كتاب: “الاستشهاد بالقراءات القرآنية عند النحويين” للدكتور عبد العلي المسئول
الدكتور أحمد بوعود
كتاب: “الاستشهاد بالقراءات القرآنية عند النحويين”[1]
للدكتور عبد العلي المسئول
عرض الدكتور أحمد بوعود
إن اهتمام الدكتور عبد العلي المسئول موضوع الشاهد القرائي عند النحوييين هو هَمٌّ اعتراه منذ سنوات خلت، بعد ما جس خلال كتب نحاة ولغويين، ولم يتبين له وقتئذ من كلامهم القول الفصل في كيفية تعاملهم مع هذه الشواهد، فترك الخوض في هذا الموضوع وراءه ظِهريا.
ولما كان يوم مناقشةرسالته الأولى التي هيأها بإشراف أستاذه الدكتور الجليل سيدي محمد مفتاح رحمه الله في موضوع: “القراءات الشاذة: ضوابطها والاحتجاج بها في الفقه والعربية“، أثار أحد الأساتذة الفضلاء من لجنة المناقشة قضية الاستشهاد بالقراءات، ولامه على عدم تخصيصه حيزا كبيرا لها في البحث المناقش، فوقر ذلك في قلبه، فاستخار واستشار، وعزم على تصديق ما وقر في القلب بالعمل، فكان هذا الموضوع.
بعد مقدمة تحدث فيها عن موضوع البحث وأهميته، وأفصح فيها عن الدوافع التي جعلته يختار البحث في هذا الموضوع، وألمع إلى العقبات التي اعترضته فيه، بدأ الدكتور عبد العلي المسئول بمدخل عام حول صلة القراءات بالعربية، بين فيه أن نشأة النحو العربي كانت في أحضان القرآن وقراءاته، وكيف أدى اللحن في القراءات إلى وضع ضوابط كي يماز صحيح القراءات من غيرها، ثم أشار إلى صلة المقرئ بعلم النحو، وبين أنه محتاج إليه لأسباب عدة أفصح عنها، وتكلم على صلة النحوي بعلم القراءات، حيث أوضح أنه لا سبيل إلى النحوي من معرفته القراءات، وضرب أمثلة من النحويين المقرئين الذين بنوا صرح العربية وعلم القراءات.
في الباب الأول الذي جعله بعنوان: طرق استثمار النحاة لشواهد القراءات القرآنية، أوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ينكر على أحد قراءة سمعت منه عليه السلام، وأن بعض الصحابة إنما أنكروا ما أنكروه من قراءات، احتياطا لدينهم واتقاء للغلط في القرآن.
وبين فيه أن المقرئ العالم بالعربية والقراءات، لا يستوي هو ومن ليس داريا للعربية، وأوضح أن القراءة سنة متبعة، وتحدث عن مقاييس النحويين، وعن القياس عند المقرئين، وأنهم كانت لهم قياسات وموازين يستعصمون بها، وبين القياس المقبول والمرفوض لديهم، خلافا لاتهامهم من قبل نحاة بضعفهم من جهة الدراية. كما كشف اللثام عن كيفية تعامل المقرئين والنحويين مع القياس والسماع حين تعارضهما، ثم تحدث فيه عن ناس جعلوا ما كان في الضرائر من ظواهر، ونفسه في القراءات هو من قبيل الشاذ. وأوضح أيضا اعتماد النحويين عللا مختلفا فيها، وذلك للوصول إلى تلحين قراءات.
في هذا الباب أيضا تحدث عما نعت به المقرئون من قبل نحويين، من كونهم غير ضابطين لما يروون، وبين أنهم كانوا من الضبط بمكان، وإن كان هذا لا ينزههم عن الوقوع في الغلط والوهم، وتحدث بعدُ عن تجريح أئمة القراءة من قِبل نحويين، خصوصا القراء العشرة ماعدا خلفا.
تحدث الدكتور عبد العلي المسئول أيضا عن التوجيه ومرادفاته مثل: التخريج والتعليل والإيضاح والتأويل…، مفصحا عن الدوافع التي جعلت نحويين يوجهون قراءات، متكلما عن أدوات توجيه القراءات…
وهنا عرف الاختيار، وتحدث عن الترجيح في القراءات، وعن مقاييس الاختيار في القراءات الراجعة أساسا إلى اتباع الرسم وموافقة القراءة للعربية واجتماع القراء عليها. وتحدث بعد عن نماذج من أصحاب الاختيار في القراءات من النحويين المقرئين، حيث تكلم عن اختيارات أبي عبيد القاسم بن سلام، و اختيارات أبي حاتم السجستاني النحوي، واختيارات مكي بن أبي طلب القيسي، دون أن يغفل الحديث عن قراءات احتج بها البصريون على الكوفيين، والكوفيون على البصريين في مسائل نحوية وتصريفية وصوتية معينة.
