6/281.
[7] (الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه)، محمد سعيد رمضان البوطي، ط2: 1997، دار الفكر: دمشق، ص222.
[8] المرجع نفسه، ص145-146.
[9] (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية)، محمد خير هيكل، دار البيارق، ص219.
[10] (استيزار الذمي في الفقه الإسلامي)، سليم سرار، ط1: 2007، دار قرطبة: الجزائر، ص368-372.
[11] (حول أوضاع المشاركة في شؤون الولايات العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية المعاصرة)، طارق البشري، مجلة المسلم المعاصر، العدد69/70، 1994م، ص125.
[12] (مفهوم المواطنة في الفكر العربي الإسلامي)، عبد الجليل أبو المجد، ط 2010، إفريقيا الشرق: الدار البيضاء، ص148.