وكأن شيئا لم يكن
بقلم: فيحاء نابلسي
حل المساء وبدأت الطيور تؤوب إلى أعشاشها وبدأنا نحن ننفصل عن الوجود وننزوي بعيدا عن الحياة، هنا في هذا الوادي الدي كانت أمي لا تسأم من تكرار عباراتها كل ليلة وهي تقلب بصرها في الجبال المحيطة بنا تتلمس وميض أنوار القرى البعيدة، ” لو يموت البني آدم هنا ما احد يحس فيه !”
لكنها حالما تكتشف أن انقباض صدرها وخوفها من الظلام قد بدأ يسري إلينا، تفتعل ابتسامة هادئة وتغمض عينيها وهي تقول “الشمس لا ترحل،هي فقط تختبئ خلف التلة ريثما يأتي الصباح.”
كان أبي يحب العزلة وكانت أمي تعشق ضوضاء البشر ورائحة الحياة وألوانها، لكنها رضيت على مضض بهذا البيت النائي على كتف الوادي،ربما أنه لم يكن لديها خيار آخر.
حتى تلك الليلة كانت صفحة الليل في خيالي فارغة، لم تخط عليها الأيام أي عبارة تذكر, فصوت زقزاق العنب والتين ونقيق الضفادع وحتى عواء الذئاب في الجرد القريب،كانت قد أصبحت جزءا مألوفا من مشهد الليل الصامت.
كنت آخر إخوتي نهوضا لاستطلاع الأمر، فقد بدأت الأصوات كوشوشة رذاذ ناعم على نافدة غافية،ما لبثت أن تعالت لتخرق سكون الظلام وتبدل معالم الليل في بالي للأبد.
لم يكن منظر الجموع في باحة دارنا أمرا مثيرا للدهشة بقدر تلك البشاشة التي غمرت وجه أبي وذاك الوميض الغريب الذي كان يشع من عينيه، لم يسبق لي أن رأيت أبي مبتسما في حضرة الغرباء من قبل، وذاك الوهج الوردي على وجنتيه، جعلني أتخيل أنه رجل آخر، غير الذي كان يخيم علينا نزقه أغلب الوقت.
لم يكن الرجال والنساء والأولاد في باحة دارنا مخلوقات وثبت من فرجة في ستارة الظلام كما خطر لي للوهلة الأولى، كانوا مسافرين تعطلت بهم الحافلة على الطريق الجبلي وتوقفت بهم قريبا من دارنا، وحالما لمحوا ترحيبا من أبي أخذوا يترجلون واحدا تلو الآخر حتى ملأوا فسحة الدار.
آخر المترجلين من الحافلة كانت سيدة شابة تتبعها فتاة صهباء في الخامسة من عمرها،خمنت يومها أنها تصغرني بخمس سنين، تتدلى على كتفيها ضفيرتين بلون ثمار الكاكا الناضجة، كانت متعلقة بثوب أمها، تتلفت حولها بوجل، وعندما وصلت نظراتها إلي وفتحت عينيها الشهلاوين على اتساعهما، أدركتُ أن ما يجري حولي ليس حلما.
” لو كان بوعيه لم يكن ليسمح لأحد أن يدوس الأرض ” تمتمت أمي وهي تناولني الكراسي لأصفها للضيوف، وأنا في طريقي للباحة تمنيت في نفسي لو أن أبي يبقى بغير وعيه للأبد .
لم يكن لدينا ما يكفي من الكراسي للجميع، بعض الشبان والأولاد جلسوا على سور الحوش الحجري، وبعضهم ظل واقفا متكأ على الجدار.
أخذ أحد الرجال يخبر أبي عن القرى التي مروا بها في رحلتهم، ذكر عين ماء في الجبل القريب من قريتنا، يقصدها الناس من أماكن بعيدة، قال أنهم قادمون من الشام وأن كثيرا من القرى هنا في الساحل تشابه قراهم.
