باب تبشير الأمة بالنصر والتمكين (4)الأربعون حديثا المبشرة
يعقوب زروق
الحديث الثاني والعشرون: بشارة بالفتح لمن اتصل سند صحبتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ” يأتي زمان يغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح عليه، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم. فيفتح”.[1]
هذا الحديث أصل عظيم في بيان أهمية الصحبة وتسلسلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن الفتح مشروط بصحبة من صحب. ويقاس على الفتح كل خير يرجى. فإنما يحصل بصحبة العلماء الربانيين الذين اتصلت صحبتهم جيلا بعد جيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأحاديث كثيرة في بيان فضل صحبة الأخيار. أذكر منها حديث واثلة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله، لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحبني ” [2]
“مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا “ [الفتح: 29]
الحديث الثالث والعشرون: بشارة بالخلافة على منهاج النبوة.
عن حذيفة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوةٍ “. ثم سكت.[3][4]
يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بمراحل تعيشها الأمه بدءا من عهد النبوة ثم الخلافة الراشدة التي كانت على منهاج النبوة وهي خلافه الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. يؤكد هذا حديث سفينة رضي الله تعالى عنه الذي حدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة في ثلاثين عاما هي مدة الأربعة المهديين. عن سفينة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك “. قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكرٍ سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة عليٍ ست سنين.[5]
ثم يخبر صلى الله عليه وسلم أن بعد الخلافة على منهاج النبوة يكون الملك العاض الذي يستبد بالأمة ويحكمها بالعض وهو الإكراه. ولا شك أن حكام بني أميه ومن بعدهم كانوا هم ملوك العض للحديث السابق حديث سفينة ولانتفاء خصائص الخلافة فيهم فالخلافة معناها النيابة. نيابة عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا. والنائب لا يكون نائبا إلا إذا سار على منهاج من ينوب عنه.
ثم تأتي المرحلة التالية للعض وهي مرحله الجبر. “ثم تكون ملكا جبرية” وفي هذا إشارة الى الظلم والجور الشديد وهو ما تعيشه الأمة في عصرنا.
يعقب هذا كله إن شاء الله تعالى الخلافة على منهاج النبوة المبشر بها في هذا الحديث. والتي تؤكدها أحداث العصر والتي تؤكدها أحداث العصر فإن ما تعيشه الأمة والبشرية من ظلم واستكبار لقوى الشر العالمية مؤذن بسقوط هذا النظام العالمي المتغطرس وما هذا الخوف من الإسلام من قبلهم إلا لعلمهم التام بأن المستقبل للإسلام فهم يحاولون منع فجر طالع إن شاء الله تعالى.
“وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “[النور: 55]
الحديث الرابع والعشرون: بشارة بمجيء العدل بعد الجور.
عن معقل بن يسارٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره»[6]
في هذا الحديث نذارة وبشارة. فأما النذارة فهي إخباره صلى الله عليه وسلم بظهور الجور وهو الظلم بعده بقليل وهذا ما تحقق بعد نهاية الخلافة الراشدة التي لم تتجاوز الثلاثين سنة فأتى بعدها الجور شيئا فشيئا حتى صرنا في زماننا لا نعرف العدل إلا ما كان في سير السابقين. رضي الله عن الفاروق وعن الخلفاء الراشدين. لنكون بحول الله مع موعد البشارة بعد النذارة ألا وهي مجيء العدل شيئا فشيئا وذهاب الجور. حتى يأتي الله بالخلافة الثانية على منهاج النبوة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق في حديث آخر سنقف معه لاحقا إن شاء الله. لكن تأمل معي جملة ثم يأتي الله بالعدل. فإنما هو قدر كتبه الله وسيأتي به الله ولا راد لقدر الله. مهما رأيت من طغيان وجور. صدق الله وصدق رسول الله.
“فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ “[الشرح: 5-6]
الحديث الخامس والعشرون: بعد كل شر خير.
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍ؟ قال: ” نعم “. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟ قال: ” نعم، وفيه دخن “. قلت: وما دخنه؟ قال: ” قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر “. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرٍ؟ قال: ” نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها “. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. فقال: ” هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا “. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك. قال: ” تلزم جماعة المسلمين وإمامهم “. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ” فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرةٍ حتى يدركك الموت وأنت على ذلك “[7].
