منافع الصيام وفوائده
منافع الصيام وفوائده/ أشرف شعبان أبو أحمد
منافع الصيام وفوائده
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
الصيام عبادة قديمة عرفتها الأديان قبل الإسلام وإن حرف الناس في كيفيته وبدلوا قال تعالى ( يأيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) سورة البقرة آية 183(1) والمراد من قوله تعالى ( الذين من قبلكم ) اليهود والنصارى، كما عرفه الجاهليون قبل عصر البعثة وتعبدوا به فقد روى البخاري في سنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان (2) وقد عنت الشرائع السماوية وخاصة الشريعة الإسلامية بفرض الصوم لما له من حكم وأسرار والتي من بينها:
بالصيام تقضى الحاجات وتستجاب الدعوات(3) فقد جاءت آية الدعاء في القرآن الكريم وهي قوله تعالى في سورة البقرة آية 186 ( وإذا سألك عبادي عني فأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) بين ثنايا آيات الصيام والتي ورد ذكرها في نفس السورة الآيات من 183 إلى 187 قال ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، وفي مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثلاثة لا ترد دعوتهم الأمام العادل والصائم حين يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ) كما روى الأمام أبو داود عن عبد الله ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة ) وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد )(4) ولما لا فبالصيام يتحرر الإنسان من سلطان غرائزه وينطلق من سجن جسده ويتغلب على نزعات شهوته ويتحكم في مظاهر حيوانيته ويتشبه بالملائكة فليس عجيبا أن يرتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك(5)
ولا تقتصر منافع الصيام على الصائم فقط بل وتشمل المحيطين به أيضا فالتقوى تلك الغاية التي ينبغي أن ترجى من الصيام وتلك الثمرة التي جعلها القرآن مرجوة بحصوله وهي الحكمة التي يفسر بها لماذا فرضه الله علينا وعلى الذين من قبلنا كما في قوله تعالى في سورة البقرة آية 183 ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )(6) تلك التقوى الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يؤتيه إياها كما في صحيح مسلم وسنن النسائي ومسند الأمام أحمد فيقول ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ) إذا تحققت في نفس الصائم وتحلى بها واصطبغت حياته بها قلبا وقالبا قولا وفعلا ما ظهر منها وما بطن تعود آثارها عليه رزقا ومن ثم على من حوله سعة في الأنفاق كما تعود عليهم بالعدل والإحسان في معاملته لهم، كما أنها تشيع في المجتمعات الإسلامية الإيثار والتراحم والتعاطف والتوادد وتؤلف بين قلوب المؤمنين مما ينعكس أثرها على وحدة الأمة وتحقيق السعادة والفلاح للجميع(7)
والتقوى مع الصبر الذي هو الأخر من ثمار الصوم كما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام في سنن الترمذي وابن ماجه والدرامي ومسند الأمام أحمد ( والصوم نصف الصبر ) معا من أسباب المدد والنصر من الله عز وجل أليس الله يقول ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) سورة آل عمران آية 125 وما أحوج الأمة إلى مدد السماء في حالتها الراهنة التي تكالب فيها الأعداء من كل حدب وصوب وهذا لن يتأتى إلا بأمة تحسن استقبال الأمر من السماء وصدق الله العظيم إذ يقول ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) سورة محمد آية 7 (8)
والصوم في الإسلام من أفضل العبادات التي تترك طابعها المتميز على جوهر الإنسان المؤمن فيصبح ويمسي ولعبادة الصوم أثرها في حياته وفي تكوينه وفي شخصه وفي أخلاقه وسلوكه بحيث تظل له بين عشيرته وقومه وفي مجتمعه وأمته علامته المتميزة وشامته الدائمة(9) فهو من أعظم ما يعين الفرد على حسن الخلق واجتناب الموبقات والبعد عن الفواحش والمنكرات وتحمل أذى الناس وكف أذاه عنهم ومقابلة السيئة بالحسنة والحسنة بأحسن منها، فللصوم ثلاث درجات هي صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص، أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور أولها غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله قال صلى الله عليه وسلم ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه ) أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة ) أخرجه الأزدى في الضعفاء من رواية جابر عن أنس. ثانيها حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتعالى وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان وقد قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم رواه بشر بن الحرث عنه وروى ليث عن