منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الميتة المشرّفة

الميتة المشرّفة/ الدكتور خالد العسري

0

الميتة المشرّفة
بقلم: الدكتور خالد العسري

– سنة 1962 ولد، وفي عمر 62 ارتقى إلى عليين، مقبلا غير مدبر، شجاعا غير رعديد، متقدما لا متأخر… متأبطا رشاشه، ومسدسه، وطلقات رصاص، وبضع رمانات أو قنابل يدوية… هذه هي “ترسانته العملاقة” التي واجه بها مع صحبٍه وإخوانه مدة عام كيانَ روح الشر بترسانته التدميرية الوحشية إلى أقصى ما يمكن تصوره، يمد الحبل السري لروح الشر بدون انقطاع أمريكا، ومن ورائها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومن ورائهم كندا وهولاندا وإيطاليا… ومن وراء الوراء أنظمة أعرابية مطبعة فرحتها باستشهاد المفخرة السنوار توازي فرحة الكيان أو تضاهيه.

-رحل السنوار بعد أن رسم للأجيال القادمة معاني العظمة والمجد والجلال والهيبة والعزة والتحدي، فإذا بكل هذه العناوين مجتمعة في شخص واحد: يحيى السنوار.

– يحيى، الذي اعتقل مذ كان في نهاية العقد الثاني من عمره، وما زال من سجن إلى آخر حتى حكم عليه بأزيد من أربعة قرون سجنا في معتقلات روح الشر. وإن سمعت إلى شهادات سجانيه حدثوك عن أنفة غير معهودة، وإلا كيف يمكنك أن تبتلع شهادة محقق معه اعتقد في لحظة أن السنوار هو من يحقق معه؟ وكيف يمكنك أن تبلغ ثقة السنوار وهو يقول بيقين مخيف للمحقق: غدا تنقلب الأدوار، فأصبح مكانك وتصبح مكاني!؟ ورغم محاولات كسر إرادته بالسجن الانفرادي الذي قضى فيه أربع سنوات إلا أنه ظل بشهادتهم: عنيد يستحيل كسره.

– بعد خروجه من المعتقل كان الجسرَ الرابط بين الجناح السياسي لحركة م إ وجناحها العسكري. ففيه اجتمع دهاء السياسي، وصلابة الجندي. ومَثَّلَ دهاءَ السياسي في قيادته لملف التفاوض عن الأسرى في الحركة، وتمثلت صلابته في صورته التاريخية على كرسيه وهو يتحدى روح الشر بقصفه، وهو يضع رجلا على رجل في الشارع العام. صورته تلك زرعت في أبناء فلسطين معنى التحدي. أما صورته وهو يودع فستزرع في الأجيال معاني الإقدام والاقتحام والهجوم على الموت لتحيى أمة.

– يعتبر يحيى من قِبَلِ أعدائه وناصريه أنه من أكبر مهندسي يوم السابع من أكتوبر المجيد، وفيه استطاع شباب غزة أن يحرروا أجزاء من أرضهم ولو لأربعة وعشرين ساعة. من كان يظن ذلك ممكنا ولو في الحلم! لكن السنوار لا ينسى أرضه التي هُجٍّر منها أجداده سنة 1948، فأصوله من عسقلان (تسمى اليوم مغتصبة أشكول)، لذلك يستحيل في منطقه أن يقبل مرة أخرى بالتهجير، وما البديل يا يحيى: التحرير.

-تحريرها ممكن، هذا ما أيقنه السنوار. وفي السابع من أكتوبر كان العنوان: تحريرها قد بدأ. وسيكتب التاريخ بعد عقود من اليوم؛ كيف غير مهندس السابع من أكتوبر مسار روح الشر، والذي بعد أن ظن أنه في لحظة انتشار بلا انقطاع مع زيادة قطعان المطبعين، إذ طعن السنوار مركز قوته، وركعته غزة التي لا تتجاوز مساحتها كلها مدينة كبرى.

– يحيى السنوار غامر باقتدار من أجل مسيرة التحرير، وفي طياتها: نصرة الأقصى، والدفاع عن القدس، وحرية الأسرى، ورفع الحصار، ووقف قطار التطبيع، وتغيير قواعد الاشتباك مع الكيان الغاصب.

– هنيئا لك رقيك شهيدنا المقدام، وهنيئا للأجيال اللاحقة بمثال السنوار، والذي في مثله قال المتنبي:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ  **** فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.