منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تخصيص زكاة الفطر لأهلنا بغزة

تخصيص زكاة الفطر لأهلنا بغزة/ الأستاذ عثمان غفاري

0

تخصيص زكاة الفطر لأهلنا بغزة

بقلم: الأستاذ عثمان غفاري

 شرعت زكاة الفطر لحِكَمٍ عديدة منها: تطهير للصائم من الكلام الذي يخرج عن حدّه، وجبران نقص الصوم؛ وإغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد؛ وأداء شكر الله تعالى على نعمة الصحة، والحياة، وبلوغ رمضان بكامله؛ وهذا ما بينه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما حين قال : “فَرَضَ رسولُ اللهِ صدقةَ الفطرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفثِ، طُعْمَةً لِلْمَساكِينِ، فمَنْ أَدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهيَ صدقةٌ مِنَ الصدقةِ”.

وكلما دنا عيد الفطر يطفو على بحرنا الزاخر بالجدل؛ مجموعة من الإشكالات والتساؤلات من قبيل:

هل نؤديها حبوبا أم نقودا؟! وهل نوسع وقت إخراجها أم نضيقه؟!
وهل تخرج في بلد المزكي أم يجوز إخراجها في بلاد أخرى لحاجة أو مصلحة؟!
وازداد لهذا العام تساؤل آخر فرضته حرب الإبادة التي تشن على إخواننا في غزة،
وما ترتب عنها من تجويع وتفقير ومعاناة، تساؤل مفاده:

أليس أهلنا في غزة هم الأولى بزكاة الفطر لهذا العام؟!

ومع هذا الطوفان من التساؤلات والعزمات والاقتراحات، سيبدأ مهرجان حشد الآثار وسباق تكديس الأقوال، مع ما يتخلل ذلك من تقعر ممجوج، واستعراض القدرة على تجميع نُتف الكتب ونُقَل الكُتّاب، بلا سعي للتجديد والترشيد والتجويد بتعبير الدكتور ونيس المبروك.

وعموما فإن المسائل المطروحة أعلاه تندرج ضمن الاختلاف الفقهي الفروعي الذي لا يجب فيه الإنكار، بل يندب فيه الدفاع عن الاختيار الفقهي بالحكمة العقلية والرحمة القلبية والحضور المسؤول، دون نكير على مخالف أو تقديس لموافق، ولا فتنة للعامة بجزئيات عابرة واختلافات مُعتبرة، فالأصل الأصيل الذي لا يختلف فيه اثنان هو التقرب لله تعالى بزكاة الفِطر، والحرص على مراعاة حِكمها، فالأمور بالمعاني لا بالمباني، وبروح التشريع لا شبحه، الجامد على أشكال متجاوزة وصيغ محنطة، وبدائل قاصرة، وسأتطرق بمشيئة الله في هذه العجالة لمسألة واحدة أراها تكتسي طابع الأهمية والاستعجال، ألا وهي تخصيص زكاة الفطر لأهالينا في غزة.

وهذه المسألة متفرعة عن مبحث مكان دفع زكاة الفطر، والمقرر فيه هو البلد الذي يعيش فيه المسلم، ولكن أفتى كثير من العلماء القدامى والمحدثين، وعلى رأسهم الهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة، بجواز نقلها لمصلحة شرعية راجحة‏، ومن وجوه المصلحة للنقل نجد:

أ – نقلها إلى مواطن الجهاد في سبيل الله‏.‏

ب – نقلها إلى المؤسسات الدعوية أو التعليمية أو الصحية التي تستحق الصرف عليها‏.‏

ج – نقلها إلى مناطق المجاعات والكوارث التي تصيب بعض المسلمين في العالم‏.‏

د – نقلها إلى أقرباء المزكي المستحقين للزكاة‏.‏

كل ذلك مع ضرورة الاحتراز من الوقوع في المحظور، بمراعاة مجموعة من التدابير الإجرائية في حالة تبني خيار التنقيل من قبيل: تعجيل الإخراج عن الوقت المقرر، شريطة ألا تقدم على أول رمضان‏، وكذا احتمال تأخر وصولها للمعني بعد إخراجها من الذمة في الوقت المناسب، مراعاة للمدة التي يقتضيها النقل‏.‏

وجدير بالتنبيه أن كل الدواعي الموجبة للنقل والمشار إليها أعلاه، اجتمعت في حالة المنكوبين والمضطهدين في غزة رمز العزة عجل الله بنصرهم وفرج عليهم كل مكروب، وبناء على ذلك نجد  كثيرا من العلماء العاملين المشهود لهم بالعلم والصلاح، وكثيرا من الهيئات العلمائية المعتبرة، قد أفتت بتخصيص زكاة الفطر لهذا العام لأهلنا في غزة، ومن هؤلاء نجد العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو، حيث دعا العالم الموريتاني البارز، المسلمين إلى توجيه زكاة الفطر هذا العام إلى أهل غزة، مؤكدًا أنهم الأحق بها نظرًا للظروف الصعبة التي يمرون بها، وأشار إلى أن سكان غزة يعانون من أوضاع إنسانية قاسية، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، مما يجعلهم في أمسّ الحاجة إلى الدعم والمساندة.