مجاهد خصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم ) أخرجاه من حديث أبي هريرة. ثالثها كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) سورة المائدة آية 42 وقال تعالى (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم وأكلهم السحت ) سورة المائدة آية 63 فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى ( إنكم إذا مثلهم ) سورة النساء آية 140 ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( المغتاب والمستمع شريكان في الإثم ) وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع للغيبة(10) رابعها كف بقية الجوارح عن الآثام بصيانة الفرج من أسباب تلويثه بالحرام والوقوع في معصية الله وكف اليد عن ارتكاب ما يغضب الله تعالى وعن البطش بالضعفاء إلى غير ذلك من الآثام، وأن تكف الرجل كذلك عن الذهاب إلى اللهو واللعب والأماكن الرخيصة التي يعصى فيها رب العالمين(11) وأن تصوم البطن عن الغذاء الحرام سواء أكان طعاما أو شرابا وقت الإفطار فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا قال بعض العلماء كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه. خامسها أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال وكيف يستفاد من الصوم في قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟ وقد أصبحت من عادات الناس ادخار جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل فيه من الأطعمة ما لا يؤكل في عدة أشهر، فروح الصوم وسره، تضعيف القوى التي هي من وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه. سادسها أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ وليكن كذلك في كل عبادة يفرغ منها. وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين(12)
فليس الصيام مجرد إمساك عن الأكل والشرب فقط وإنما هو أيضا إمساك عن سائر ما نهى الله عنه فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم ) رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وقال عمر ( ليس الصيام من الشراب والطعام وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو ) وروى عن علي مثله وعن جابر قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء. وقال ميمون بن مهران أهون الصيام، الصيام عن الطعام(13)كما قال عليه الصلاة والسلام ( إنما الصوم جنة “وقاية” فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث “أي لا يكون بذئيا في قوله” ولا يجهل “أي لا يفعل فعل الجاهلين” وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم )(14) فهذه دعوة ليست لرد الأذى بمثله أو أفظع منه للانتقام وتأديب المعتدي ولكنها لكظم الغيظ وكف الأذى عن المسيء بل وللعفو عنه واحتساب الأجر والثواب عند الله. ومن صام بطنه وفرجه ولم يصم لسانه ولا جوارحه ولا قلبه فحرى بصيامه أن يرد وأن ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري(15) وليست المسألة مسألة قول الزور فقط وإنما هي مسألة كل جريمة ترتكب وإنما خص الرسول صلى الله عليه وسلم قول الزور لمناسبة دعت التخصيص حين تجرأ بعض الناس على الشهادة الآثمة دون أن يقدر حرمة الشهر الكريم(16) وقال عليه السلام ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ) رواه ابن ماجة والحاكم(17) وفي الحديث ( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ) عزاه المنذري في الترغيب والترهيب لابن خزيمة والحاكم والبيهي وهو حديث صحيح. فكما أن الطعام والشراب يقطعا الصوم ويفسداه فإن الأثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته فتصيره بمنزلة من لم يصم(18) وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الصوم أمانة فليحفظ أحكم أمانته ) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود في حديث الأمانة والصوم وإسناده حسن(19)
ومن فوائد الصيام تطهير المعدة يقول الأمام الغزالي في ذلك إن أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها خرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الافتقار، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات وسبب الأمراض والآفات والأسقام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محاله فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) ويقول ( نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع ) وفي الأثر المروي المعدة بيت الداء والحمية “أي الامتناع عن الأكل” رأس الدواء (20) ففي الصوم أو الحمية امتناع عن الأكل فتستريح المعدة ويتخلص الجسم من كثير من فضلاته الضارة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ( صوموا تصحوا ) رواه الطبراني بإسناد رواته ثقات كما في الترغيب للمنذري(21) فالصيام يفيد في علاج الكثير من الأمراض والآفات المهلكة فهو مفيد للمصابين بارتفاع في الضغط الشرياني كما أنه يفيد في علاج البدانة والسمنة الزائدة والنقرس وفي كثير من الأمراض الجلدية(22) كما نشرت إحدى المجلات أن ثلاثمائة قد برئوا من البول السكرى بعلاج الصوم(23)
