منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”.. الحصن الأخير للهوية في زمن التسليع

عبد الغني منتصر

0

“وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”..
الحصن الأخير للهوية في زمن التسليع
بقلم: عبد الغني منتصر

​في زمنٍ تتسارع فيه خطى المادية الجافة، وتكاد العقلية الرأسمالية الاستهلاكية تأتي على كل ما هو روحي ومقدس، تبرز الشعائر الإسلامية كأوتادٍ راسخة تحفظ للمجتمع توازنه، وللأمة هويتها. إن تعظيم شعائر الله ليس مجرد أداء لطقوس تعبدية معزولة عن الواقع، بل هو مظهر من مظاهر اليقظة الروحية، وبنية تربوية واجتماعية تحمي الوجدان الجمعي من التحلل والاندثار.

​وحين يقرن الحق سبحانه وتعالى هذا التعظيم بتقوى القلوب في قوله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فإنه يضع أيدينا على حقيقة كبرى: أن معركة الحفاظ على الشعائر هي في أصلها معركة وعي وجودة إيمان، وأن أي مساس بمكانة هذه الشعائر في النفوس هو مساس بقلب التدين وجوهره.

​أولاً: من التعبد إلى “التسليع”.. تفكيك الأزمة الراهنة

​يواجه العالم الإسلامي اليوم تحدياً غير مسبوق، يتمثل في محاصرة شعائره الكبرى كالحج وعيد الأضحى بين مطرقة الأزمات الاقتصادية الخانقة، وسندان الخطابات المادية التي تحاول إفراغ الدين من محتواه التعبدي.

​لقد تحول الحديث عن الأضحية في الكثير من المنابر والمنصات من كونه حديثاً عن الامتثال والتقرب والوفاء لملة أبينا إبراهيم، إلى “حسابات مادية بحتة” تدور حول ثمن الكيلوغرام وقدرة الأسواق. هذا الاختزال المادي الخطير – وإن كان يتكئ على واقع اقتصادي مرير يعيشه المواطن – يعكس في عمقه تغلغلاً للفلسفة العلمانية والبرجماتية التي تقيس كل شيء بميزان الربح والخسارة والنفع المادي العاجل، متناسية القيمة الروحية والتربوية الكامنة وراء هذه الشعائر.

​ثانياً: الأعياد والمناسك.. معاقل ربط الأجيال بالدين

​إن الدين لا ينتقل بين الأجيال عبر نصوص جافة أو أفكار مجردة فحسب، بل يترسخ في وعي الناشئة عبر “الذاكرة الوجدانية المشتركة” التي تشكلها الشعائر.

​إن بهجة العيد، والتفاف العائلة حول الأضحية، وصوت التكبيرات المجلجلة في الآفاق، ومشاعر الشوق لبيت الله الحرام؛ هي الحصون الأخيرة المتبقية التي تربط جيل المستقبل بهويته وجذوره العقائدية في عالم مفتوح على التغريب والاستلاب الثقافي. وحين تُستهدف هذه المناسبات بدعوات المقاطعة، أو يُروج لتهوينها في النفوس بدعوى التكلفة المادية، فإننا لا نلغي طقساً عادياً، بل نهدم جسراً تربوياً حيوياً يربط أطفالنا بالمسجد، وبقيم التكافل، وبعمق الانتماء لهذه الأمة.

​ثالثاً: التكافل الاجتماعي.. الثمرة الحية للتعظيم

​لم يكن تعظيم الشعائر يوماً منفصلاً عن واقع الناس وحاجاتهم؛ فعيد الأضحى، على سبيل المثال، يمثل ذروة العمل الاجتماعي التكافلي خلال العام. من خلال هذه الشعيرة، تتحرك ملايين المبادرات الخيرية لتصل إلى الأسر المعوزة والمناطق النائية، حاملة معها ليس فقط الدعم الغذائي، بل شعور الأخوة والتلاحم الاجتماعي.

​إن التلويح بمقاطعة هذه الشعائر بسبب الغلاء، أو التباكي المصطنع على جيوب الفقراء الذي تمارسه بعض التيارات الأيديولوجية، لا يخدم الفقير في شيء؛ بل إن أول المتضررين من غياب هذه الشعيرة هم الفقراء أنفسهم، الذين ستجف من ورائهم روافد الدعم والتكافل التي ينتظرونها من العام إلى العام.

​رابعاً: واجب الوقت.. كيف نعظم شعائر الله اليوم؟

​إن مواجهة حملات التشكيك الممنهجة، والتغلب على ضغوط الواقع الاقتصادي الصعب، يتطلبان منا فقهًا جديدًا للتعامل مع الشعائر، يستند إلى الخطوات التالية:

  • إحياء فقه الشعائر في النفوس: إعادة إبراز المعاني الروحية والتربوية للأضحية والحج، والتأكيد على أن الله تعالى ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.
  • مواجهة التوجيه الإعلامي المادي: كشف زيف الخطابات التي لا تتذكر الفقر والفقراء إلا عند حلول مواسم الطاعة، في حين تلوذ بالصمت أمام مئات الملايين التي تُنفق على المهرجانات والحفلات الترفيهية الاستهلاكية.
  • تفعيل التضامن الجماعي: أن يتحول الغلاء إلى دافع لمزيد من التكافل، بحيث يبادر الميسرون وأصحاب السعة إلى إعانة الأسر المعوزة على إقامة هذه الشعائر، لتبقى راية التوحيد خفاقة، وتبقى شعائر الله عزيزة في مجتمعاتنا.

​خاتمة

​إن تعظيم شعائر الله هو صمام الأمان الأخلاقي والروحي للأمة، وهو خط الدفاع الأخير عن هويتها في وجه عواصف العولمة المادية. وإذا كانت القلوب التقية هي التي تعظم هذه الشعائر، فإن بقاء الأمة مرهون ببقاء هذا التعظيم حياً في النفوس، نابضاً في السلوك، متوارثاً بين الأجيال؛ لتظل الأمة موصولة بربها، مستعصية على التذويب والمسخ الثقافي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.