في هذا الحديث تبشير وإنذار. فأما التبشير فهو أن بعد كل شر خير. فكما كانت الجاهلية وأتى الله بعدها بخير الإسلام والنبوة والخلافة الراشدة كذلك يأتي الله بالخير بعد كل شر وظلم وطغيان. وأما الإنذار فهو الإخبار بأن الخير الذي يأتي بعد الشر فيه دخن (أي سواد) بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قوم يهدون بغير هديه صلى الله عليه وسلم، يخلطون الحق بالباطل زيادة في إضلال الناس (تعرف منهم وتنكر). وإنذار آخر وهو إخباره صلى الله عليه وسلم بدعاة على أبواب جهنم من جلدتنا ويتكلمون بكلامنا. هاته النذارات في طياتها بشارات، ذلك أنها تحذر من هذا الشر وتعرفنا به لنتجنبه وتعلمنا كيف نتعامل معه. يسأل الصحابي كيف العمل؟ فيدله صلى الله عليه وسلم على ملازمة جماعة المسلمين وإمامهم. فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فيأمره بأن يعتزل كل تلك الفرق. والمقصود تلك الفرق التي تهدي بغير هديه وتلك التي تدعو أئمتها على أبواب جهنم. وإلا فمن عزائم الأمور كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة مدافعة الشر والسعي إلى تأليف جماعة المسلمين يتعاون على ذلك المؤمنون الصادقون .
“لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرً”[الطلاق: 7]
الحديث السادس والعشرون: بشر هذه الأمة بالسناء.
عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ بشر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيبٍ “[8]
في هذا الحديث أمر نبوي بتبشير الأمة بعلو المكانة وبالدين والنصر والتمكين في الأرض. أمر نبوي ملزم لكل من علم به. الأمة في مجموعها موعودة بالنصر والرفعة فلا خوف على الأمة كأمة. وليخف امرؤ على نفسه ولذلك ورد التحذير في هذا الحديث من أن يعمل الرجل عمل الآخرة للدنيا وذلك بأن تكون نيته من العبادات والأعمال التي يتقرب بها إلى الله فاسده يريد بذلك عرضا من الدنيا فيحرم من نصيب الآخرة
قال صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.[9]
” إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ”[الزمر: 2-3]
“كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” [آل عمران: 110]
الحديث السابع والعشرون: لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين.
عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواءٍ حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.[10]
هذا الحديث هو بشارة عظيمة، وهو معجزة كذلك، لأنه أخبر بأمر غيب، لم يكن يعلمه وقت الإخبار به إلا الله، فأطلع الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبرنا به، تبشيرا لنا، وزرعا للثقة في الله ودفعا لليأس. يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته أن طائفة منها ستظل على الحق على مر العصور. بل حدد مكانها في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. هذه الطائفة ستظل قاهرة لعدوها، لا يضرها شيء. يتخلى عنها الناس ويخذلها القريب قبل البعيد. وتصيبها اللأواء وهي ضيق المعيشة. لكن مع ذلك لن يوهنها شيء من هذا. حتى يأتي أمر الله . أتدرون ما أمر الله ؟ إنه النصر القريب والفلاح المبين.
وها نحن نرى ولله الحمد أهلنا في فلسطين قاهرين للعدو. أكثر من سبعين عاما من الاحتلال وقبلها الاحتلال البريطاني ولم يحسم العدو القضية لصالحه، بل يزداد خزيا يوما بعد يوم وتزداد المقاومة عزة وقوة. كل ذلك رغم الخذلان الرسمي ورغم الحصار ورغم المكر. فاللهم صل وسلم على من لا ينطق عن الهوى.
“سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”[الإسراء: 1]
الحديث الثامن والعشرون: بشارة بتكلم الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله. إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود[11] “
يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ببشارة عظيمة. وهي أن ينصرهم الله على اليهود نصرا مصحوبا بمعجزة ينطق الله فيها الحجر والشجر. وهذا بيان للبشارة القرآنية في سورة الإسراء “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” [الإسراء: 7]
وعد الله أن يبعث عليهم حين يفسدون في الأرض مرتين من يسومهم سوء العذاب، وعد المرة الأولى ووعد الاخرة، الثانية.
لا شك أننا بين يدي وعد المرة الآخرة لارتباطها بدخول المؤمنين المسجد الأقصى محررين له.
