القلوب المنكسرة
بقلم: د. خالد العسري
– استمر اتصالي مع الكثير من أفراد العائلة والأصدقاء لتتبع أوضاعهم في القصر الكبير، والذي يستعد – في أسوأ التقديرات- إلى كارثة حقيقية لا قدر الله.
– اتصلت بصديق كان قد انتقل مع أسرته من حيه الذي غمرته المياه إلى حي آخر بالمدينة في بيت ضم سبعة أسر. وعرضت عليه أن ينتقل عندي لكنه أخبرني هذه المرة أنه اتجه مع أسرته إلى الغرب.
– في صوته مرارة امتزجت مع دموع زوجه، وقد اخبرني أنها لم تكن قد شعرت بجسامة الكارثة عند “نزوحها” الأول من بيتها إلى بيت آخر وسط المدينة، لكن هذه المرة فإن النزوج له وقع حقيقي، وأنهم تركوا كل تاريخهم وذكرياتهم في البيت وعند كل شارع من المدينة، ولم يحملوا إلى وثائقهم، وبعضا مما ظنوا أنه لا يمكن تحمل فقدانه.
– حاول أن ينقل لي بعض أحاسيس أسرته عن النزوح الذي نسمع عنه فقط، فأن تعيش التجربة – لا قدر الله- شيء مغاير تماما.
– تحولت المدينة وجوارها إلى مدينة أشباح، فالجميع هُجر منها أو هجرها، لا سيما بعد استمرار قطع الكهرباء، والمياه، ووصول أثمنة الشموع إلى ما لا يصدقه عقل… ناهيك عن شائعات سمعتها كل أذن أن كل ما حدث لا يعد شيئا أما هول ما سيأتي، يضاف إلى كل ذلك حصار المدينة ومنع الدخول إليها من مختلف الجهات.
– يبدو لي أن بعضهم لا يدرك بعدُ حجم الكارثة التي يعيشها أبناء المدينة ومحيطها، فينصرفون إلى التلهي بمضغ “مواقف سياسوية” في وقتٍ لا يشغل أهل القصر الكبير اليوم سوى تدبير أزمة خانقة قلبت حياتهم رأسا على عقب. وحين يندلع حريق، لا يكون من الحكمة الانشغال بالبحث عن الفاعل أو تتبع أسبابه، بقدر ما يكون الواجب هو المسارعة إلى إخماده. لذلك، فإن الخوض في مسألة تقصير هذه الجهة أو تلك ينبغي أن يُؤجَّل أمام ما يلوح من تهديدات جسيمة تُحدق بالمدينة وسكانها.
– ومن خلال تتبعي لماجريات الأحداث، فإن السكان في أغلبيتهم الغالبية متعاونون مع السلطة في تدبير الأزمة، وما ينتظر من هذه الأخيرة هو توفير الملاجئ لاحتضان آلاف الساكنة التي غادرت المدينة ولا بدائل لديها.
– ينتظر من السلطة مثلا في طنجة أن تفتح أمام هذه الجموع من أهالينا المنكسرة قلوبهم مراكز الاصطياف التابعة للمؤسسات العمومية، والقاعات المغطاة… ويكفيها تحقيق مراكز الإيواء لأن يقيننا بلا حدود أن المستلزمات المعيشية ستتقاطر على تلك المراكز من كل حدب وصوب من شعب خبرته التجارب كل مرة فوجدته: معطاءً في الشدة، موحَّدا عند الخطوب، صادقا مع آلام أبناء وطنه.
– حين يُنتزع الإنسان من بيته ومدينته ويقتلع من محيط أهله وأصحابه ومصدر رزقه وذكرياته، فإنه لا يبقى لديه إلا كرامته، وهي ما لا يجب أن تُخذَل في هذه المحنة التي نسأل فيها اللطيف لطفه الكريم.