أرسل أبي أخي الأكبر بصحبة أحد الشبان لينادي على عبود، الميكانيكي الوحيد في قريتنا، وأرسل معهما كلبنا شحرور للحراسة.
كان القمر يتهادى فوق الجبال بدرا غير مكتمل، لكن ضياءه كان يغمر صفحة السماء والطرقات الملتوية كثعابين فضية تتسلق الجبال، وربما أن جلال المشهد قد أثار شهية الجماعة فاستأذنوا أبي في إحضار ما تبقى معهم من زاد من الحافلة، هز أبي براسه موافقا ثم طلب من امي أن تدخل وتحضر أقراص القريش المغمورة بالزيت من خزانة المطبخ وأن تملأ صحنا كبيرا من الزيتون، وأشار بيده إلى أخي ليحضر قِطفا من العنب .
تسلق أخي شجرة الدلب الكبيرة، التي تتكأ عليها داليتنا،بهمة مبالغ بها وعاد حاملا عنقودين كبيرين وضعهما بين الأطباق التي اصطفت فوق بساط مدته أمي على الأرض. كان لديهم فطائر ومربى المشمش وكرات الجبن الأبيض والمكدوس وأشياء أخرى، قالوا أنهم يأكلون القريش مع العنب وأحيانا يأكلون الزيتون مع المشمش, وكان كل شيء لذيذا لدرجة تجعل المرء يأكل بلا توقف،حتى عنقود العنب الذي قطفه أخي للتو بدا مذاقه ساحرا لدرجة اعتقدت فيها أن العنب في الليل ربما يكون أكثر حلاوة .
لم نلحظ قدوم أخي مع عبود الميكانيكي بسبب كثرة اللغط والأصوات المتداخلة، وكان بصحبتهما حسون صاحب الكافيتريا في قريتنا الذي بدا مستاءً وأخذ أبي جانبا وبدا وكأنه يتشاجر معه وقال أن أبي يسرق منه الزبائن .
مزاج أبي المبتهج قطع على حسون فرصة الشجار،أحاط أبي كتفه بذراعه وقاده إلى السفرة مفسحا له مكانا بين الشباب.
كان بإمكاني التهام كل ما تبقى في الصحون لكني استحييت أن أكمل بعدما رأيت الجماعة ينسحبون عن المائدة .
في لحظة صمت خيمت على المكان انطلق أبي بموال جبلي طويل, لم يكن صوت أبي عذبا لكنه كان مبهجا بطريقة غريبة، أنصت الجميع إليه بإعجاب وعند كل قفلة كان يعلو صفير الشبان وتصفيقهم، الشيء الدي أشعل نار الحماسة في رأس أبي فنهض قائما يتمايل ويصدح بمواويله.
الأغنية الشعبية الصاخبة التي دوت فجأة، بعد أن تسلل أحد الشبان إلى الحافلة وفتح آلة التسجيل على مداها،لم تقطع على أبي زهزهته واصطهاجه, بل رفع يده ملوحا بسبحته داعيا الشبان للاصطفاف إلى جانبه ليكون هو على رأس حلقة الدبكة، استخفه الطرب فأخذ يثب كسخلةٍ فوق مرج يانع، وكانت أمي تداري ضحكتها بطرف منديلها وهي تنظر إلى أبي كطفلة باغتها المطر.
لم تستهو حلقة الدبكة الجميع، بعض الأولاد اكتشفوا الأرجوحة المربوطة على شجرة الدلب الكبيرة فأرخوا حبالها وأخذوا يتناوبون عليها كل بدوره، كانت الفتاة الصهباء ترنو إلى الأرجوحة وبدا لي أن عينيها تتأرجحان معها وقلبها يثب في صدرها مع كل دفعة، بدت وكأنها تتوق لاختبار هذه المتعة وخيل إلي أن يدها تراخت قليلا عن ثوب أمها، تمنيت من كل قلبي لو أنها تخطو خطوة واحدة لآخذ بيدها وأجلسها على الأرجوحة وأدفعها برفق لأتأمل ضفيرتيها تتأرجحان في الهواء.
