منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين الإسراء والمعراج وطوفان الأقصى||دروس وعبر

ذ. محمد العسلي

0

بين الإسراء والمعراج وطوفان الأقصى||دروس وعبر

بقلم: ذ. محمد العسلي

مقدمة

الإسراء والمعراج وطوفان الأقصى محطتان تاريخيتان كان لهما أثر بالغ في مسار الأمة ولا يزال. عاش الصحابة الكرام فصول وأحداث المحطة الأولى، وعاشت الأمة في زمننا الحاضر أشواط مرحلتها الجديدة. فأي رابط يجمعهما، وما المستفاد منهما؟

يشترك حدث الإسراء والمعراج وحدث طوفان الأقصى بداية في كونهما ذكرى، ومن يقف عند كلمة ذكرى يجد أنها تحمل معنى الموعظة والعبرة: ففي قول الله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (سورة ق، الآية 37) المراد بكلمة ذكرى: العبرة. وفي قوله تعالى ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ (سورة الأعلى، الآية 9)، الذكرى: أي الموعظة.

انطلاقا من هاتين الآيتين نتساءل: كيف يتحصّل النفع بالموعظة والعبرة في الحدثين معاً؟

الجواب متضمَّن في الآية الكريمة: ﴿لمن كان له قلب﴾. فالمعجزات مثل الإسراء والمعراج من الخوارق التي لا يستطيع أن يحيط بها العقل البشري الذي لا يومن إلا بالماديات مما تراه عينه وتلمسه يده، لا يستطيع أن يحيط بها عقل؛ إذ كيف يحيط بها عقلٌ والإسراء أو الذهاب إلى المسجد الأقصى كان يحتاج إلى أربعين يوما سيرا على الأقدام وقتئذ، وقد تمّ ليلا (في جزء من الليل)، وكيف يحيط بها عقل، والمعراج إلى السماء يحتاج إلى مئات السنوات الضوئية، والرسول صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء ثم عاد إلى الأرض، إلى بيته، فوجد فراشه لايزال دافئا. وقد حاوره المشركون في بيت المقدس وطلبوا منه علامات لأوصاف البيت في بنائه وهيأته فوصفه لهم بدقة، ولمّا طلبوا منه وصف القافلة ولون الجمل الأسمر(الأورق) أعطاهم الوصف بدقة، فتأكدوا من صدق الخبر.

 وطوفان الأقصى بدوره عرف كرامات لا يحيط بها عقل، فشوهدت أحداث تكاد تكون ضربا من الخيال والأساطير؛ إذ كيف تُفجر دبابة مجهز ة بأحدث الوسائل والأجهزة من نقطة الصفر بقنبلة يدوية، ومِجهر الدبابة يتحسس صوتا أقل من ذبيب النملة ولمسافات بعيدة. كل ذلك لا يكاد يصدقه عقل، لو لم تسجله الكاميرات ووسائل الإعلام الحديثة.

هذه الخوارق والكرامات، في الحدثين معاً، لا يستطيع أن يحيط بها إلا قلب المؤمن المصدق أن ما يحدث في الكون إنّما يحدث بقدرة الله عزوجل، وسننه في الخلق.

ليس عبثا أن تفتتح السورة التي حملت اسم “الإسراء” بكلمة “سبحان” لإفادة الذكر، تنزيهاً وتعجبا وتعريفا بقدرة الله القدير المقتدر.

 من هذا المنطلق، سنتعامل مع هذه المعجزات والكرامات، ونستخرج منها عبرا وعظات، وسنصنفها إلى ما هو تربوي وما هو تعليمي وما هو دعوي، حسب ما يسمح به هذا المقام.

على المستوى التربوي:

  • ذكرى الإسراء والمعراج مِن الذكر، والذكر ضد النسيان، وكيف يحلو لمؤمن أن ينسى صلاته ويتغافل عنها وهي من الممارسات اليومية التي شُرعت في رحلة المعراج!؟ أم كيف ينسى المؤمن المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسولنا الكريم إماما بالأنبياء والمرسلين!؟
  • أحداث المحطتين كلاهما جاءتا بعد مرحلة محن واستضعاف واستخفاف بدين الله؛ حيث خيم الحزن والأسى والهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم جراء مطاردة أطفال الطائف له بالحجارة التي أدمت قدميه الشريفتين، وبتزامن مع فراق الزوجة المحتضنة (خديجة رضي الله عنها)، وغياب الدرع الواقي والسند (عمه أبو طالب)، وكذلك طوفان الأقصى الذي جاء بعد مرحلة الاستضعاف والاستخفاف وخذلان دول عربية إسلامية ومنظمات عالمية، وهيئات حقوقية… وهي المرحلة التي فارق فيها المقاومون أهليهم وبعضا من قيادات حركتهم. وتلك الأحداث القاسية الدامية من شأنها أن تبث اليأس وتقطع الأمل؛ لكن الله عز وجل كافأ رسولنا الكريم بمكافأة ربانية ليلة الإسراء والمعراج تسلية له، ومنح أهل غزة منحة طوفان الأقصى بالبقاء والثبات، والانتصار والانتشار بما فعله الطوفان من اكتساح للأقلام واجتياح للإعلام وللدول والمجتمعات؛ فدُوِّلت القضية الفلسطينية وتعولمت، فاكتسبت مساندة شعبية ومناصرة غير مسبوقة.
  • الإسراء والمعراج وطوفان الأقصى جاءتا بعد إظهار العبودية والضعف لله بما هي افتقار إليه، وانكسار بين يديه، وتضرع وتذلل بين يديه، ورفع الشكوى إليه، والثقة فيه، والتعلق بجنابه، والتوجه إليه بالدعاء.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طارده أهل الطائف لجأ إلى حائطٍ وأسند ظهره إلى شجرة، وانهمرت دموعه، ورفع كفيه، ليبث شكواه إلى مولاه عز وجل: “اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ‌أَنْتَ ‌رَبُّ ‌الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُني؟ إلَى بَعِيدٍ يتجَهَّمني؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظلماتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أمرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنزل بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عليَّ سُخْطُك، لَكَ العُتْبَى حَتَّى ترضَى، وَلَا حولَ وَلَا قوةَ إلَّا بك”[1]. مثل هذا الحال من العبودية عاشه أهل غزة ومن ساندهم من الشعوب المسلمة، فكلل الله جهودَهم بالتأييد والثبات.

  • الإسراء والمعراج كان معجزة لتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولمناصريه كالصديق رضي الله عنه، رغم إنكار المشركين، وطوفان الأقصى كرامة وتثبيت للفلسطينيين وللمؤمنين في زمننا، رغم إنكار الجاحدين والكائدين والمطبعين.
  • الإسراء والمعراج فُرضت فيه الصلاة لأهميتها وقيمتها، وطوفان الأقصى زاد أهل غزة تشبثاً بالصلاة؛ إذ بمجرد الهدنة شرعوا في بناء المساجد بالخيام لإقامة الصلاة وتلاوة القرآن؛ لأنهم يُدركون قيمة الصلاة بما هي صلة بالقوي الذي لا يُقهر.
  • الإسراء والمعراج وحدث الأقصى قضيتان تدوران حول الربانية، ذلك الرباط الوثيق بين العبد وربه انكسارا وافتقارا وتبتلا وتوكلا، هي الحال التي جعلت من الجيل الأول قوة لا تُقهر، واليوم أهل غزة يسطرون ملحمة صمود أسطورية؛ لأنهم ربانيون، لم يكتفوا بترتيل القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، بل زاوجوا بين محراب الصلاة ومختبرات التصنيع العسكري والخدمات والميدانية؛

الأصلُ أنّ التاريخ يكتبه الربانيون؛ فصلاح الدين الأيوبي لم يرجُ النصرَ من خيام النائمين، بل من خيام القائمين، قائلاً عنهم: “من هنا يأتي النصر “، فجعل قيام الليل مقياسا للنصر أو الهزيمة.

على المستوى التعليمي:

  • الإسراء والمعراج وطوفان الأقصى نتعلم منهما أن ما يلاقيه المؤمن ليس سببه أن الله تعالى قد تخلى عنه، وإنما هي سنّة الله مع محبيه ومحبوبيه في كل عصر وزمن، ليعرج بهم في معراج الإيمان ويرتقي بهم في سلم الكرامة والعزة؛
  • الإسراء والمعراج نتعلم منه كيف اجتمع المشركون على رسول الله ليستخرفوه، فواجههم بقوة الحجة وقول الحق والحوار المقنع دون استسلام. وكذلك طوفان الأقصى؛ فقد تجند الفلسطينيون وغيرهم من المسلمين للدفاع عن قضيتهم بالحوار والحجة والتعبئة الشاملة، بل بالتفاوض مع العدو وفرض شروطهم رغم اختلاف ميزان القوى: حركة مجتمعية مقابل دولة قوية!
  • بعد الإسراء والمعراج واصلَ الرسول صلى الله عليه وسلم تعليم أصحابه والمؤمنين الجدد دينهم وصلاتهم. وكذا طوفان الأقصى، بعده واصل المقاومون تعليم إخوانهم في ظل تلك الظروف القاسية، والشاهد؛ تخرّج فوج من الأطباء. كما واصل المقاومون صناعة العدة والعتاد تحت الأنفاق، وتوفير الأوكسجين للمرضى والجرحى طيلة الحرب وبعدها بالإمكانات المتوفرة.

