﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء العشرون – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء العشرون – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه
ويتواصل الحديث عن شعيرة الحج ودروسها.. التي تأخذك في رحلة في بعد من أبعاد الزمان .. لتعيش قصة كل منسك من المناسك.. وحكاية كل حدث.. والعنوان “الحج رحلة في التاريخ … وشرف الانتساب”
تأخذك هذه الرحلة إلى الماضي حيث تنتسب .. وتلتقي بمن سمى المسلمين مسلمين.. رحلة ستلهمك أهم الأفكار، وأقوم المفاهيم لاستعادة الحضارة الضائعة والمجد المفقود ..
تأخذك مناسك الحج في زيارة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، صاحب العقل السؤول الناقد، لتراه يقاوم السائد الاجتماعي، ويخرج عما درج عليه الناس من التقاليد والعادات لأن عقله يرفضها، لتراه يسير في الأرض باحثاً عن شيء ما، عن مجتمع ما، عن فردوس مفقود ما .. يريد الحقيقة ليستعيدها..
في كتاب “الفردوس المستعار والفردوس المستعاد” يخبرك الكاتب أن هناك ستتذكر كيف أن نبي الله إبراهيم عليه السلام “تجول بين تلك المدنيات، وكيف أن ظلمها وطغيانها وفسادها دفعه بعيداً عنها، متيقناً أن الفردوس المستعاد لن يكون هناك.. وستذكرك تلك المدنيات بمدنيات اليوم، بظلمها وطغيانها وفسادها، ستشعر أن الأمر لم يتغير كثيراً رغم مرور آلاف السنين على رحلة إبراهيم، كل الذي تغير هو القشور والمظاهر والأدوات لكن جوهر الظلم والطغيان الذي رآه إبراهيم ظل نفسه”[1].
الحقيقة أنك عندما تنظر إلى هذه الشعيرة كرحلة تاريخية، وعينك على واقعك الحضاري وهمك الذي لا ينقطع كيف النهوض من جديد وكيف السبيل إلى الخروج، ستجد أفكاراً، وستتبين معالم للطريق؛ إذ “سيبدو لك طريق الحج إلى مكة مختلفاً؛ إذ أنه سيكون الجزءَ الأهمَّ من رحلة استعادة الفردوس .. سيكون ذلك عندما وعى إبراهيم حقيقة أن الفردوس المستعاد لن يكون في تلك المدنيات التي تبدو زاهرة على الرغم من خوائها الداخلي، بل سيكون في تأسيس مجتمع من نوع آخر، في بذر أساسات جديدة لحضارة مختلفة، في مكان سيبدو للوهلة الأولى أنه غير مهيأ لاحتواء تلك البذرة ونموها..
مكان أجرد غير ذي زرع، لن يصلح حتى ليكون تجمعاً لسكان، فكيف يصلح أن يكون بذرة لحضارة جديدة ؟ نعم، هذا ما سيبدو للوهلة الأولى، وفق مقاييس كل المدنيات الأخرى وقيمها.. لكنه لن يكون المقياس نفسه هذه المرة مع الحضارة الجديدة، ومع الفردوس المستعاد، بل سيكون هناك ميزان جديد لكل الأمور.. وها أنت تحاول أن تستعيد هذا الميزان، من أجل أن تستعيد ذلك الفردوس.. وها أنت عبر الحج تقتفي خطوات إبراهيم، عندما وضع قدميه على الطريق الصحيح، عندما عدل عن البحث في المدنيات الأخرى، بعدما خبرها وعرف ثوابتها، وانطلق نحو تأسيس حضارة جديدة بثوابت مختلفة.. ها أنت تضع قدميك على الطريق نفسه، تلتفت برأسك يميناً ويساراً بين مدنيات اليوم، ثم تتوجه نحو ذلك الطريق الذي سار فيه إبراهيم ليضع فيه حجر أساس مختلفاً ومميزاً لحضارة أخرى.. هي الفردوس المستعاد .. وها أنت تضع قدميك على نفس الطريق. ويربطك ذلك على الفور بتاريخ سحيق العمق … ذلك الركن الخامس، يربطك بتاريخ عميق سحيق، يجعله شعيرة.. يقول لك: إنك لم تولد البارحة- وأن قيمك ومثلك لم تولد البارحة، وأن خلفك تاريخ طويل عريض.. وأنك لا يمكن لك أن تتخلى عنه، إلا إذا قررت أن تتخلى عن دينك، عن أركانه، واستبدلته بمجموعة قيم أخرى، تفتقد التاريخ، وتفتقد الحس التاريخي، بل وأكثر من ذلك، تعتبر أن التاريخ هو عبء ثقيل لا جدوى منه، وأن المهم هو “الآن .. وهنا”… لقد كان الأمر تاريخاً منذ يومها…كان تواصلاً بين التاريخ والحاضر… وسيظل الأمر كذلك، ستظل تلك الفريضة تمثل ذلك التواصل التاريخي الذي يمتد إلى آلاف السنين إلى حيث أول مجتمع قام على التوحيد“[2] .