وبالصيام يقهر عدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان لعنة الله الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ) متفق عليه من حديث صفية دون قوله ( فضيقوا مجاريه بالجوع ) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ( داومي قرع باب الجنة ) قالت بماذا؟ قال ( بالجوع )(24)
والصوم هو أنجع أسلوب لتهذيب الشهوة وترويضها وخصوصا إذا دووم عليه ابتغاء مرضاة الله تعالى، فالغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان في إغواء الإنسان حتى اعتبرتها بعض المدارس النفسية هي المحرك الأساسي للسلوك البشري والناظر إلى معسكر الغرب اليوم وما يعاني من انحلال وأمراض يتبين له أن انحراف هذه الغريزة كان وراء كثير من الأوحال التي يرتكس فيها وللصوم تأثير في كسر هذه الشهوة وإعلاء هذه الغريزة، لذا فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية للشباب من الانحراف أو الوقوع في مهاوي الرذيلة فقد ثبت في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )(25)
والصوم تربية للإرادة وتربية على الصبر فالصائم يجوع وأمامه شهى الطعام وألوانه المختلفة ويعطش وبين يديه بارد الماء وملذات الشراب ويعف وبجانبه زوجته في عش الزوجية لا رقيب عليه إلا ربه ولا سلطان عليه إلا ضميره ولا يسنده في ذلك إلا إرادته القوية الواعية يتكرر ذلك نحو خمسة عشر ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين أو ثلاثين يوما أو أكثر من ذلك في كل عام إن زاد في صيامه على صيام الفرض، فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل كمدرسة الصيام؟! لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثا عن تقوية الإرادة أثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هو الصوم (26) والصائم حينما يخلو بالمفطرات وهو على يقين بأن لا رقيب عليه إلا الله تعالى ويتجنبها تتربى عنده المراقبة لله تعالى والخوف منه والامتثال لطاعته والأمانة في السر والعلانية قال تعالى ( وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) سورة الحديد آية 4 (27)
والصيام تجربة على الحرمان من المتع وما تشتهيه الأنفس وهذه التجربة ضرورية في حياة الناس عامة أغنيائهم وفقرائهم فالحياة ابتلاء قال تعالى في سورة الإنسان آية 2 ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ) وكما يكون الابتلاء باقتناء النعم والثروات يكون بالحرمان وبالأزمات قال تعالى في سورة الأنبياء آية 160 ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) فالحياة عرضة للكثير والقليل وللرخاء والضيق، وأصحاب الابتلاء بالنعم والثروات الصائم منهم بإمساكه عن المتع رغم وجودها بين يديه هو الذي تمر عليه الأزمات والشدائد بسبب نقص الأموال والأنفس والثمرات دون أن تحدث أثرا سلبيا في نفسه فقد ذاق الحرمان المؤقت بالصيام. وأصحاب الابتلاء بالشدة والفقر الصائم منهم باستساغته للحرمان استساغة نفسية أثناء الصيام يعضد من وقوفه في عزم وصبر وإصرار أمام حرمان ما بعد الصيام طالت أو قصرت مدته (28)
والصيام تذكير عملي بجوع الجائعين وبؤس البائسين تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة ونداء الأمعاء، فإن الذي نبت في أحضان النعمة ولم يعرف طعم الجوع ولم يذق مرارة العطش لعله يظن أن الناس كلهم مثله وأنه مادام يجد فالناس يجدون ومادام يطعم لحم طير مما يشتهي وفاكهة مما يتخير فلن يحرم الناس الخبز والبقول! لذا فقد جعل الله الصوم عبادة يؤديها الموسر والمعسر، من يملك القناطير المقنطرة ومن لا يملك قوت يومه حتى يشعر الغني بأن هناك معدات خاوية وبطونا خالية وأحشاء لا تجد ما يسد الرمق ويطفئ الحرق، فينموا في قلبه الشعور والإحساس بما يلاقيه المعوزون والمقلون في المجتمع من الجوع والعطش فحرى بإنسانية الإنسان وإسلام المسلم وإيمان المؤمن أن يرق قلبه ويلين ويعطف على أخيه المعوز الفقير وأن يعطي المحتاجين وأن يمد يده إلى المساكين فإن الله رحيم وإنما يرحم من عباده الرحماء وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) رواه أبو داود و الترمذي، وقد روى أن يوسف عليه السلام كان يكثر الصيام وهو على خزائن الأرض بيده المالية والتموين فسئل في ذلك فقال ( أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقير) وبالصيام يعرف المرء مقدار نعم الله عليه، فإذا تكررت النعم على الإنسان قل شعوره بها ولا تعرف قيمتها إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا إذا ذقت المر والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن عليك الليل وبضدها تتميز الأشياء ففي الصوم عندما يذوق الجسم حرارة العطش ومرارة الجوع يعرف قيمة الطعام والشراب والشبع والري ومن أجل ذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ) رواه الترمذي وحسنه(29)
