منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“وعجلت إليك ربي لترضى”

"وعجلت إليك ربي لترضى"/ ذ. الهلالي نور الدين

0

“وعجلت إليك ربي لترضى”

ذ. نور الدين الهلالي


تـــقـديم:

قال الله تعالى في سورة طه: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾…

آية قرآنية، قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تحمل في طياتها شوقًا صادقًا، ومحبةً خالصة، وحرصًا على رضا الله يفوق كل انتظار. جاءت هذه الآية في سياق قصة نبي الله موسى عليه السلام حين واعده الله تعالى للقاءٍ عظيم عند جبل الطور ليتلقى الألواح والكلام الرباني. ترك نبي الله موسى عليه السلام قومه خلفه، واستحثّ الخطى صاعداً الجبل ،يسبقه قلبه قبل قدميه شوقاً للقاء ربه. وعندما سأله الله عز وجل وهو أعلم به: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ﴾، أجابه بلسان المحبّ المشتاق الذي يرى في السرعة وسيلة، وفي الرضا غاية، فقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾.

1-(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)  :عنوان المسارعة

     دلت هذه الآية على أن طلب رضا الله تعالى يكون في المسارعة إلى طاعته ،كقوله تعالى : {فاسْعَوا إِلى ذكر الله} (الجمعة: 9)، وقوله تعالى : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (آل عمران : 133)، وقوله تعالى : {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (الحديد : 21)، وقوله تعالى : {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة : 148] ،  وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ  أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }  الواقعة(10-12). وفي سنن أبي داود وغيره (عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :” التُّؤَدَةُ فِى كُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ فِى عَمَلِ الآخِرَةِ “. فالمسارعة ، والمسابقة ، والعجلة تعني المبادرة بفعل الأوامر في أول وقتها دون توان ولا فتور ، ولا تراخ. ومن تمكنت محبة الله من قلبه ، وامتلأ بهجة وسروراً بعبادة ربه ، وسكينة وطمأنينة بذكره ، فهو الموفق إلى منازل الأبرار والسعداء ؛ فإنه لا سعادة له ، ولا راحة بال إلا بالمبادرة إلى طاعته ، وامتثال أمره حتى يلقاه ،ويعرف أن العمر قصير، والأجَل قريب، وابن آدمَ لا يَدرِي متى يدركه الموت ،فإن السبق هناك ، على قدر السبق هنا.

2-وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى”: شعار المؤمن في استقبال رمضان

يحمل قول نبي الله موسى عليه السلام “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى” [سورة طه: 84] أصدق معاني الشوق والمسارعة إلى طلب رضا الله سبحانه وتعالى . لقد كان موسى عليه السلام مشتاقاً لمناجاة ربه، فسبق قومه إلى الميقات، معتذراً بأن باعثه على هذه العجلة هو رجاء رضوان الله . وهذه الروح ذاتها هي ما ينبغي أن يستقبل بها المؤمن شهر رمضان؛ فهو موسم عظيم للقربى والمناجاة، يستعجل فيه المسلم فعل الخيرات، ويبادر بالتوبة، ويسارع إلى الصلاة والقيام وتلاوة القرآن، كل ذلك وغايته الكبرى أن ينال شرف رضا الله ومغفرته . فكما أن العجلة محمودة إذا كانت في سياق المسارعة إلى الخيرات وطلب رضوان الله ، فليكن شعارنا في هذا الشهر الفضيل مستلهماً من هذه الآية الكريمة: “وعجلت إليك رب لترضى”، فكما كان لموسى عليه السلام “موعدٌ” في الطور ينتظره بشوق وعجلة، فإن لنا نحن المسلمين “موعدًا” سنويًا مع الرحمن في شهر القرآن .فهل نستقبل هذا الموعد بالعجلة نفسها التي استقبل بها موسى عليه السلام ربه؟ أم أننا نتكاسل ونتثاقل حتى تفوتنا غنائم الشهر الفضيل؟

خاتمة:

إن شهر رمضان هو موعدنا مع الله كما كان الطور موعداً لموسى هو الميقات الذي نعتكف فيه عن الدنيا، ونخلو فيه بالرحمن، ونناجي فيه الملك الديان. فأي خسارة أعظم من أن يأتي رمضان ويذهب، ونكون فيه من المتكاسلين الغافلين؟ وأي فوز أسمى من أن نستقبله بقلوب مشتاقة، وأرواح متطلعة، وهمم عالية، قائلين بلسان الحال والمقال: “وعجلت إليك رب لترضى”؟ فلنستلهم من عجلة موسى عليه السلام روحَ المبادرة، ولنجعل من “الرضا الإلهي” البوصلةَ الوحيدة التي توجه سفينة استعدادنا قبل أن تبحر في بحر رمضان المبارك.

اللهم اجعلنا ممن يدركون رمضان، ويُدركون فيه رضوانك والعتق من نيرانك. آمين آمين يارب العالمين

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.