وها هو الكاتب يأخذك لتخوض معه مناسك تلك الفريضة، وجوها الخاص، ليريك بعض المعاني الحضارية، والقيم التغييرية الدقيقة، ومعالم طريق استعادة الفردوس المفقود، يقول:”منذ أن تدخل في نية “الإحرام” ستعرف أن الأمر جد، وأنك ستترك كل شيء وراءك، وستقول لك تلك التفاصيل الصغيرة المتعلقة بقص الأظافر والشعر وعدم التطيب: إنك هنا تدخل مرحلة تتبدل فيها أولوياتك، وإن تلك الأمور المتعلقة بجسدك ستكون هنا محض توافه لا قيمة لها، وإنك ستنقطع عنها لأنك ستدخل مرحلة جديدة، مرحلة عليك أن ترتفع فيها عن أظافرك وشعرك وجسدك، إلى ما هو أعمق من ذلك.. ربما إلى داخل رأسك، أو في أعماق روحك.. المهم أنك ستترك الأجزاء الظاهرة، أظافر وشعراً وجلداً لن تطيبه، لتدخل إلى ما هو أعمق..
وعندما تقوم بجمع الماء في منسك “التروية”، فإن ذلك سيذكرك بصعوبة الأمر يوم كان، سيذكرك بذلك الجهد الذي بذل، والمشاق التي اجتيزت. سيذكرك جمع الماء، في تلك الصحراء الجرداء، كيف أن الأمر هو بالأساس عن أساسيات الحياة، عن ثوابتها عن أولوياتها، سيأخذك ذلك من أوهامك التي بثتها حولك حياتك وتفاصيلها، وسيرجع بك إلى ما هو أساسي ومهم، ولا يمكن لحضارة أن تقوم من دونه… وستشعر كيف أن الأمر كان صعباً آنذاك، مادام هو صعب الآن..
وعندما “تجمع الحصى”، سيذكرك ذلك بأنك دوماً يجب أن تكون على أهبة الاستعداد للدفاع عن قيمك ومعتقداتك، وأنه حتى لو لم يكن هناك خطر (داهم).. فإن هناك دوماً خطر (كامن).. سيذكرك جمعك للحصى بأن درب استعادة الفردوس لن يكون بلا محاولات ممن أزلك وأخرجك من الفردوس في المقام الأول، لكي يزلك عن درب استعادته. سيذكرك جمعك للحصى، بأن الخير والشر، سيظلان يتصارعان في هذه الحياة، وأن كلاً منهما سيرى مداً، وسيمر بجزر، والمهم أن تعرف أنت مع من تقف.. ومع من سيكون مدك وجزرك..
وسيذكرك رميك للجمرات، والطريقة التي تؤدي فيها ذلك، وتحريك إصابة الهدف، بأنك يجب أن تحدد عدوك وتعرفه وتميزه. سيذكرك ذلك بأنك جزء من الصراع، شئت أم أبيت، وأنك مهما حاولت أن تسير قرب الحائط“كافياً خيرك وشرك”، فإن الأمر سيظل يشملك، شئت أم أبيت، وسيظل عليك أن تحدد عدوك ومكانه وماذا يريد منك، سيظل عليك أن تكون مستعداً …
وستذكرك “الحصى الصغيرة” التي تقضي المناسك بأن تجمعها، أن الأمر ليس بالحجم وبالضخامة، التي قد تؤذي الآخرين من أصحابك، وإنما هو التوازن والانتقاء الذي يحميك ويحميهم، ويؤدي في الوقت نفسه دوره ضد الشر ورموزه. ستذكرك تلك الحصى الصغيرة، بحقيقة أن دورك بوصفك فرداً لن يكون مؤثراً في الصراع إذا عزل عن دور الآخرين، الذين سيكون دورهم أيضاً غير مؤثر إذا عوملوا أفراداً معزولين، لكن الحصى الصغيرة، إذا اجتمعت، إذا توحد هدفها، إذا اتجهت بالرمي نحو هدف واحد، تصير ذات أثر بالغ جدًا. ستذكرك الحصى الصغيرة أنها لن تكون مؤلمة ولو قليلاً، إلا إذا قيس أثرها عندما تجمع أثرها التراكمي الذي يعكس ذوبان الفرد في الجماعة، والـ(أنا) في (نحن)..
