بين رومانسية الاحتجاج وواقعية السياسة
د. فؤاد هراجة
اعتدنا في كل المجالات أن نؤجل عملية النقد إلى مرحلة اكتمال أي مُنجَز أو بالأحرى بعد فشله وبروز عيوبه. لكن سيكون من السذاجة أن نتبع نفس المنهج في مجال السياسة الذي تداخلت فيه كل العلوم وأصبح التاريخ مادته الأساسية للتبصر والاعتبار، ومرجعا يقاس عليه كل مشروع بناء على التجارب المطردة. لقد عاش العالم خلال ثلاثة عقود ونيف تحولات عميقة جدا بدأت بانهيار الاتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الشرقي، ثم الحرب على أفغانستان والعراق وتقسيم السودان، مرورا باندلاع ثورات الربيع العربي والانقلاب عليها، فوصولا إلى صفقة القرن ومسلسل التطبيع الذي يروم بيع آخر ما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لقد أثبت التاريخ المعاصر أن الدول عامة والدول العربية والإسلامية خاصة ليست البتة كيانات مستقلة في قراراتها واختياراتها بل هي خاضعة لعصابة عالمية تتحكم في العالم، عصابة مقرها الرئيس في البيت الأبيض ومكاتبها الدولية تحتل القصور الرئاسية في كل ربوع العالم عدا الصين وروسيا وإيران وبعض دول أمريكا اللاتينية التي لا حول لها ولا قوة على الصمود أمام خيانات العسكر والانقلابات المتتالية.
وفي ذات السياق، أكدت معركة طوفان الأقصى وما واكبها من دمار شامل وإبادة جماعية وتطهير عرقي وصمت رسمي دولي ومباركة رسمية غربية أننا فعلا ودون أدنى ريب أمام عصابة عالمية تبيح كل شيء من أجل الحفاظ على تحكمها في ثروات العالم ومن ثم تحكمها في أسواق العالم. وبنفس المنطق والمنظومة التحكمية، تشتغل أنظمة الحكم في الدوله العربية والإسلامية التابعة والمسخرة من قِبَلِ إمبىاطورية الغرب الكبرى. سنكون واهمين إن كنا نظن أن معاركنا سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية هي معارك داخلية محظة، ولنتذكر جميعا كيف تم التخطيط للانقلاب على ثورات الربيع العربي أو سميها ما شئت، في البيت الأبيض وقصر الإيليزيه ومنتجات دبي…، وكيف تم تحجيم محور المقاومة وإضعافه. إننا أمام مافيا سياسية عالمية على شكل أخطبوط رأسها في أمريكا وأذرعها(الحكام والحكومات) التي تمتص بها ثروات العالم تمتد إلى معظم العالم.
وقبل أن أخوض في عملية النقد، وحتى لا أُفهَمُ بطريقة خاطئة، لابد من التأكيد على الأمور التالية:
◾أنني أساند وأدعم أي حركة احتجاجية سلمية تطالب بالعيش الكريم وتوفير وتجويد الخدمات الأساسية.
◾أنني أشجب وأندد بكل أشكال القمع المادي والرمزي التي تستهدف حرية الرأي والتعبير والحق في الاحتجاج.
◾أنني أؤمن إيمانا جازان أن التغيير يستحق المغامرة، وأن الذي يدور في دائرة الخوف وينتظر ارتفاع مؤشرات النجاح كي يخوض معركة التغيير حالم وينتظر السراب، فكل تجارب التغيير التي عرفتها الدول عبر التاريخ نجحت بالمغامرة وتخطي حاجز الخوف. وهنا أستحضر مقولة الفيلسوف فريديريك نيتشه الذي يقول: إن الخوف من التغيير هو نوع من الجمود العقلي الذي يمنع الإنسان من التطور والنمو. فعندما يخاف الإنسان من التغيير، يبقى عالقًا في مكانه، يرفض استكشاف الفرص الجديدة أو تحسين حياته، ويظل متشبثا بالوضع القائم حتى لو كان هذا الوضع يسبب له المعاناة أو عدم الرضا.”
