منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في مفترق الطرق

في مفترق الطرق/ فؤاد هراجة

0

في مفترق الطرق

بقلم: فؤاد هراجة

ونحن نسير في دروب الحياة تعترضنا العديد من مفترقات الطرق، تستوقفنا وتفرض علينا إما اختيار وجهة جديدة أو السير في نفس الاتجاه، نُقَلِّبُ وجوهنا في كل الاتجاهات ونتوجه إلى عالم الغيب و الشهادة نستخيره ثم نستخيره ثم نستخيره، ثم نستفتي ونستشير قلوبنا ونقتصد في ذلك درءا لسيف الزمن الذي لا يتوانى عن قطع تطلعاتنا كلما أسلسنا له القياد، وحتما سيولينا علام الغيوب قبلة نرضاها.

والجميل في لحظة الاختيار أنها تمنحنا فرصة لتقويم مسيرتنا لنرى هل فعلا وصلنا لما كنا نصبو إليه، وأننا كنا في المسار الصحيح أم أننا كنا نخبط خيطة عشواء، وأننا كنا نصرخ في واد، وننفخ في رماد…!

تذكرت قصة لمخرج إيطالي عالمي تجشم عناء السفر لحضور عرض مسرحي بأحد المسارح ا الفرنسية، وكانت المسرحية قد نالت حظا وافرا من الانتقاد الفني اللاذع، فسئل المخرج وهو من هو عن سبب حضوره وتكبد مصاريف ووعتاء السفر رغم علمه المسبق بهذا العمل الخديج، فكان جوابه غايتي أن أتعلم مباشرة من الأخطاء التي ارتكبت لعلِّي لا أرتكبها في أعمالي المستقبلية. فقلت في نفسي كم عدد المسرحيات التي شاركنا فيها؟ وكم عدد الخشبات التي ارتدناها على مسرح الحياة؟ لكننا لا نعتبر ولا نتعلم ولا نغير وجهتنا صوب وجهة جديدة، نظل كحمار الرحى المضمد العينين يدور في مكانه وهو يعتقد أنه يقطع المسافات ويتقدم في مسيره، وهو في الحقيقة لا يبرح مكانه، والأدهى والأمر أنه يعصر الزيت لينتفع به غيره مقابل حفنة شعير.

في مفترق الطريق علينا أن ننتبه جيدا هل نحن نتقدم أم أننا نحوم حول المدار، كما علينا أن نتلمس وجوهنا فلربما نحتاج إلى إزالة الضمادات من على أعيننا وانتزاع الخطام من على أعناقنا وننطلق حينئذ بعد استعادة حريتنا، إذ لا اختيار بدون حرية الإرادة. ثم إلى متى سنظل مجرد ممثلين لأدوار تُكتَبُ لنا لا نختارها ولا نشارك في صياغتها، هل لقصور قريحة الإبداع فينا وانطماسها في وجداننا، أم لأننا سلَّمنا بأننا مجرد أدوات للتمثيل والمحاكاة؟

مرحلة التمثيل والمحاكاة لا مناص منها على مسرح الحياة، نتعلم من خلاها الحبو والوقوف والمشي والكلام، لكن بعد انتصاب الجسد ونضج العقل نشب عن الطوق، ونكبر عن قميص التمثيل، لنرتدي قميص الإبداع والعطاء وننسج نحن القميص الذي يليق بحجمنا لا القميص الذي يكبر او يصغر حجمنا.

في مفترق الطريق علينا أن نمتلك الجرأة الكاملة والحرية المسؤولة على الاختيار، وأن نتحمل ألم قطع الحبل السري، ونتحمل ألم الفطام، لأننا أصبحنا قادرين على اختيار ما نأكل، ومضغ ما نأكل، وهضم ما نأكل، وتحمل تبعات ما نأكل…، بهذا نقول لمن حولنا إما أن تشاركوننا في صياغة المسرحية وإما أننا قادرين على إبداع أدوار لأنفسنا تليق بطموحاتنا وتطلعاتنا.

تقفز إلى ذهني اللحظةَ قصة أليس في بلاد العجائب، وهي رواية للأطفال كتبت سنة 1865 من قبل عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز لوتويدج دودسون تحت اسمه المستعار لويس كارول، تحكي عن طفلة وقعت في جحر أرنب فتجد نفسها هي عالم خيالي وسط الغابة، فتشتكي حالها للأرنب بأنها تاهت وضلت الطريق، فيسألها: أين وجهتك؟ فتقول لا أدري! فيجيبها، فلماذا تقولين أنك تائهة وليست لك وجهة، فأي طريق تسلكين فهو طريقك!
عندما لا تكون لدينا وجهة نوليها تقتادنا الوجهات وإرادات الآخرين حيث تشاء لا حيث نشاء!

تذكر جيدا، أن في مفترق الطرق لا تدع مصيرك بيد غيرك…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.