منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ

فاطمة العلوي الطالبي

0

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ  وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ)[1]

هذه الآية نزلت في قارون وهو ابن عم سيدنا موسى عليه السلام، وكانت له ثروة عظيمة فاغتر بثروته وطغى وتجبر على قومه  واستخف  بالدين ونسي خالقه، فوعظه  قومه لعله يرجع عن طغيانه لكنه زاد في تجبره فأهلكه الله بالخسف[2].

“بعد أن ذكر سبحانه حديث أهل الضلالة وما يلقونه من الإهانة والاحتقار يوم القيامة، ومناداتهم على رؤوس الأشهاد بما يفضحهم ويبين لهم سوء مغبتهم. أعقبه بقصص قارون، ليبين عاقبة أهل البغي والجبروت في الدنيا والآخرة، فقد أهلك قارون بالخسف، وزلزلت به الأرض، وهوت من تحته، ثم أصبح مثلا يضرب للناس في ظلمه وعتوّه، ويستبين لهم به سوء عاقبة البغاة، وما يكون لهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة. فيندمون على ما فعلوا.”[3]

(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة): “واطلب فيما أعطاك الله من الأموال الدار الآخرة، فأنفقه فيما يرضاه الله، لا في التجبر والبغي.”[4]

(وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) :”قال جمهور المفسرين: هو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره وعمله الصالح. قال الزجاج: معناه لا تنس أن تعمل لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته، وقال الحسن وقتادة معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك اياه، وهذا ألصق بمعنى النظم الفرآني.”[5]

قال القشيري: “ليس النصيب من الدنيا جمعها ومنعها وإنما النصيب منها ما تكون له فيه فائدة بحيث لا يعقب ندما ولا يوجب في الآخرة عقوبة. ويقال النصيب من الدنيا ما يحمل على طاعته بالنفس، وعلى معرفته بالقلب وعلى ذكره باللسان وعلى مشاهدته بالسر”[6].

(وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ): “والإحسان الذي أمر به إنفاق النعمة في وجوه الطاعة والخدمة ومقابلته بالشكران لا بالكفران”[7]

(وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ) أي ولا تصرف همتك، بما أنت فيه إلى الفساد في الأرض، والإساءة إلى خلق الله.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “يستشهد بعض عامة الفكر، عامة العلم، عامة الإيمان، بآية {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}،  في معرض التشجيع على المتعة والشهوة، يخرجون الجملة من سياقها، وقد وردت في خطاب قوم مظلومين إلى ظالمهم يناشدونه الحق أن لا يتعدى حقه ونصيبه فيستحوذ على حقهم ونصيبهم.”[8]

“هذا قارون غني مترف يدعوه قومه للإيمان وبذل بعض ماله لله. لكنهم لا يريدون إزعاجه عن الدنيا، وهو ابن من أبنائها، إزعاجا يكره إليه الإيمان والبذل في سبيل الله، فلوحوا له بنصيبه من الدنيا.”[9]

“ولكل مسلم حق في الدنيا: ما به يصلح شأنه، وما به يؤدي الحقوق المشروعة، وما به يمهد لآخرته، فإن الدنيا مطية المؤمن إلى الآخرة كما جاء في الأثر”.[10]

روى الترمذي أن رسول الله قال: ” من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا.”[11]

وأهم ما يوجهنا في هذا الأمر وصية سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه حيث قال: ” إنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما، ويزول معك حيثما زلت. وقد قال الله تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا»: لا تترك نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة، لأنك من هاهنا تكتسب الحسنات فتكون هنالك من المحسنين.”[12].

وقال بعض السلف: أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل”[13]


 سورة القصص، الآية 77[1]

 ينظر تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، ج20 ص 175.[2]

 تفسير المراغي، ج20، ص92[3]

 الشوكاني، فتح القدير، ص1110[4]

 فتح القدير، ص 1110[5]

 القشيري، لطائف الإشارات، ج3، ص81[6]

 لطائف الإشارات، ج3، ص 81[7]

 الأستاذ عبد السلام ياسين، “في الاقتصاد”، ص206[8]

 الأستاذ عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي، ص364،[9]

 الأستاذ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 364[10]

 رواه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، ح 2346، ورواه البخاري في الأدب المفرد، ح 300. [11]

 أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين،ج2،ص94.[12]

 المصدر نفسه، ج2، ص 94.[13]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.