وسيذكرك تعدد مواقع رمي الحجرات، أن عدوك لن يكون له عنوان واضح أو ثابت، وأنه يغير وجوهه دوماً، وأنه يغير شعاراته وراياته، وأنه قد يتستر أحياناً خلف شعارات جذابة، لكن ذلك لن يغير من حقيقة جوهره. وستذكرك الحصى الصغيرة، وأنت ترمي بها نحو رمز الشر، أن المواجهة بينك وبين الشر لا تشترط –بل إنه على الأغلب لا تستلزم- مواجهة عسكرية، بل إنها قد تكون مواجهة قيم، مواجهة خيارات، مواجهة وجود مجتمع بديل وخيارات بديلة..
وسيذكرك استلامك الحجر الأسود بحقيقة أنه مجرد حجر لا ينفع ولا يضر، ولكنه“الحجر الأساس” الذي وضعه إبراهيم ليكون اللبنة الأولى لذلك المجتمع المختلف، اللبنة الأولى لتلك الحضارة التي ستقوم لأول مرة على التوحيد… سيذكرك الحجر الأسود- وعلى الأخص بكونه ظل حجراً أسود متمايزاً عن بقية بناء الكعبة- أنه سيظل حجراً أساسا لبناء سيظل يتطاول، لبناء سيظل مستمراً، وسيكون استلامك له، كجزء من المناسك، بمنزلة تحملك لمسئولية هذا البناء، على أساس هذا الحجر..
وستذكرك “أشواط الطواف” حول الكعبة، بأن الأمر كله، في درب الاستعادة والبناء، يتمحور حول هذا الحجر الأساس الذي وضعه إبراهيم، وأن كل القيم، وكل الثوابت، ستكون منبعثة من ذلك الحجر الأساس: التوحيد.. بأوسع معانيه.. سيذكرك الطواف أن الأمر ليس بالقرب أو بالبعد، بمقدار ما هو بالدوران حول المحور، حول البؤرة، حول المنطلق الواحد، حول حزمة ثوابت لن تتغير.. ستطوف وتطوف، وسيكون الرقم (سبعة) هنا ترميزاً للتكرار والاستمرار، سيكون طوافك هذا بمنزلة رحلة حياتك المفترضة كلها، وفي كل مرة، تقترب فيها من الحجر الأسود، ستستلمه مجدداً، كما لو كنت تبايع تلك القيم، وتجدد تلك البيعة، مرة تلو مرة تلو مرة..
وسيذكرك “السعي بين الصفا والمروة”، بلحظات الشدة التي مرت به التجربة الإبراهيمية، وستذكر جزع هاجر، وخوفها على وليدها من الموت عطشاً، وستعلم هنا أن الأمر ليس مجرد طفل رضيع تخاف أمه عليه، بل إنه تجربة حضارية، وقيم كاملة، علينا أن نخاف عليها، ونحميها، ونسعى من أجلها كما تخاف وتحافظ وتسعى أم حنون على طفلها الباكي..
وسيذكرك “النحر”، وتوزيع الأضاحي على الفقراء، بحقيقتين أساسيتين، أولاهما أنك أنت السيد في هذا العالم، وأن هذا العالم بثرواته وموارده ومخلوقاته، قد خلق من أجلك.. وثانيهما، أن تصرفك أنت، في هذه الموارد والثروات، يجب أن يظل محكوماً بتوازنات العدالة الاجتماعية ومتطلباتها..
وسيذكرك “التحلل من الهدي”، وعودتك لتفاصيل جسدية صغيرة، أنك بعد كل شيء إنسان، وإنك لم ولن تدع رهبنة وتبتلاً لم تصمم أساساً من أجلها- كل ما في الأمر أن أولوياتك مختلفة، وأن جسدك موجود على قائمة اهتماماتك، لكنه ليس أولها“[3]..
وهكذا تكتشف أن الحج بمناسكه وأحداثه أمر مختلف عما اعتدت من المعاني والمشاعر، إنه ليس بالأمر الشكلي البسيط، بل هي رحلة في الماضي .. فربما هكذا ينبغي أداؤها سواء حضوريا أو عن بعد..
إنه ذكريات من عمق التاريخ والماضي السحيق جسدتها شعيرة الحج، لتخبرك أنك لست بدعاً من الحضارات ومن الأمم، بل صاحب تجربة حضارية تاريخية، تجربة تلهمك في حاضرك الذي تعيشه الآن..
ستكتشف أن الحج يعيد لك التاريخ؛ إذ ينتقي لك منه الأهم والأصل.. والقيم والركائز لتتغير لتغير ..
إنه الدرس التاريخي من دروس شعيرة الحج .. يعزز شرف الانتساب والاعتزاز بالأصل، ويمَتِّن الأساس، ويقوي قيم الاستقامة.. ويجدد حوافز البناء والتغيير..
[1]– الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، خيري العمري، ص ٥٣٠.
[2]– نفسه، ص٥٣١-٥٣٢.
[3]– نفسه، ص ٥٣٣-٥٣٦.