خصائص الكتابة القصصية في مجموعة “زمن المؤنث” لمجيد فلوح
خصائص الكتابة القصصية في مجموعة "زمن المؤنث" لمجيد فلوح/ د. عبد القادر الدحمني
خصائص الكتابة القصصية في مجموعة “زمن المؤنث” لمجيد فلوح
د. عبد القادر الدحمني
روائي مغربي وباحث في السرديات
تعد مجموعة “زمن المؤنث” الباكورة القصصية للمبدع مجيد فلوح، وهي صادرة عن مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، في 187 صفحة من القطع المتوسط، سنة 2022، وقد اخترت أن أقارب خصائص الكتابة فيها، عبر التطرق إلى خمسة عناصر كالآتي:
- سؤال التجنيس.
- اللجوءُ إلى التخييل.
- هندسة التلقي.
- توظيف مقومات الحكاية الشفهية.
- خلاصة.
سؤال التجنيس:
إن أول سؤال يُطرح ونحن بإزّاء قراءة مجموعة “زمن المؤنث” للقاص المبدع مجيد فلوح، هو سؤال التجنيس، أو السؤال الأجناسي، خاصة ونحن بصدد عمله القصصي الأول، وهو ما يحتم علينا اختبار مدى الوفاء للميثاق الأجناسي مع القارئ، فمُؤَلَّف “زمن المؤنث”، تم تصنيفه في أعلى واجهة الغلاف على أنه ينتمي إلى سلسلة قصص وروايات 2، في إشارة إلى جنسين سردِيَيْن اثنين، هما القصة والرواية، ويكاد العنوان الفرعي الموسوم ب: “رحلة واحدة وإن تعددت المحطات”، متحالفا مع الارتباط الكبير بين بعض قصص المجموعة، على مستوى الأحداث والشخصيات، إضافة إلى عنصر ثالث يتجلّى في حضور ظلال وارفة من السيرة الذاتية، وأحيانا بشكل مباشر كما هو الشأن في الفقرة الآتية: “اليوم ’زمن المؤنث’ أجد المرأة فور رجوعي من صلاة الفجر..”[1].
قلت: تكاد هذه العناصر الثلاثة، (أي التباس التجنيس على مستوى التصريح، والإلماح الموجود في العنوان الفرعي والتداخل بين أحداث القصص وشخوصها، إضافة إلى حضور السيرة الذاتية وصيغها السردية) تحوز المجموعة إلى جنس الرواية، لولا غلبة التسمية داخل المتن وخارجه في التقديم، على أن الأمر يتعلق بمجموعة قصصية وليس رواية، من ذلك تصريح السارد على أن الأمر يتعلق فعلا بمجموعة قصصية: “لم أكن لأكتب حول هذه الرواية، وأضعها في هذه المجموعة لو لم تناسب منهجي الصارم في الكتابة في هذه المجموعة، وهو أن تكون الحكايات واقعية”[2].
على أن سؤال التجنيس لا يتوقّف عند هذه الحدود العامة، ولكن يرافقنا ونحن نغوص في القصص الماتعة داخل المجموعة، وقد وقفنا على مجموعة من العناصر التي تشوش على الصفاء الأجناس للمجموعة، بل وتكاد تنقُضُهُ أحيانا، ومن تلك العناصر ما يأتي:
صيغ توظيف الأجناس الأدبية والحقول المعرفية:
إن عملية استرفاق مجموعة من خصائص المعارف والحقول الدلالية في عملية الكتابة كاد أن يدفع بالمجموعة إلى تشييد جسر انتساب واضح إلى تلك الحقول بأوفاقها وقواعدها، وهنا يمكن الحديث عن الإفادة من أساليب الخطبة والوعظ، وأساليب المقال، وأساليب المذكرات، وأساليب السيرة الذاتية. ولا يتعلق الأمر هنا بمفهوم الهجنة الإيجابي، الذي تنفتح الكتابة السردية بموجبه على مختلف الحقول المعرفية والأجناس الأدبية والفنية، مفيدَةً من ثراء العوالم الجمالية وموظفة مختلف أصناف المعرفة، ولكن عن عملية الاجتذاب التي تقوم بها هذه المجالات والحقول للقصة بشكل قد يجعلها تميل عن مقوماتها ومنطقها واستراتيجيتها، إن لم يكن المنطلق والمآل هو القصة نفسها، أي الخضوع لمنطق براغماتي في التوظيف، بشكل يجعل تلك المواد والمعارف والمجالات في خدمة القصة لا العكس، ولعلّ عددا من الحقول المعرفية لا زالت تمارس سحرها على الكاتب رغم اعتناقه مذهب التخييل واللجوء الواعي إلى القصة.