في ظل هذا المشهد السياسي الكبير وعلى حيز صغير من خشبة مسرحه، تجري اليوم في المغرب احتجاجات شباب Gen z، التي ترفع شعارات اجتماعية من قبيل تحسين وضعية التعليم والصحة والشغل والحياة الكريمة، وتؤكد أنها تتبرم من أي مطالب سياسية، كما تتبرم من أي انتماء أيديولوجي. هنا بالضبط تتشابك رومانسية الاحتجاج مع دراما السياسة، ولعله مكمن ومرمى النقد في مقالنا هذا.
لا جرم أن التعليم والصحة والشغل، تعد من القطاعات الكبرى التي تعكس نمط اقتصاد أي دولة والاختيارات السياسية الذي تسير عليها. والتعليم والصحة والشعل إفراز طبيعي لقرارات سياسية محضة؛ ففي الدول الإشتراكية مثلا يتم تأميم كل هذه المرافق وجعلها في يد الدولة باعتبارها الضامن للحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، في حين أن الدول الليبرالية تفسح المجال للقطاع الخاص بالمنافسة وتخفيف كلفة هذه القطاعات عن حزينة الدولة، أما في الدول الهجينة مثل المغرب فقد يهيمن منطق السوق على كل هذه القطاعات حتى من داخل الدولة نفسها من خلال التنافس على صفقات المشاريع، ما أدى إلى زواج السلطة بالثروة والمال بالسياسة.
بالتالي، يستحيل إستحالة تامة، أن نفصل المطالب الاجتماعية عن المطالب السياسية، ما دام أن إصلاح أعطاب هذه المرافق الاجتماعية أو تغييرها يتطلب بالضمن إصلاح أو تغيير السياسات التي تسببت في أعطابها وحالة الفشل التي آلت إليه. إننا سنعدم العقل والمنطق إن اعتقدنا أن نفس الآلة السياسية التي أنشأت الفشل ستنشئ الإصلاح والتعبير. من ثم فإن المطالبة بإصلاحات وتغييرات اجتماعية هو في عمقه مطالبة بإصلاح وتغيير في المنظومة السياسية المعطوبة التي أنتجت ولازالت تنتج الأزمة تلو الأزمة.
لقد علمتنا تجربة 20 فبراير أن الوعود حتى وإن كانت مكتوبة في أسمى وثيقة وهي الدستور لا تكفي أن تحدث تغييرا أو إصلاحا؛ ألا ينص دستور 2011 على الحق في الصحة والتعليم والشغل والحق في التعبير والاحتجاج، ويمنع أي حق للسلطة في تعنيف أو المس بكرامة المواطن ما دام سلميا، فأين هي إذن هذه النصوص السامية على أرض الواقع؟ لا وجود لها، ولا يسمح لها بالوجود، لأنها تتعارض مع باقي فصول الدستور التي تكدس السلطة في يد شخص واحد يترأس كل المجالس العليا للدولة بدءا بالمجلس الحكومي وانتهاء بالقيادة العليا للجيش، مرورا بالمجلس الأعلى للقضاء والمجلس العلمي الأعلى. نفس الشخص يحتكر كل المشاريع الكبرى للدولة وكل الصناديق الاستثمارية السيادية، ويسند إليه حق تعيين الموظفين الكبار والسامين على رأس كبريات مؤسسات الدولة.
في ظل هذا الاستبداد السياسي، وهيمنة مؤسسة واحدة على كل المؤسسات وانعدام فصل السلط، كيف يمكننا تفعيل نص دستوري يتحدث عن “ربط المسؤولية بالمحاسبة” هنا مسؤول واحد في الدستور تناط له كل السلط وهو الذي يفوض من يمارس نيابة عنه هذه السلط، والمنطق المسؤولية المتعدية فالمسؤول عن فشل سياسات التعليم والصحة والشعل هو صاحب القرار الذي يحدد السياسات وتشير كل المرافق وفق تعليماته وخطاباته. في هذا المناخ الاستبدادي وباين السلطة العليا وتنفيذ التعليمات يمارس المفَوَّضون كل أشكال الفساد، ما داموا يقرون بالولاء ويخدمون المنظومة.