كما أن الصوم مناسبة للمسلمين ليتذكروا بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصيام وإن بالإمكان تحمل الجوع والعطش لفترات طويلة والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاء وحالة جسدية أكثر انتعاشا وخفة(30)
وفي فريضة الصيام حيث يصوم المسلمون جميعهم في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد انضباط ونظام فتوقيت بدء الصيام لجميع المسلمين في كافة مشارق الأرض ومغاربها بطلوع الفجر ونهايته بإقبال الليل لا شك يوحد حركة المسلمين ويشعرهم بضرورة توحيد حركتهم في أمورهم كلها وخصوصا في أمهات الأمور وما أكثر ما شرع الله للمسلمين مما يوحد حركتهم ويلم شملهم لو أنهم استفادوا به لعاد ذلك على حياتهم بالقوة. كما إن التزم كل صائم في صيامه إمساكا وفطورا وصلاة وسحورا وقياما لله بطلوع الفجر وغروب الشمس كما في قوله تعالى في سورة البقرة آية 187( كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) يعلم الصائم كيف يكون الالتزام فيتعود أن يكون منظما في أموره كلها ولا شك أن الانضباط والنظام شرطان أساسيان لنجاح أي خطة وللوصول(31)
والصوم قبل ذلك وبعده تمام التسليم لله وكمال العبودية لرب الناس ملك الناس إله الناس وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عبادة والهدف الأسمى من كل فريضة ولن تكون العبادة عبادة ولا العبد عبدا إلا بها يقول رب العباد (أمرت ونهيت ) ويقول العباد ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) سورة البقرة آية 285 وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه وإيثار ما عنده ولهذا نسب الصيام إلى حضرته وتولى جزاء الصائمين بنفسه فقال ( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي ويدع شرابه من أجلي ويدع لذاته من أجلي ويدع زوجته من أجلي ) رواه ابن خزيمة في صحيحه، ذلكم هو الصوم في الإسلام لم يشرعه الله تعذيبا للبشر ولا انتقاما كيف؟ وقد ختم آية الصوم بقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) سورة البقرة آية 185 وإنما شرعه الله إيقاظا للروح وتصحيحا للجسد وتقوية للإرادة وتعويدا على الصبر وتعريفا بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة وتدريبا على كمال التسليم لله رب العالمين(32) وعلى المؤمنين أن يشكروا الله جلت قدرة ويكبروا ويهللوا بذكره وبعظمته على فريضة الصوم كعبادة في حياتهم وعلى ما هداهم إليه من سائر العبادات فهي كلها تصقل الإنسان بما تكونه من عادات لديهم وبما تنشئه من ملكات وقدرات خاصة تساعد على تحويل النظر إلى واقع والفكر إلى تطبيق ولولا هداية الله لما استطاع أن يخرج الناس من إغراء المتع الحسية والتبعية لها ولذا يجب على المؤمنين به شكره ( أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) سورة محمد آية 14 (33)
لقد عرف المسلمون الأولون هذه الحكم الجليلة التي للصوم فصاموا عن عقيدة راسخة واقتناع تام وقد جنوا ثمار الصيام وتفيئوا ظلاله واستمدوا منه روح القوة وقوة الروح كان نهارهم نشاطا وإنتاجا وإتقانا وكان ليلهم تزوارا وتهجدا وقرآنا وكان شهرهم كله تعلما وتعبدا وإحسانا ألسنتهم صائمة فلا تلغو برفث أو جهل وآذانهم صائمة فلا تسمع لباطل أو لغو وأعينهم صائمة فلا تنظر إلى حرام أو فحش وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم وأيديهم صائمة فلا تمتد بسوء أو أذى، فأورثهم الله القوة والسيادة يومها فقد كانوا قوة لا تضارعها قوة لقد استطاعوا في سرعة مدهشة أن ينشروا الإسلام في شعوب كانت تائهة في عماء الوثنية والجهل كما تمكنوا من رفع الظلم والتسلط والاستعباد الواقع على الشعوب فحكموا بنفوسهم المهذبة العالية وعقولهم الرشيدة أمم الأرض بالعدل ونشروا فيها تلك الصفات الكريمة التي يعتز بها الإسلام. أما مسلمو اليوم فمنهم من اتخذ رمضان موسما لطاعة الله ومضاعفة الخيرات صاموا نهاره فأحسنوا الصيام وقاموا ليله فأحسنوا القيام وشكروا نعمة الله عليهم فلم ينسوا إخوانهم من الضعفاء