تعب الشباب، وانحلت حلقة الدبكة وجلس أبي لاهثا يقلب سبحته وكأن رجع الأنغام ما يزال يتردد في رأسه .
لمع في الأفق فجأة نور ساطع كلهب شمعة يتلاعب بها الهواء، تبعه ظلام دامس غمر المكان بالسواد، لم يدم طويلا حتى تبدى نور تناثر فوق قمم الجبال من جهة الشرق بدأ يكشف المشهد رويدا رويدا،كانت المرة الأولى التي أشهد بها بزوغ الفجر.
أحد الرجال نهض من مكانه وهو يشمر عن ذراعيه ويقول: ” انه وقت الفجر “،تناول قارورة ماء وغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه، لم يحذ الجميع حذوه،أغلب المسافرين كانوا قد غطوا في النوم بعد أن عادوا لمقاعدهم في الحافلة،فقط ثلاثة شبان وولدين فعلوا كما فعل الرجل الكبير ,ثم وقفوا خلفه جاعلين الشرق على يمينهم مولين وجوههم جهة القرية ,متسمرين بلا حراك.
قالت أمي انهم يصلون للرب. كانوا يقفون باحترام بالغ كما نقف نحن في حضرة مدير المدرسة، وكان الرجل الكبير يقول شيئا بصوت عال بينما الأخرون منصتون.
لم نكن نتحدث عن الرب كثيرا في بيتنا، كنت أسمع أبي ينادي باسمه أحيانا عندما يريد النهوض أو الجلوس، لكنه في أوقات أخرى كان يتوجه إليه بعبارات غاضبة وحتى ببعض الشتائم،فقط عندما يتأخر المطر وتتشقق الأرض،أو عندما يتلف أبو مقص غراس البندورة التي تعب أبي في نصبها في الحقل، وكنت كثيرا ما أتساءل إن كان الرب الذي ينادي أبي باسمه هو نفسه الدي يتوجه إليه بالشتيمة أحيانا! ولكن لم يكن أبي في حقيقة الأمر من النوع الذي تُوجه إليه الأسئلة،الجماعة هنا بدوا أنهم يظهرون احتراما أكبر لربهم على أية حال.
الطفلة ذات الضفيرتين بلون ثمار الكاكا الناضجة أفلتت قبضتها عن ثوب أمها وهمت بخطوة نحو الأرجوحة،قفز قلبي من مكانه حالما رأيتها تقترب، وغمرتني همة عالية تكفي لزحزحة صخرة من مكانها، فجأة نعق بوق الحافلة مناديا على المسافرين،وأقبل عبود يمسح يديه بخرقة ملوثة ببقع النفط، قال أنه قد انتهى للتو من اصلاح العطل في المحرك وجلس على كرسي قريب يستريح.
بدأ المسافرون يلملمون أشيائهم ويستعدون للمغادرة،كانت الطفلة الصهباء قد أمسكت بحبل الأرجوحة عندما سحبتها أمها من يدها واتجهت بها إلى الحافلة .
دقائق معدودة وعاد كل شيء إلى طبيعته،هدأ صفير الحشرات بين الأعشاب وعلا صياح الديكة القادم من القرية وزقزقة العصافير بين الأغصان، كان أبي يجرجر قدميه إلى الداخل وأمي تعيد الكراسي إلى أماكنها، أخوتي أيضا أسرعوا إلى أسرتهم ليجبروا ساعات النوم التي فاتتهم ليلا.
نادت أمي علي بصوت مثقل بالنعاس:
” ادخل يا يحيي “
وحيدا وقفت في باحة الدار أتأمل المشهد محاولا استرجاع الصور التي تماهت مع ضوء الضحى، ولكن لم يكن ثمة شيء، عدا عن توقٍ يرفرف حول حبال الأرجوحة ورائحة رغبة غير منجزة تفوح في المكان،بدا كل شيء مألوفا للغاية، وكأن أحدا لم يمر من هنا! وكأن شيئا لم يكن!!!