وعلى نفس النهج صار الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين العلامة المغربي أحمد الريسوني، حيث قال: إن ما يجري في فلسطين “جهاد قد استجمع كل الدواعي والموجبات، وانتفت فيه كل المحاذير والتحفظات، وسقطت فيه كل الأعذار والتعِلات”، مضيفا أن للضرورة أحكام.. والحالات الاستثنائية لا بد أن يُـقدر لها قدرُها، ويفتى فيها بخصوصها، وحالة إخواننا في فلسطين، قد استجمعت كل معاني الضرورة، وكل أشكالها ودرجاتها، فهي حالةُ رباط وجهاد وذبٍّ عن حوزة الإسلام والمسلمين، وعن المسجد الأقصى المبارك، وهي ليست حدثا عابرا أو مؤقتا، بل هي حالة ممتدة في الماضي والمستقبل، إلى أجل غير مسمى. وهي – حتى الآن – لا تزداد إلا شدة وقساوة وبأسا.. وبناء عليه، دعا الدكتور الريسوني إلى أن يحظى أهل فلسطين عموما وغزة خصوصا بالأولوية القصوى، في أموال الزكاة.. فجميع مصارف الزكاة موجودة في فلسطين وفي أهل فلسطين. وبعض مصارف الزكاة لا توجد الآن إلا في أهل فلسطين. فمن خص المجاهدين وأهل فلسطين بزكاته، أو بشطر زكاته، أو بأي جزء منها، فهو على هدى من ربه، وعلى بينة من دينه، كما أفتى بجواز بذل ثمن الأضحية لهم، فذلك مبرئ ومجزئ، وزيادة. وفيه أضحية وتضحية، ونسك وجهاد.

ومن العلماء الذين أفتوا بذلك نجد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية المصرية، حيث أورد  في رده على سؤال تلقاه من شخص يقول: ما حكم إخراج زكاة الفطر لأسر شهداء الشعب الفلسطيني في غزة هذه الأيام؟ وذلك بسبب الظروف القاسية التي يمرون بها من جراء الاعتداء الغاشم عليهم من العدو الإسرائيلي، “أن الزكاة شُرعت أصالةً لأجل بناء الإنسان وسد حاجاته وكفاية متطلبات معيشته، فإذا تعلق الأمر باستبقاء المُهَج واستنقاذ الأرواح، ومواجهة خطر الجوع والعطش والمرض -كما هو حال أهلنا في غزة في فلسطين في هذه الآونة، نصرهم الله على أعدائهم، كان الأمر آكد”، وأضاف في فتواه عبر بوابة دار الإفتاء الرسمية: “إن توجيه الزكاة بنوعيها، زكاة المال وزكاة الفطر ونقلها إليهم جائز شرعًا، ولا حرج في ذلك، شريطة أن يكون ذلك عن طريق القنوات الرسمية والقانونية والمعتمدة، ضمانًا لوصول الأموال إلى مستحقيها”

ومن المؤسسات العلمائية التي أصدرت فتاوى في نفس المنحى كان مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء الليبية، حيث دعا جميع المسلمين في ليبيا، إلى صرف زكاة الفطر هذا العام إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، “بالنظر إلى المجاعة التي يتعرّضُ لها أهلُ غزة، بسببِ الحصار الذي يفرضُه العدوُّ على القطاع”، وأوضح البيان الصادر عن المجلس أن “نقلَ الزكاة إلى مَن هو أشد حاجة من المسلمين، هو مذهبُ الإمامِين مالك وأبي حنيفة رحمهما الله. لقول الله تعالى: {إنَّمَا الصّدَقَاتُ للفقَراءِ والمسَاكِين}، فلفظُ الآية يعمُّ فقراءَ كلّ بلادِ المسلمين، “ولأنّ معاذًا رضي الله عنه كان ينقلُ الصدقة مِن اليمن إلى المدينةِ، لأن أهل المدينةِ كانوا أحوج إليها من أهل اليمن. ولأنّ المقصود من الزكاة سدُّ الخَلّةِ، ومَن كان أحوجَ كانَ أوْلى بها”، ولم يكتفي المجلس بالدعوة فقط، بل حدد تدابير عملية وآجال زمنية لتفعيل هذه الفتوى عمليا.

وقد تبع هذا الاختيار الفقهي كثير من الحملات الشعبية، والمشاريع الميدانية، المنظمة للصدقة  في شهر رمضان، لتأمين الغذاء والدواء لأطفال ونساء قطاع غزة الذي يتعرض لحرب إبادة مدمرة منذ عام ونصف تقريبا.

وإلى هذا الأمر ندعو كذلك، مع توجيه لمن كان ميسورا واستطاع أن يجمع بين الحسنيين، إلى إخراج زكاة الفطر في البلد والأضحية مع الأهل من جهة، وأن يرسل زكاة الفطر وثمن الأضحية إلى أهلنا في فلسطين، فذلك أتم وأفضل، والله المستعان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.