والمحرومين واقتدوا برسولهم الكريم الذي كان أجود ما يكون في رمضان فهو أجرى بالخير من الريح المرسلة، وبجوار هؤلاء المحسنين خلف سؤ لم ينتفعوا برمضان ولم يستفيدوا بما فيه من صيام ولا قيام جعله الله للقلب والروح فجعلوه للبطن والمعدة جعله الله للحلم والصبر فجعلوه للغضب والطيش جعله الله للسكينة والوقار فجعلوه شهر السباب والشجار جعله الله ليغيروا فيه صفات أنفسهم فما غيروا إلا مواعيد أكلهم جعله الله تهذيبا للغني الطاعم ومواساة للبائس المحروم فجعلوه معرضا لفنون الأطعمة والأشربة تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد فيه حسرة الفقير فلعل المسلمين يصومون الصيام الذي يعدهم لتقوى الله كما أمر القرآن حتى يخرجوا من رمضان مطهرين مغفوري الذنوب(34)
المراجع
(1) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص287
(2) مجلة الهداية تصدرها وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين العدد 271 رمضان 1420هـ يناير 2000م مقال بعنوان ( لماذا نصوم؟ ) ص18
(3) عقيدة المؤمن أبو بكر جابر الجزائرلي ص 103
(4) البركة في القرآن الكريم محمد أحمد طه ص 159 – ص 160
(5) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص 290
(6) مجلة الهداية تصدرها وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين العدد 271 رمضان 1420هـ يناير 2000م مقال بعنوان ( لماذا نصوم؟ ) ص19
(7) مجلة الهداية تصدرها وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين العدد 271 رمضان 1420هـ يناير 2000م ص33 مقال بعنوان ( صوم رمضان ودوره في تربية المسلم )
(8) جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد 1632 12رمضان 1420هـ / 20 ديسمبر 1999م مقال بعنوان
( قبسات من أنوار رمضان ) ص 9
(9) جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد 1632 12رمضان 1420هـ / 20 ديسمبر 1999م ص 9 مقال ( الصيام وتهذيب النفس والجوارح )
(10) إحياء علوم الدين أبي حامد محمد الغزالي ج1 ص 208 و209
(11) من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم طه عبد الله العفيفي ج1 ص325
(12) إحياء علوم الدين أبي حامد محمد الغزالي ج1 ص 208 و209
(13) فقه السنة السيد سابق ج1 ص 458 & العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص166و167
(14) مجلة الهداية العدد 271 السنة الثالثة والعشرون رمضان 1420هـ يناير 200م من ص 18 إلى ص 21 مقال بعنوان ( لماذا نصوم؟ )
(15) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص166و167
(16) مجلة الحج السنة الخامسة والخمسون الجزء الثالث رمضان 1420هـ يناير 2000م من ص 2 – 6 مقال بعنوان ( الصيام علاج نفسي )
(17) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص167
(18) الوابل الصيب والكلم الطيب لابن قيم الجوزية ص62
(19) إحياء علوم الدين أبي حامد محمد الغزالي ج1 ص 210
(20) مجلة الهداية العدد تصدرها وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين 271 السنة الثالثة والعشرون رمضان 1420هـ يناير 2000م مقال بعنوان ( لماذا نصوم ؟) من ص18 إلى 21
(21) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص290 و ص 291
(22) مجلة الهداية العدد 271 السنة الثالثة والعشرون رمضان 1420هـ يناير 200م من ص34 إلى ص 39 مقال بعنوان ( في مدرسة الصوم نتعلم )
(23) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص290
(24) إحياء علوم الدين أبي حامد الغزالي ج1 ص206
(25) مجلة الهداية العدد 271 السنة الثالثة والعشرون رمضان 1420هـ يناير 2000م من 34 إلى 39 مقال ( في مدرسة الصوم نتعلم )
(26) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص 291
(27) مجلة الهداية تصدرها وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين العدد 271 رمضان 1420هـ يناير 2000م مقال بعنوان ( صوم رمضان ودوره في تربية المسلم ) ص 31 و 32
(28) الدين والدولة من توجيه القرآن الكريم محمد البهي من ص 218 إلى ص 226
(29) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص 292 و293
(30) جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد 1632 الاثنين 12 رمضان 1420هـ 20 ديسمبر 1999م ص11 مقال بعنوان ( المعاني الاقتصادية لفريضة الصوم )
(31) مجلة الهداية العدد 271 السنة الثالثة والعشرون رمضان 1420هـ يناير 2000م من ص34 إلى 39 مقال بعنوان ( في مدرسة الصوم نتعلم )
(32) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص 293 و 294
(33) الدين والدولة من توجيه القرآن الكريم محمد البهي ص223
(34) العبادة في الإسلام يوسف القرضاوي ص294 و295