في الباب الثاني الذي جعله بعنوان المدارس النحوية والشاهد القرائي، وهو باب تطبيقي لما سبق ذكره، استحسن الدكتور المسئول النظر في كيفية تعامل النحويين مع شواهد القراءات من خلال المدارس النحوية، لا لاعتقاده أن لكل مدرسة منهجا موحدا لنحوييها في طرق تعاملهم مع القراءات، ولكن اختار هذا النظر للسيطرة على الموضوع فقط، حيث اختار المعيار المكاني على غيره من المعايير، ومع هذا فإنه يسجل أن نحاة المدرسة الواحدة لهم نظرات مشتركة تجاه قراءات، ولهم نظرات أخرى يخالف بعضهم فيها بعضا.
هذا، وقد انتقى الدكتور عبد العلي المسئول من بين نحاة المدارس النحوية من عرف بالقراءة والإقراء، أو التأليف في القراءات، أو أن كتبه في العربية كثرت شواهدها من القراءات. ُثم إني فضلا عن هذا اخترت جهابذتهم المشتهرين لا المغمورين، وقد يكون ممن لم أذكرهم من هم مشتهرون عند أهل هذه الصناعة، لكن كتبهم لم تصلنا، أو هي موجودة غير أن شواهدها القرائية قليلة.
وقد اعتمد الكاتب في دراسته هاته المدارس النحوية الخمسة المشتهرة: البصرية والكوفية والبغدادية والأندلسية والمصرية، مفردا كل واحدة منها بفصل، ضمنه نخبة من النحويين، دارسا صلة كل واحد بالقراءات وموقفه منها وطرق تعامله معها.
وختم كتابه هذا بأهم النتائج التي توصل إليها البحث، منها:
-إن النحو العربي نما وترعرع في حضن القرآن وقراءاته، وكان هو منطلقه ومعاده.
-إن المقرئ العالم بالعربية والقراءات لا يستوي هو ومن ليس داريا للعربية.
-إن النحويين الذين سما نجمهم في الآفاق، وبلغوا ذرى الإحسان، هم المتمكنون من القراءات الآخذون بتلابيبها وعنانها.
-إنه لا يصح الاعتماد على علل مختلف فيها بين النحويين لرد قراءات مسموعة منقولة.
-إن اشتباه أصوات القرآن على السامع كاشتباه الاختلاس بالإسكان، والإدغام بالإخفاء هو أكبر أسباب تخطئة النحويين للمقرئين.
-إن خلفا من النحويين قلدوا سلفهم في تخطئة قراءات دون النظر فيها، وتبين أمرها من جهة الصواب أو الخطإ.
-إن نحويين وسموا قراء بعدم الضبط للمرويات، وهذا حكم وإن كان له في الخارج ما يعضده، لكنه ليس مطردا ولا غالبا، إنما هو من قبيل النادر القليل، والمقرئ قد يهم ويخطئ في نقل الرواية.
-لقد استعمل موجهو القراءات الأدلة السماعية والأقيسة والقواعد العامة للغة، كي يوجهوا القراءات التي غمض وجهها عن ظاهر الصنعة.
-إن القراءتين الصحيحتين الواردتين في المعنى الواحد، يعمل بهما جميعا؛ لأنهما دليلان، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
-لا عيب في ترجيح قراءة على أخرى إذا لم يؤد هذا الترجيح إلى إسقاط إحداهما.
-إن القراءة المختارة يراعى في مجملها أمور ثلاثة: قوة وجهها في العربية، وموافقتها للمرسوم، وإجماع العامة عليها.
-القراءات القرآنية بالنظر إلى مجموعها هي أصح من غيرها من الشواهد الأخرى النثرية والشعرية، إذ منها السامي في الفصاحة إلى أعالي الذرى، ومنها المساوي في الفصاحة لهذه الشواهد، ومنها المنحط عن درجة الفصاحة، فهي في مجموعها أفصح وأصح مما ورد من شواهد العربية.
يشكل الكتاب إضافة قيمة إلى المكتبة الإسلامية عموما، والمكتبة القرآنية خصوصا، وتحديدا القراءات والعربية، يجيب عن إشكالات حقيقية تعترض المتخصصين في كل من القراءات القرآنية والنحو. كتب الدكتور عبد العلي المسئول مباحثه بعمق ملحوظ وبلغة رفيعة تناسب مقام القرآن الكريم. أسأل الله أن ينفع به.
[1] – صدر الكتاب عن دار ابن القيم الرياض ودار ابن عفان القاهرة،عام 2021، في طبعته الأولى.