تأثير الكتابة المقالية:
ومن صيغ الكتابة التي نرى أنها لا زالت تمارس جذبها على الكاتب رغم تبنّيه لخيار الكتابة التخييلية، نجد المقال، بحيث نجد عددا من القصص مخترقة بشكل كبير بمنطق الكتابة المقالية وأبعادها اللغوية والمنطقية، وتقنياتها في الحجاج والمقارنة وتعداد العناصر وإيراد الاستشهادات.
إن توظيف المرافعة النظرية والمنطق الحجاجي والمقارنة النقدية داخل متن القصة يكاد أحيانا يجعل بعض القصص أو أطرافا منها، كأنها مُجْتَزَءَاتٌ من مقالات أو محاضرات[3]. كما يلجأ الكاتب أحيانا إلى توظيف الاستدلال المباشر، في نفحة علمية أكاديمية، تدلي بالحجة، وتفصح عن الرغبة في الإفحام عن طريق سَوْقِ النَّصِّ المناسب للاستشهاد به: “حسب الأديب محمد صادق الرافعي فإن هذا الغريب هو قاتل النساء بلا منازع، حيث يقول في وحي القلم: ’إنّ عمر الزوجة لو كان رقبة وضُرِبت بسيف قاطع لكان هذا السيف هو الطلاق’..”[4].
وفي نفس المنحى، نجد نصا نقديا انطباعيا، حاول نسج قصة عن علاقة السارد مع رواية لبثينة العيسي، وهو نص تتقاطع فيه الكتابة النقدية المقالية مع الكتابة السردية التخييلية، لكنه تقاطع يميل لصالح المقال أكثر من ميله إلى القصة والتخييل[5].
كما يحضر نصٌّ حجاجي آخر، يصلح أن يكون مقدمة للمجموعة، لكونه يشكل مرافعةً عن اختيارات الكتابة في “زمن المؤنث”، وتبريرا لأسس تلك الخيارات، وردًّا ضمنيا على كل انتقاد، واقعي أو محتمل، إزّاء صيغ الكتابة فيها، وطبيعة الرؤية الناظمة لبنائها وهندسة استراتيجية التلقّي المنتظر[6]، وهو نصّ كان يمكن أن يغني عن المقدمة، مادام يروم تأطير وتبرير اختيارات الكتابة في المجموعة، خاصة وأنه قد رام أيضا شرح دواعي ومراحل الكتابة، وتطور فكرة المجموعة ونصوصها بشكل عام، مع السعي إلى توضيح الملابسات المحتملة الناتجة عن تبني الكتابة التخييلية: “أحكي لكم قصة هذه المجموعة:…. كما لم أجد غضاضة في تقمّص الأدوار النسائية التي تصدرت البطولة في هذه المجموعة..”[7].
