بلبل الفردوس؟
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
إنه قارئ مصري ذائع الصيت، أول قارئ للقرآن الكريم في الإذاعة المصرية، أبصر النور في أواخر القرن التاسع عشر بالضبط في ماي من سنة 1882 بحي *المغربلين* بمنطقة الدرب الأحمر في مدينة القاهرة، فقد بصره وهو لا يزال في الثانية من عمره، كما عانى من اليتم، حيث توفي والده وهو ما يزال في التاسعة من عمره، فوجد نفسه مضطرا لتحمل مسؤولية عائلته، بدأ حفظ القرآن الكريم على يد والده قبل أن يرسله في سن الخامسة إلى الكُتّاب حيث تولى الشيخ محمد حميدة تعليمه، فأخذ يحفظ القرآن الكريم وفي سن التاسعة أتم حفظه، وبدأ بتعلم التجويد مع الشيخ محمد البغدادي والشيخ السمالوطي، ثم تتلمذ على الشيخ عبد الفتاح هنيدي صاحب أعلى سند في وقته، ودرس القراءات السبع على يديه ونال إجازته، كما كانت له عناية واهتمام بدراسة التفسير، وإقبال على حفظ القصائد والموشحات وكذلك تعلَّم قرع الطبل والعزف على بعض الآلات الموسيقية، وأبدى موهبة فذّة في أداء المقامات الموسيقية رغم عدم التحاقه بأي معهد موسيقي، وقد صقل موهبته وارتقى بها، فأقبل على الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية بنهم، ودرس موسيقى بيتهوفن وموزارت وباخ وغيرهم من المشاهير، عُرف بصوته البديع وإحساسه المرهف، ومشاعره الفياضة، وشدة تأثره بالمواقف الإنسانية.
واشتُهر بلقب “قيثارة السماء” واقترن صوته بالأذان والقرآن في شهر رمضان الكريم، فعُرف بـ“مؤذن رمضان”، كان صوفي النزعة نقشبندي الطريقة، وكان عفيف النفس زاهدا، واشتُهر بكونه صاحب مبدأ ونفس كريمة، ولم يكن طامعا في المال، وكان يقول: *إن سادن القرآن لا يمكن أبدا أن يُهان ولا يُدان*، لذلك عرف بتطوعه للقراءة في مآتم الفقراء وأهل الحي، كما عرف عنه الرحمة ومجالسة الفقراء والبسطاء، والإنفاق بسخاء على فعل الخير وأعمال البرّ والتقوى.
كان *بلبل الفردوس* على علاقة وثيقة بأعلام الموسيقى في عصره كسلامة حجازي وكامل الخلعي وعبده الحامولي وسيد درويش، فأخذ عنهم القواعد الموسيقية وأصول الترتيل وعلم الأصوات، ثم ارتبط بالجيل الثاني بعدهم، مثل السنباطي وأبو العلا محمد وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
بدأ بتلاوة القرآن الكريم على مسامع الناس منذ حداثة سنه، فقد وجد شيخه فيه تميزا، وبدأ يرشحه لإحياء الليالي في الأماكن المجاورة القريبة، وأخذ يجلس لترتيل القرآن الكريم كل خميس في المسجد، وفي سن الـخامسة عشر عين قارئا للسورة يوم الجمعة، فاشتُهر وذاع صيته، وأقبل إليه الناس متلهفين لسماع صوته الخاشع الشجي؛ حتى اكتظت بهم ساحة المسجد والطرقات المحيطة.
وقد حباه الله بصوت جميل ذي بصمة لا تتكرر، وأسلوب فريد ومميز، وكان يتلو القرآن بتدبر وخشوع؛ يجعل سامعه يعيش معاني القرآن الكريم ومواقفه بكل جوارحه لا بأذنه فقط، فكان يوصل رسالة القرآن لسامعها.
وقد حاز *قيتارة السماء* طاقات صوتية هائلة، مكنته من الانتقال بسلاسة شديدة بين المقامات، كما وظف درايته بالموسيقى والمقامات لخدمة آيات القرآن، وإخراجها في أداء راق مؤثّر يسلب الألباب، ويشعر المستمع أنه يحلق في سماوات روحية، وأجواء قدسية.