على المستوى الدعوي:

  • بعد الإسراء والمعراج تعززت الدعوة بشكل كبير وانتشرت في الأمصار، كما أنه بعد طوفان الأقصى تعززت وانتشرت الدعوة الإسلامية بشكل غير مسبوق وبكيفية أسرع فاجأت الدعاة أنفسهم؛ حيث دخول الناس في دين الله أفواجا، ومن ضمنهم بعض الأسرى لما وجدوه من رحمة وحسن التعامل، ودخول عد كبير من الأمريكيين والأوربيين، حتى أنه قد فتحت قنوات خاصة بالمسلمين الجدد، مما ينبئ بتحول كبير في الخارطة العالمية لفائدة الدعوة الإسلامية؛
  • بعد الإسراء والمعراج جاء الحق وزهق الباطل، وبعد الطوفان انكشفت الحقائق وزيف المنظمات الحقوقية، وخرجت مسيرات شعبية مناصرة للمقاومة منددة بالتطبيع، فذهبت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأحرقت الدبابات، وقتل الجنود وأصيب بعضهم بالعاهات والأمراض النفسية، وشل الاقتصاد وتعطلت الأجهزة الاستخباراتية وأنظمة الدفاع الجوي. كان الإسرائيليون ﴿ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ (سورة الحشر، الآية 2).

خاتمة:

إن جميع الأحداث التي يعيشها المسلمون، كطوفان الأقصى، إذا نظرنا إليها بمنظار حدث الإسراء والمعراج فستكون بمثابة معراج إيماني، والمعراج على وزن مفعال؛ اسم آلة للدلالة على سلم الترقي والانتقال من حال إلى حال، من النومة إلى اليقظة، ومن الذِّلة إلى العزة، ومن الضعف إلى القوة، ومن اليأس إلى الفرح، ومن العسر إلى اليسر، ومن الضيق إلى الفرج، ومن المحن إلى المنح، ومن الاستضعاف إلى التمكين؛ لكن بشرط الثقة بالله واتخاذ الأسباب اللازمة.

قال الشاعر[2]:

يا صاحب الهم إن الهم منفرج******أبشر بخير فإن الفـــــــــــــــــــارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه******لا تيأسن فإن الكـــــــــــــــــــــــــــــافي الله
الله يُحدث بعد العسر مَيسرة******لا تجزعن فإن القـــــــــــاسم الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض به******إن الذي يكشف البلوى الله

 

حاصل الأمر أننا حين نحيي ذكرى الإسراء والمعراج، أو نتابع أخبار الثبات في طوفان الأقصى، لا ينبغي أن يقف دورنا عند مستوى العاطفة والانتشاء والاستئناس، بل نجعلها محطة للسؤال: ما حَظّي من الميراث النبوي؟

قال الله تعالى: ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ (سورة غافر، الآية 13)، و”يتذكر” جاءت على وزن “يتفعل”، وهو فعل ذاتي يحمل معاني مراجعة النفس ومحاسبتها ومجاهدتها، ومؤدّاه؛ لنقس أحوالنا على أحوال هؤلاء الربانيين أين نحن من صدق التوجه؟ وأين نحن من الجندية؟ ومن وصف الصحابة الكرام ومن سار على دربهم الذين كانوا: “رهباناً بالليل فرساناً بالنهار”[3].


[1] ابن هشام (ت 213هـ)، سيرة ابن هشام، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ج.2، ص.48.

[2] هناك من ينسب هذه الأبيات إلى الإمام الشافعي رحمه الله، وهناك من أوردها دون ربطها لا بالشافعي ولا بغيره. انظر:

عمرو بن بحر، الشهير بالجاحظ (ت 255هـ)، المحاسن والأضداد، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ص.157.

[3] أبو علي مسكويه الرازي (320 – 421 هـ)، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق أبو القاسم إمامي، دار سروش للطباعة والنشر، طهران 2000م- 2002م، الطبعة الثانية، ج.1، ص.298.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.