اللجوء إلى التخييل:
لا يمكن لقارئ “زمن المؤنث” أن يتغاضى عن هواجس الكتابة التي يزخر بها المتن القصصي، ومنها اختيار التخييل منفذا نحو امتلاك الحرية، والخروج من قيود الكتابة الأكاديمية وضغوط المنهج العلمي وصرامته، وهو الأمر الذي يصرّح به السارد قائلا: “لم أتجرّأ يوما على الكتابة بالطريقة التي أفعل اليوم، كتبت كثيرا، ولكن لم أكتب لنفسي، لم تكن تلك الكتابات خالية من أفكاري، ولا من ذاتي، ولكن لم تكن حرة، كانت رهينة بحجج الآخرين، وبراهين السابقين، كنت أحتاج إلى تزكية منهم، إلى إذن ما”[8]. فالنصُّ التّخييلي يخلّص الكاتب من أمرين اثنين: الخضوع لمنطق الآخرين وحججهم، إعادة الاعتبار لكتابة الذات وترسيخ خياراتها الحرة.
إن السارد لا يخفي دواعي لجوئه إلى الكتابة السردية، بل يصرح بها ويحلّل العملية برمّتها، فاعتناق المسار الخاص في الكتابة، هو اقتحام لعقبة، وعبورٌ واعٍ من زمن “النُّقُول المُلزمة” إلى زمن النضج والتخلّص من الطوق: “قبل أن أخوض هذا الخضمّ، حاولت أن أستأجر من ينوب مناب فؤادي، من يرسم أفكاري بدلا عنّي، أقلّب كتب الأولين، أبحث عن أفكار المتأخرين، أستجلي متاهات التائهين، أسرق منهم بعض العبارات التي قد تبين عن عيّ لساني، تكون قوسا ترمي سهام عقلي، تكون ريشة ترسم خلجات قلبي، قلما يدون ما يعتصر كبدي. هذا التوكيل الذي كان بغير إذن أصحابه لم يعد يناسبني”[9].
لكن الكتابة تحمل دوما بعدها العُلْوي، الذي يتجاوز تلك المعادلة الشخصية في أبعادها الواقعية، هناك دوما ذلك الإحساس العارم بـأن شيئا متعاليا يتدخل في اللجوء إلى الكتابة، إنه جذبٌ ما، واضطرار قدري، وتيسير سماوي، يتجلّى فيما أسماه السارد بالإذن، وهو مفهوم صوفي استعاره للتعبير عن ذلك الدفق الوجداني، والاضطرار العجيب، الذي يُلجِئُ أشخاصا بعينهم إلى الكتابة: “أخبرتكم في ’زمن المؤنث’ أن إقبالي على الكتابة لم يكن تقديرا وإنما قَدَرًا، لم يكن رغبة وإنما دفعة، لم يكن فكرا وإنما حبا، هكذا كان، هل هذا هو الإذن؟”[10].
غير أن مخاضات الكتابة، ومعاناتها، والتباسات عملياتِها، لا تخفى على السارد، وهو يؤكد وَعْيَهُ بقُصورها، وقصور اللغة بشكل عام، عن إدراك الكُنْهِ البشري والتعبير عنه، وهو الأمر الذي يوجزه المتصوفة في العبارة الشهيرة: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. يقول السارد: “لا أظن الكاتب اليوم وإن تقمّصني ونطق باسمي يستطيع نقل ما يختلج في صدري، وكيف يستطيع ولساني يعجز عن بيان مكنوناتي، حتى وإن حاولت الحديث بلهجتي العامية التي درج عليها لساني”[11].
كما أن الكتابة قد تحيد عن وظيفتها المثالية، لتتحول إلى القيام بأدوار غير أخلاقية، بانخراطها في عملية التزييف والنفاق: “يستقبله فريق من الحرّاطين، وهم رجال سود البشرة، يخدمون أبي. أكتفي بهذا القدر من النفاق الاجتماعي، وأعبّر صراحة: هؤلاء الحرّاطين، كانوا عبيد أبي”[12]، ويضاف إلى ذلك، عائق السلطة الاجتماعية أو السياسية التي تمنع الكُتَّابَ من كتابة كل ما يفكِّرون به، وهو الأمر الذي يشير إليه السارد بقوله: “يلعن ويشتم ويردّد ’مينة حافية’، ثم يقول كلاما لا تسمح الرقابة بنشره”[13].
