وماذا بعد الشهر الكريم؟
د. شعبان رمضان محمود مقلد
وماذا بعد الشهر الكريم
د. شعبان رمضان محمود مقلد
أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الجوف سابقا
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله – صلى الله وسلم وبارك عليه – وعلى آله وأصحابه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أما بعد
بداية: تقبل الله مني ومنكم الصلاة والصيام والقيام وسائر الأعمال ، وندعو جميعا بالدعاء الوارد في الأثر : (تقبل الله منا ومنكم) (أخرجه ابن عدي في (الكامل:6/271)، والبيهقي في (السنن الكبرى: (3/319
ثم ليسأل كل منا نفسه بعد أن ودعنا الشهر الكريم: هل تحققنا بالتقوى ؟ هل تخلقنا بخلق الصبر ؟ هل جاهدنا أنفسنا ؟ هل تغلبنا على العادات السيئة ؟ وبالجملة: هل غير الصيام فينا شيئاً ؟
إذا كانت الإجابة ب (نعم) فلنحمد الله – عز وجل – ونشكره على نعمه ، ولنحافظ على هذه الصلة التي وثقناها بربنا – تبارك وتعالى – فمن علامات القبول وحصول التقوى الاستمرار على الطاعة والعبادة بعد رمضان، وعدم الاغترار بما حصل من الطاعات لأن الاغترار قد يحبط العمل، “وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ” (المدثر: 6) ، ولكن لنجتهد أكثر حتى يزيدنا ربنا “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ…..” (إبراهيم:7)، والمؤمن يظل قلبه وجلاً يخشى عدم القبول “وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ” (المؤمنون: 60) ، ولا نتقهقر إلى الوراء في العبادة، فمن كان يومه مثل أمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون، ولنحرص الآ نكون كمن قال الله فيهم: “ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً” (النحل:92)
كما أن الاستمرار على الطاعة والعبادة غالبًا ما يكون سببًا لحسن الخاتمة، كما قال النبي ﷺ: (إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله قبل موته قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) (أخرجه الترمذي (2142)، وقال: حديث حسن صحيح)
أما إذا كانت الإجابة ب (لآ) فلا نيأس ولنرجع إلى الله سراعاً، لأن رب رمضان هو رب شوال وهو رب كل الشهور ، وباب التوبة لا يزال للعبد مفتوحاً حتى يغرغر ، والله سبحانه يقول: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” (الحجر:99)، وفي الصحيح : (يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟) (أخرجه البخاري برقم (1145)، ومسلم برقم (758))، وكما يقال : ما تأخر من بدأ، ولو صدق العبد منا النية في التوبة والرجوع لأمدنا الله بكثير من النفحات، سواء في الأيام أو في الأعمال .. إلخ
والفرص ما تزال أمام العبد منا سانحة في الاستقامة والاستغفار والصيام والقيام وتلاوة القرآن وصلة الرحم والصدقة، حيث يقول – سبحانه – : “فاستقيموا إليه واستغفروه”، “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون” (الأنفال:33)، وباب الصيام ما يزال مفتوحا فهناك صيام النوافل: ( كالست من شوال )، (والثلاثة أيام البيض من كل شهر) ( والاثنين، الخميس )، ( ويوم عاشوراء )، ( ويوم عرفه ) وغيرها، وقيام الليل مشروع في كل ليله: وهو سنة مؤكدة حث النبي – ﷺ – على أدائها بقوله: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد ) (رواه الترمذي في صحيحه وأحمد في مسنده)، وفي الحديث عن النبي – ﷺ – أنه قال : (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)، (أخرجه مسلم: (1163) وقد حافظ – ﷺ – على قيام الليل، ولم يتركه سفراً ولا حضراً ، وقام – ﷺ – وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطّرت قدماه ، فقيل له في ذلك فقال: ( أفلا أكون عبداً شكوراً) (متفق عليه)
وامتدح ربنا – تبارك وتعالى – من دأبهم قيام الليل وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى:” أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب” (الزمر:9)
وقرآننا الكريم معنا – إن شاء الله – ما حيينا والثواب على قراءته وتدبره لا ينقطع “إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور” (فاطر: 29)، وفي الصحيح: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول “أ لم” حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) (رواه الترمذي)
وصلة الرحم في كل وقت وحين، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله، “فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم” (محمد:22)
كما أن باب الصدقات مقتوح فهناك صدقة التطوع ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وكل هذا لا يتوقف على زمن بعينه.
هذا ما أردت أن أذكر نفسي وإخواني وأخواتي به علنا نكون بالله موصولين حتى نلقاه غير ضالين ولا مضلين .. جعلني الله وإياكم من التوابين الأوابين.