وكان صوته قويا يستطيع إسماع أكثر من 3 آلاف شخص في الأماكن المفتوحة، وكذلك امتلك إحساسا مرهفا أثناء تلاوته، فكان تأثيره في الناس مذهلا.
واتسعت دائرة صداقاته وعلاقاته، وشملت الملوك والأمراء والرؤساء، ودعي رسميا إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، لإحياء مئات الحفلات والمناسبات الدينية، وحظي بنصيب وافر من الأموال والهدايا.
ولم تقتصر موهبته على تلاوة القرآن، بل كذلك اقترن صوته بالأذان في شهر رمضان الكريم، فعُرف بـ“مؤذن رمضان”، كما دخل باب الإنشاد، وسجل بعض الأغاني المأخوذة من الشعر القديم في الإذاعة الأهلية، فغنى *أراك عصي الدمع، وحقك أنت المنى والطلب* ولكنه اشترط عدم ذكر اسمه.
وكان بيته -الذي أسسه مع زوجه زينب والتي أنجب منها خمسة أبناء- يمثل منتدى ثقافيا وأدبيا وفنيا، يجتمع فيه أعلام الفن والموسيقى، ويغني لهم عيون الشعر العربي بصوته الشجي، وكان يقرأ بصوت خاشع ندي على الهواء في الإذاعة الاثنين والجمعة من كل أسبوع، لمدة 45 دقيقة في كل مرة، وكان الشعب المصري يلتف حول الراديو في المقاهي والمنازل والنوادي لسماع القرآن الكريم بصوته؛ حتى سُمي *مقرئ الشعب*.
وكان صوته الخاشع العذب بالغ الأثر في النفوس، حتى وصل الأمر إلى تنافس كبرى الإذاعات العالمية مثل إذاعة لندن وباريس وبرلين، على تسجيل تلاوته، لجذب المستمعين خلال افتتاحية برامجها باللغة العربية.
واشتد به المرض عام 1948، حتى هاجمه مرة أثناء قراءته بالإذاعة؛ فتوقف عن الذهاب إلى الإذاعة مكتفيا بما قدم سابقا.
وقد تواترت الشهادات في حقه فوصفه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب بـ*الصوت الملائكي* كما سماه الشيخ أبو العينين شعيشع *الصوت الباكي* إذ كان يقرأ القرآن بخشوع شديد، ودموعه تنهمر على وجنتيه، كما سمي *المعجزة* نظرا لعذوبة صوته.
وأُطلقت عليه ألقاب كثيرة أخرى، منها *الصوت الذهبي* و*مؤذن رمضان* و *بلبل الفردوس* وقد خلف 278 قرصا مضغوطا تحتوي على 19 سورة لمدة 21 ساعة، بالإضافة إلى نسختين من الأذان، إحداهما على مقام الراست، بينما الأخرى على مقام السيكاه.
ومعظم ما سُجل له كان بجهود فردية، وبشروط تقنية متواضعة على أقراص مضغوطة ذات نوعية رديئة، مما يظهر معه الصوت بجودة متدنية.
ولم يُسجَّل له في الإذاعة المصرية غير 3 تلاوات لسور الكهف ومريم ويونس، أما باقي تسجيلاته، فكانت من تسجيل وجمع أصدقائه ومحبيه.
في عام 1943م أصيب بمرض “الزغطة” أو “الفواق” وحار فيه الأطباء ولم يجدوا له علاجا، وفي البداية كانت تلازمه “الزغطة” لساعات، ولمّا اشتد مرضه كانت تهاجمه أغلب ساعات يومه بدون انقطاع، ما جعله غير قادر على التلاوة أو حتى الكلام.
وقد كان سبب الزغطة ورمٌ في حنجرته يُعتقد أنه سرطان الحنجرة، ثم توالت عليه الأمراض فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوي حاد، وبعد 7 سنوات من معاناته مع المرض فارق الحياة في التاسع من ماي 1950، عن عمر ناهز 68 عاما، ودفن بجوار مسجد السيدة نفيسة.
إنه المعجزة الشيخ القارئ محمد رفعت رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورزقنا الله محبة وصحبة أهله وخاصته.