ولأن الكتابة السردية، تطرح دوما علاقة التخييلي بالواقعي، وتلبس دوما عددا من الأقنعة في هذه اللعبة، فإن الكاتب حرص في عدد من المواطن على إظهار نزوعه الواقعي في الكتابة، وهو أمر من الصعب الإحاطة ب”حقيقته”، لأن ادعاء الواقعية، قد يكون ناتجا عن فكرة “تغيي الحقيقة” وسيادة منطق التدليل والإثبات، في تأثر واضح بمناهج العلوم الإسلامية التي تستند على التلقي القائم على المشافهة والمجالسة، وعلى السَّنَد المُعَنْعَن، وعلى الجَرح والتَّعديل. وقد تكون حيلة سردية للإيهام بالواقعية، في عملية تبتغي البحث عن مصداقية للسرد، وحيازة رصيد من الثقة التي تجعل النص مؤثرا ولا يرتقي إليه “وهم” التخييل السارح بدون قيود، وهو الأمر الذي يفصح عن اعتبار خفي لسؤال التلقّي، وضرورة وجود مؤشر على ذلك “الإمكان” الواقعي المقنع باحتمال إعادة “الإمكان. رغم أن سؤال الواقعية هو سؤال نسبي بشكل كبير في المحصلة، ما دامت عملية الكتابة، خاصة كتابة الأحداث والوقائع، تخضع لمنطق لغوي، ولذاكرة متحركة، ولوعي متجدد، ولإعادة إنتاج رمزي، لا بد وأنها تثبت وتنفي، وتمارس عملية انتقاء، وتتموقع في زاوية معينة، وتقصد وجهة أكثر من غيرها، وهو الأمر الذي لا ينفي الهاجس الذي يترجمه الكاتب من داخل المتن السردي بتأكيده على اختياره المنهج الواقعي في المجموعة بصفة عامة: “لم أكن لأكتب حول هذه الرواية، وأضعها في هذه المجموعة لو لم تناسب منهجي الصارم في الكتابة في هذه المجموعة، وهو أن تكون الحكايات واقعية”[14].
هندسة التلقّي:
يقال بأن الكاتب هو أول متلقٍّ لما يكتُبه، وذلك لسببين اثنين: أولا لكونه يكتب وَعَيْنُهُ على متلقٍّ مفترض، يقصده أكثر من غيره، ويراعي اشتراطاته المفترضة بشكل يحوز “رضى” ما، في حين قد يتغيّا ضمن عملية “الاسترضاء” الكتابي هاته الهجوم على متلقّ آخر لزعزعة ما يركن إليه، ونقض أو تعييب ما يؤمن به ويأنس له، وثانيا: لأن كل كاتب، هو قارئ ضمني لما يكتبه، حسب درجة وعيه القرائي، ومستوى معرفته النقدية، وبالتالي فهو يبحث عن إرضاء نفسه أولا، والرضى عن فحوى ما يكتبه لغةً وصِيَغًا وبناءً ورؤيةً.
وقد حضر المتلقي بشكل سافر ومصرح به في الكتابات السردية الكلاسيكية، التي كانت تخاطب المتلقي بشكل مباشر، وتعرض عليه الدواعي والسياق والمنهج والصيغة والملخص، قبل أن يختفي كل ذلك أو يكاد، من نصوص كانت تجعل المتلقّي ينخرط في عوالمها ويتابع فصولها دونما كثير تحبُّب وسفور دعوة، وإعلان خطة، وهو الأمر الذي تم كسره مرة أخرى مع مرحلة التجريب في السرد، بعودة، السارد إلى الإطلالة من داخل المتن، إمعانا في إثارة انتباه المتلقي، أو توجيها له، أو تشكيكا فيما قد يفهمه..، وهي أمور كلها تنبني على التشكيك في “الحقيقة السردية” التي يبحث عنها المتلقي الكلاسيكي، في سبيل تنسيب الخطاب، وفتح العديد من النوافذ والكُوى، بغية إغناء ذلك الخطاب، وفتح آفاقه، في عملية كانت تروم أيضا إشراك المتلقي في هواجس الكتابة، وتوقع مسارات الحبكة، وإطلاق الأحكام، والتفكير مع الكاتب في أبعاد الخطاب ودلالاته.