وقال سبحانه مؤكدا اجتماع اليهود من الشتات عندما يحين وعد الآخرة. “وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا”[الإسراء: 104]
اللفيف الجماعات المختلطون من أصناف شتى. ألم تر أنهم جاؤوا إلى فلسطين من قوميات وبلدان شتى. كل ذلك إعدادا لوعد الآخرة وللبشارة العظيمة يوم ينطق الله الحجر والشجر. قال البغوي في تفسيره : “جئنا بكم لفيفا” أي: النزاع من كل قومٍ من هاهنا ومن هاهنا لفوا جميعا.[12]
لكن ثمة أمر مهم وهو أنه لن ينتصر عليهم إلا عباد لله تحققوا بالعبودية لله تعالى ” يا مسلم ياعبد الله” وفي الآية: ” بعثنا عليكم عبادا لنا”
إن تحقيق العبودية لله هي شرط النصر. فلا مناص من تربية جيل مؤمن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يصدق وعده وبشارته.
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21]
الحديث التاسع والعشرون: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار.
عن تميمٍ الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ، أو بذل ذليلٍ، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر “. وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية.[13]
راوي هذا الحديث سيدنا تميم الداري له خصوصيات يجدر أن نقف معه لذلك: فهو صاحب رسول الله -ﷺ، فلسطيني أقبل على رسول الله صلى الله عليه فأسلم. وهو نال شرف أن يحدث عنه النبي -ﷺ- على المنبر بقصة الجساسة في أمر الدجال.
وهو أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قريته في بيت لحم قبل أن يفتحها المسلمون.
قال عكرمة: لما أسلم تميم قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحمٍ، قال: «هي لك» وكتب له بها.
قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: أنا شاهد ذلك فأمضاه، فهي وقف عليه وعلى ذريته.
هذه القصة ومعها الحديث تدلان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه ونحن معهم بإظهار الدين، حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار وحتى لا يبقى بيت حضر ولا بادية إلا دخله الإسلام. بعز عزيز أو ذل ذليل. صدق الله ورسوله والحمد لله رب العالمين.
“هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ”[التوبة: 33]
الحديث الثلاثون: أي المدينتين تفتح أولا؟
عن أبي قبيلٍ، قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوقٍ له حلق، قال: فأخرج منه كتابا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مدينة هرقل تفتح أولا “. يعني قسطنطينية.[14]
بالإضافة إلى ما في هذا الحديث من التبشير بفتح القسطنطينة وروما فإن فيه فوائد أخرى كثيرة:
- كان شائعا بين الصحابة والتابعين أن المدينتين ستفتحان، بل أن الدين سيظهر وينتشر وهذا يقين تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرى بكل مؤمن اليوم أن يتعلمه في زمن التيئيس.
- سؤال الصحابة والتابعين عن أي المدينتين تفتح أولا لم يكن بدافع الفضول أو الترف الفكري وإنما كان من أجل حيازة فضل المشاركة في الفتح.
- كان الصحابة في وقت ما يجلسون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكتبون أحاديثه كما هو ظاهر في هذا الحديث وهذا رد على أولئك الطاعنين في السنة بدعوى أنها لم تكتب إلا بعد مدة. والأدلة في هذا كثيرة. فسنته صلى الله عليه وسلم محفوظة بحفظ الله مصونة بجهد العلماء الربانيين.
- تكمن أهمية المدينتين المبشر بفتحهما في كونهما عاصمتا امبراطوريتي النصارى فالقسطنطينية كانت عاصمة بيزنطة أو الروم الشرقية وروما عاصمر الروم الغربية وكلاهما حملتا على عاتقهما الدفاع عن النصرانية والتبشير بها.
- تحقق شطر البشارة بفتح القسطنطينية أولا على يد محمد الفاتح في منتصف القرن التاسع الهجري وبقي شطر البشارة الثاني ينتظر رجالا يتنزل على أيديهم قدر الله.”هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا”[الفتح: 28]
الحديث الواحد والثلاثون: بشارة للأمة بعدم هلاكها بعدو أو قحط.
عن ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين ؛ الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنةٍ بعامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال : يا محمد ؛ إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنةٍ بعامةٍ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها – أو قال : من بين أقطارها – حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا [15]“.