إن أي حركة احتجاجية في المغرب لا تستوعب هاتين المعادلتين المعقدتين والمتداخلتين، وأقصد معادلة العصابة الامبريالية العالمية مصاصة دماء الشعوب، ومعادلة الاستبداد المحلي وضجيعه الفساد السياسي والاقتصادي، لن تتمكن من فهم وضعها السياسي بَلْهَ من اختيارها الأدوات والآليات والمواقف المناسبة للإصلاح والتعبير.
نجزم أن نظام الحكم في المغرب له من التجربة والمراس التاريخيين ما يمكنه من استيعاب واحتواء أي صراع سياسي أو احتجاج اجتماعي ما دام أن هذا الصراع أو الاحتجاج لم يلتف حوله معظم الشعب ومعظم التنظيمات السياسية والحقوقية والاجتماعية والنقابية، بكل أشكالها وتلاوينها وتطلعاتها. والسؤال لماذا نجح نظام الحكم في المغرب من دمج قوى سياسية متناقضة تحت جناحه، وتمكن من خلالها توهيم الشعب أن ثمة إجماع على سياساته، في حين لم تنجح لحدود الساعة قوى المعارضة التي تطالب بالإصلاح والتعبير أن تتوحد، وما زال كل طرف منها يغني على ليلى إيديولوجيته والوطن يضيع؟
صحيح أننا نأمل خيرا في كل حراك اجتماعي، ونرجو له النجاح والتوفيق، لكن التاريخ المعاصر يذكرنا أن معارضات قوية مرت في المغرب وبزخم جماهيري كبير وبأسماء وازنة وفي ظل مناخ عالمي مساعد، ولم تحقق ما كانت ترجوه وتسعى إليه، لأن نضالها إما بقي في منتصف الطريق، أو أنه انحرف عن بوصلة الاستبداد أو أن أنه استسلم ودخل مطبخ الكعكة… . كل هذه التجارب وغيرها في الوطن العربي تعلمنا أن معركة التغيير لن تتم بضربة لازب، ولن تنجح باحتجاجات عفوية وان كانت قد تكون شرارتها، وإنما سيفتح هذا الإمكان عندما تتنازل كل الأطراف الراغبة في التغيير على أهدافها الايديولوجية الضيقة، وتقدم نفسها للشعب باعتبارها كتلة واحدة، وتتوجه لصاحب القرار بصوت واحد وبمشروع تغيير واحد، مفاده إنهاء الاستبداد ووقف نزيف الفساد، وتكوين حكومة كفاءات سياسية وطنية لتنقية المناخ السياسي وإعداد تربته لمرحلة ديمقراطية حقيقية تتبارى فيها المشاريع في ظل دستور شعبي يساوي بين الحاكم والمحكوم ويضمن الحرية والكرامة والعدالة وتداول السلطة للجميع.
في انتظار نضج المعارضة سنستأس بأي حراك ونثمنه ونعتبره إضافة نوعية في طريق التغيير، راجين أن تلهمنا مثل هذه التجارب الشبابية في الاحتجاح الشجاعة السياسية المطلوبة للتخلي عن المصالح الحزبية الضيقة والتحلي بالمسؤولية التاريخية تجاه شعب مغلوب ومقهور ووطن مغتصب، ينتظر طليعة ونخبة سياسية صادقة تقوده إلى بر الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. دون هذا التطلع سنظل في نظر النظام الحاكم مجرد شتات وقطيع يحتاج من يرعاه، ويحوله إلى رعايا أوفياء. فإما أن نكون أو لا نكون! أما حراك شباب Gen z فقد أطلق الشرارة وأكد أن الشباب مستعد للبذل والتضحية فداء الوطن، وأنه ليس كما يظن البعض قد تَطَوَّطَ، بل هو مستعد للانخراط في أي معركة تغييرية، والكرة الآن في ملعب مكونات المعارضة الحقيقية كيف وما السبيل ليس بركوب موجة الاحتجاج وإنما لجعله لحظة تدشين لمعركة تغيير حقيقية، والتاريخ قلما يجود بلحظات ثورية شبابية كهذه!