إن توظيف هذه التقنيات يدخل ضمن مفهوم الميتاسرد، الذي يشمل المتعاليات النصية الموجهة لدلالة النص من خارجه مثل الغلاف ولوحته وألوانه، والإهداء والإضاءات وما يكتب على ظهر الغلاف، وما يبثه الكاتب أو الناشر من علامات “خارج-نصّية”، بقدر ما يشمل الموجِّهات الداخلية التي تفكّر في السرد من داخله، وتبتغي إشراك المتلقي في العملية برمّتها، ومن ذلك، مخاطبة المتلقي بشكل مباشر، كما في الأمثلة الآتية:
- “لنا عودة إلى هذا الصبي نستمع إليه بعدما يشبّ ويشيب”[15].
- “أراهن على فضولكم لكي تصبروا على الحكاية إلى النهاية، وتستمعوا إلى القصة كاملة”[16].
- “يمكنك أن تراجع مشاهد السينما العجائبية، ومؤثّرات الشاشة الهوليودية لكي تفهم قصدي”[17].
- “لا بدّ أنكم الآن تتساءلون: كيف تزوجت الفقيهة بالسارق بعد الفاسي”[18].
- “لا شكّ سيّدي القارئ تتساءل عما فعل الله بذلك الرجل الغريب الذي جرّ الخيبة وانصرف بغير رجعة”[19].
- “فلا تستغرب من سلوكه هذا إن وضعت نفسك في زمن السيبة”[20].
- “واعذرني أيها القارئ الكريم، فهذه الأحداث يستجلب بعضُها بعضا ويستدعيه، هذه المعلمة التي أحكي لكم عنها كانت أيضا تحمل في قلبها همّ فلسطين”[21].
توظيف مقومات الحكاية الشفهية:
لا شك أن السرد العربي بدأ شفاهيا، وانتعش في فترة ما أسماه الدكتور سعيد يقطين ب”السرد المجلسي”، وهو السرد الشِّفاهي، الذي كان يعتمد على سارد تتحلَّق حوله أذان منتبهة، أي أنه قائم على الاستماع أساسا، ورغم تحول السرد من بعده الشفاهي إلى بعده الكتابي، فإنه قد حمل معه بعض لوازمه السردية، ومقوّمات خطابه القائم على البعد الشفهي، سواء كان ذلك مقصودا بوصفه آلية ترتضيها ذائقة التلقي “العربي” القائمة على الرواية والسماع، أو أنها مجرد أساليب غير واعية، ترتبط ضمنيا بمفهوم الحكاية في الثقافة العربية، وهو الأمر الوارد في المجموعة، في مواطن عديدة: فمرة تكون المراهنة على الأذن السامعة: “أراهن على فضولكم لكي تصبروا على الحكاية إلى النهاية، وتستمعوا إلى القصة كاملة”[22]– “لنا عودة إلى هذا الصبي نستمع إليه بعدما يشبّ ويشيب”[23]، ومرة تكون المراهنة على العين القارئة: “واعذرني أيها القارئ الكريم”[24]– “لا شكّ سيّدي القارئ تتساءل عما فعل الله بذلك الرجل الغريب”[25].
كما أن توظيف بعض خصائص المحكي الشعبي في المجموعة، لا يقتصر على المقام المفترض للمتلقي، أهو مستمع أم قارئ، بل يتجاوز ذلك إلى توظيف بعض الأمثال الشعبية: “السَبت سبيت يشّو، والأحد ما نمسّو، واثنين نمشي ليمّا، والثلاث نقيم تمّا، والأربع نرجع من تمّا، والخميس نتحنّى، والجمعة جماعة النسا”[26].