في هذا الحديث بشارة عظيمة لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم بأمته سأل ربه أن لا يهلك أمته بقحط وجفاف وأن لا يهلكها بعدو يستبيحها ويستأصلها. فاستجاب الله له. ووعده أن لا يهلكها بقحط وأن لا يسلط عليهم عدوا يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم أهل الأرض. هذه بالإضافة إلى كونها بشارة عظيمة هي كذلك معجزة باهرة فإن الأمة في تاريخها تعرضت لهجوم العدو من الشرق والغرب وانكسرت كل الهجومات وعادت بخيبتها. هجم التتار عليها لكنهم انكسروا وهزموا وهجم الصليبيون على مدى ثلاث قرون في حملات ضخمة كلها خابت ودحرت وهجم الاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين فعاد بغيظه وبقيت الأمة مسلمة لم يضرها كيد الأعداء والحمد لله رب العالمين.
” وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ “ [الأنفال: 33]
الحديث الثاني والثلاثون: أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة مرحومة.
عن أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا، الفتن، والزلازل، والقتل”.[16]
يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بهاته البشارة العظيمة وهي أن لا عذاب عليها في الآخرة. وإنما عجل لها عذابها في الدنيا على ما اقترفت من ذنوب: فتن وزلازل وقتل… أراد الله لها أن تبتلى في الدنيا رحمة بها. يرى الغافل عن الآخرة ما ينزل بالأمة من بلاء لا ينزل مثله على الأمم الأخرى فيستهزئ ويشمت ويقول أهؤلاء هم الذين يحسبون أنفسهم على الحق! انظروا إلى الأمم الكافرة كيف تعيش أحسن حالا منكم! لم يفهم مراد الله. لم يفهم أن أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ولا حظ لهم في الآخرة. أنى له أن يفهم وخبر الآخرة وهم عنده.
عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمةٍ عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ».[1]
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك -عز وجل- يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: بل باب التوبة والرحمة).
“وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ”[الشورى: 30]
الحديث الثالث والثلاثون: لا تجتمع الأمة على ضلال.
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يجمع أمتي – أو قال: أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم – على ضلالةٍ ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار”[17]
الخطأ وارد ومكتوب على بني آدم. نمحوه التوبة النصوح كما تاب الله على أبيه فاجتباه. والله يحب التوابين ويفرح بتوبة عبده التائب ويبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسطها بالنهار ليتوب مسيء الليل. سبحانه ما أعظم فضله. والخطأ وارد في حق الجماعات بيد أن اجتماع الأمة على ضلال بين فإنها معصومة من ذلك فضلا من الله ومنة. تضعف وتخطئ لكنها لا تتفق أبدا على الضلال. كأن تجعل الباطل حقا بإجماع أو الحق باطلا.
“وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا “[النساء: 115]
الحديث الرابع والثلاثون: بشارة بمجيء رجل يملأ الأرض عدلا.
عن علي رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله عز وجل رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا “. قال أبو نعيمٍ: ” رجلا مني “[18].
في هذا الحديث تبشير بالعدل بعد الجور على يد رجل من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. نسبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نفسه “رجلا مني” والأحاديث الواردة في شان المهدي المنتظر كثيره ومختلف فيها. لكن تؤكدها الأحاديث الصحيحة المبشرة بالخير والعدل بعد الجور والظلم. لكن ثم إشارة لابد من التنبيه لها وهي أن هذا الرجل الذي سيأتي لن يكون مجيئه على حين غرة ودون أسباب أو مقدمات. لابد من أسباب تهيئ لمجيئه على يدي من اصطفاهم الله تعالى لخدمه دينه وامة حبيبه صلى الله عليه وسلم.
“وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”[القصص: 5]
الحديث الخامس والثلاثون: بشارة بنزول عيسى عليه السلام حكما مقسطا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد “[19].
من كرامة هذه الأمة أن مبتدأها كان بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وختامها بعيسى ابن مريم عليه السلام ينزل مصدقا لما معها من الحق مؤتما بإمامها كما ورد في أحاديث نزوله. فيكون نزله رحمة لهذه الأمة يحكم بالقسط ويبطل دعاوى النصارى فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل من أحد إلا الإسلام ويكثر المال ويقتل الدجال. ودلت الأحاديث أن نزوله يكون والأمة موحدة مجتمعة على الجهاد. وهذا تصديق ما مر من أحاديث مبشرة بالخلافة على منهاج النبوة ومجيء العدل بعد الجور.
“إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴿٥٩﴾ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿٦٠﴾”[الزخرف: 59-60]
الحديث: السادس والثلاثون: بشارة للمرابطين بغزة وعسقلان.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان[20].
مرت بنا أحاديث مبشرة بالخلافة والعدل وأحاديث مخبرة بمراحل تمر بها الأمة من العدل والظلم وكل ذلك في سياق التدافع بين الحق والباطل ولذلك يلح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على الجهاد والرباط وهو حراسة الثغور وينبه هنا إلى ثغر عظيم هو ثغر عسقلان بفلسطين. أكتب هذه الفقرة عقب طوفان الأقصى المبارك الذي انطلق من غزة (وهي بوابة عسقلان وقد كانت سابقا غزة وعسقلان بلدة واحدة) هذا الطوفان الذي أسقط هيبة المجرمين وكشف عورة المنافقين وأكد للعالمين أن العزة في الجهاد وصدق ما ورد من البشارات وبشر بما هو آت إن شاء الله القوي العزيز.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس في المشرق والمغرب مقبرة أكرم على الله من الذي رأيت -يعني: البقيع- إلا أن تكون مقبرة عسقلان. قالت عائشة: قلت: وما مقبرة عسقلان؟ قال: رباط للمسلمين يبعث الله منهم سبعين ألف شهيدٍ. [21]
وروي: طوبى لمن أسكنه الله إحدى العروسين: عسقلان، أو غزة. [22]
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أريد الغزو في سبيل الله قال عليك بالشام فإن الله [تكفل لي بالشام] وأهله والزم في الشام عسقلان فإنها إذا دارت الرحا في أمتي كان أهلها في خيرٍ وعافيةٍ.[23]
“وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ”[الأنبياء: 71]
الحديث السابع والثلاثون: بشارة ببعث من يجدد الدين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدد لها دينها.[24]
طول الأمد مؤذن بقسوة القلوب والفسوق كما قال الله تعالى”أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ” [الحديد: 16]
والإيمان في القلب يخلق أي يبلى كما يخلق الثوب ولا مناص من تجديده بتلاوة القرآن وبالإكثار من قول لا إله إلا الله وذكر الموت. هذا إيمان الأفراد وكذلك الأمة في مجموعها يخلق دينها بطول الأمد. وبعد كل شرة فترة. لكن المولى الكريم تكرم عليها بأن يبعث فيها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها. يحيون ما اندرس من السنن ويرفعون الهمم ويصححون ما دخل من أباطيل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين”[25]
“ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ” [فاطر: 32]
الحديث الثامن والثلاثون: بشارة للأمة أنها نصف أهل الجنة.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي في قبةٍ، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمدٍ بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؛ وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر.[26]
حرم الله الجنة على الكفار وقضى أن لا يدخلها إلا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله. واقتضت سنته أن يكون أهل الخير قلة وأهل الشر كثرة. ولذلك فنسبة هذه الأمة في أهل الشرك كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ونسبتها في أهل التوحيد من الأمم السابقة النصف كما أشار إلى ذلك ورجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى صلى الله عليه وسلم وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ.[27]
“وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ” [الضحى: 1-5]
الحديث التاسع والثلاثون: بشارة لمن بعد الصحابة وأنهم أعجب إيمانا.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟ ! قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ ! قالوا: الصحابة. قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟ ! ولكن أعجب الناس إيمانا: قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا من الوحي؛ فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيمانا – أو الخلق إيمانا.[28]
هذا تنويه منه صلى الله عليه وسلم بالتابعين له بإحسان من المؤمنين إلى يوم الدين وبيان منه صلى الله عليه وسلم لما خصوا به من تصديق بالغيب والآثار الصحيحة وهم لم يشهدوا معجزات الأنبياء فكان إيمانهم أعجب من إيمان الملائكة والأنبياء والصحابة. لئن حظي الصحابة بفضل الصحبة والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عطاء ربك ما هو محظور ومن كرمه سبحانه أن خص التابعين لهم بفضل منه كذلك.
“وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ “ [التوبة: 100]
الحديث الأربعون: بشارة لإخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك؟ يا رسول الله، قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ يا رسول الله، فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيلٍ دهمٍ بهمٍ ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا. وفي رواية: فليذادن رجال عن حوضي.[29]
هذا الحديث كالذي قبله يبشر المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحبته وشوقه لهم. وقد سماهم إخوانا ونسبهم إليه وهذه منقبة عظيمة. وفي هذا الحديث بيان لما تصح وما تنتقض به هذه النسبة. فأما ما تصح به فهو الوضوء به يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما يسبغه عليهم من نور في وجوههم وأطرافهم. وإن الطهارة لدليل على ما قبلها وبعدها من إيمان وصلاة وطهارة قلب وحسن سلوك. وأما ما تنتقض به النسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفصم به عروة الأخوة فهو التبديل والابتداع والزيغ عن السنة والاتباع.
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالة.[30]
“وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ”[الحشر: 10]
خاتمة:
ليس القصد أبدا من التبشير أن يتواكل المؤمن ويترك العمل ويتعلق بالأمل طمعا في البشرى. هذا مناف للغاية التي خلق لها الإنسان. فهو خلق للعبادة والعمل وهذه الدار دار ابتلاء واجتهاد.
” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” [العنكبوت: 2-3]
ولكن رحمة من الله بالعباد إذ اطلع على ضعفهم فإنه جعل البشرى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم محفزة لهم للاستمرار في العمل تجنبا لليأس والقنوط.
وإنه لمن أوجب الواجبات إفشاء الأمل في الناس، ورفع الهمم، ونفخ روح الإيجابية بدل السلبية القاتلة التي ينفخها فيهم دعاة الباطل توهينا وتثبيطا.
وإنه لمن أوجب الواجبات كذلك الذود عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ تتعرض للتشويه والإنكار. فلئن كان السابقون من هذه الأمة يذودون عن السنة كيلا يخالطها ما ليس منها، فبينوا الصحيح والضعيف والموضوع. واهتموا بعلم الرجال جرحا وتعديلا. فإننا في أمام فتنة أخرى ألا وهي إنكارها جملة وتفصيلا. تولى كبر ذلك أناس ادعوا خدمة القرآن وهو منهم بريء. لذلك لا بد من بيان خطورة دعاوى الماكرين ولصالح من يعملون. ولا بد من خدمة السنة ببيان فضلها وأهميتها، وبتقديمها للناس ميسرة سهلة، وفق تصانيف يحتاجونها في حياتهم .
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. والحمد لله رب العالمين
الهوامش:
[1] – أخرجه مسلم (2288)
[1] – صحيح البخاري – كتاب الجهاد والسير 2897
[2] – أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده حسن.
[4] – مسند أحمد – أول مسند الكوفيين. -. 18406
[5] – سنن أبي داود: (4646, 4647) سنن الترمذي: (2226) مسند أحمد: (21923, 21928)
[6] – أخرجه الإمام أحمد (20308)
[7] – صحيح البخاري (7084) – صحيح مسلم (1847)
[8] – أخرجه الإمام أحمد (21258)
[9] – صحيح البخاري (1)
[10] – أخرجه الهيثمي، في مجمع الزوائد (7/291)
[11] – صحيح مسلم (2922)
[12] – تفسير البغوي — البغوي (516 هـ)
[13] – مسند أحمد – مسند الشاميين 16957
[14] – مسند أحمد (6645)
[15] – صحيح مسلم (2889)
[16] – سنن أبي داود (4278)
[17] – أخرجه الترمذي (2167)
[18] – مسند علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه. 773
[19] – صحيح البخاري -. صحيح البخاري (2222)
[20] – أخرجه الطبراني – الألباني – السلسلة الصحيحة (3270)
[21] – ابن عراق الكناني، تنزيه الشريعة (2/48)
[22] – الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير (7/150)
[23] – الهيثمي، مجمع الزوائد (10/65)
[24] – سنن أبي داود (4291)
[25] – أبو نعيم في معرفة الصحابة (732)
[26] صحيح البخاري (6528) –
[27] – صحيح مسلم: (220)
[28] – أخرجه البزار (7294) واللفظ له، والبيهقي في دلائل النبوة (6/ 538)
[29] – صحيح مسلم (249)
[30] أخرجه ابن ماجه (42)، والدارمي (96)، والبزار (4201) –