وقد عمد الكاتب أحيانا إلى توظيف البعد الشفاهي بطريقة إبداعية نبيهة حين جعل قفلة القصة تنتهي، كأنها دردشة شفهية عابرة، أوقفها رنين هاتف المتحدث: “أعتذر فهاتفي يرنّ، أسمع صوتَه من محفظتي”[27]، كما وظّف المرونة التي يتيحها البعد الشفهي لاتخاذ قرار الاستباق أو التلخيص، مثل لك قوله: “تطول القصة بتفاصيلها، ولكن نقتصر على مغزاها”[28].
إن الإفادة من ثَرَاء التراث الشفهي، وما تزخر به الثقافة الشعبية من مقومات “الحكي” ومادّته، يمكن أن يشكّل مدخلا مهما لإغناء دلالات الأعمال السردية، وتجذير رؤاها وعوالمها إن أُحسِن التوظيف، وأُحكِم البناء، والتُزِمَ الإبداع والتجديد وبراعة الاختيار.
خلاصة:
لقد أبدع مجيد فلوح نصوصا قصصية ممتعة، أمسكت بصنعتها الجمالية، واسترفدت مادتها الحكائية من مجالات وأمكنة وأزمنة مختلفة، في حين ظلت وفية لتيمتها الرئيسة المتمثلة في تاء المؤنث، تقديرا واحتفاء وإحياء لمعاني اندرست بفعل فقه منحبس، ووضعية تاريخية متخلفة، وحداثة معطوبة سلعت جسدها، وعلّبت وجودها، وقلصت نضالها، كي تكون دمية، وأداة إمتاع وزينة، لا فاعلا تاريخيا وحضاريا مؤثرا ورائدا ونوعيا.
إن الملاحظات الشكلية التي تقدمت بها، لا تعكس إلا انشغال الدخول إلى عالم القصة وما يرافقه من هواجس وأسئلة، وما يستصحبه معه من أدوات وعوائد وأوفاق، وهو أمر لا ينقص شيئا من سمو البناء القصصي في مجموعة “زمن المؤنث”، ومتانة العرض الجمالي والقيمي الذي تتقدم به، إضافة إلى خاصيتين اثنتين قلما تجدهما في المجاميع القصصية الأولى للكتاب الوافدين على هذا الجنس الإبداعي، وهما مسألتا الموسوعية المعرفية التي تغني العوالم الجمالية وتُرْفِدُ مقولاتها بأُطُرٍ مرجعيّة تُجَذِّر المعنى وتؤطِّر الدلالة. ثم مسألة اللغة، بوصفها حاملا حاسما في الكتابة، ومقوِّمًا لا يمكن القفز عليه في بناء أيّ عمل إبداعيّ يطلب الرسوخ في الذاكرة القرائية ويروم التأثير في المتلقي، ويطمح أن ينحَتَ لنفسه مساحةً معتبرة في تاريخ الأدب، وهو الأمر الذي أعتقد أن القاص مجيد فلوح قد نجح فيه بدرجة طيبة، عن طريق عنايته الفائقة بتشذيب اللغة وتهذيبها، ونحتِ أساليبها، وابتكار صِيَغِها، وانتقاء مادتها، بسلاسة وبعد جمالي واضح، مما جعل أسلوبه أنيقا وسلسا ودقيقا رقيقا زادته الأبعاد القيمية للعمل القصصي بهاءً وجاذبية.
[1] – فلوح، مجيد، زمن المؤنث: رحلة واحدة وإن تعدّدت المحطات، مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، الطبعة الأولى، 2022، ص: 105.
[2] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 112.
[3] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 90، ص: 99.
[4] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 51.
[5] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 114.
[6] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 105.
[7] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 102- 103.
[8] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 108.
[9] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 108.
[10] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 109.
[11] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 97.
[12] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 21.
[13] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 22.
[14] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 112.
[15] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 49.
[16] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 179.
[17] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 31.
[18] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 33.
[19] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 43.
[20] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 34.
[21] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 60.
[22] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 179.
[23] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 49.
[24] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 60.
[25] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 43.
[26] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 25.
[27] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 81.
[28] – فلوح، مجيد، نفسه، ص: 51.