منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تسوية الجابري بين دين الإسلام وغيره من الأديان

0

بعد ظهور الصحوة الإسلامية المباركة في النصف الثاني من القرن الماضي معلنة بذلك إفلاس جميع النظريات البشرية، وبعد تأكد أصحاب جميع التوجهات والنظريات المخالفة للإسلام من قومية وليبرالية وشيوعية أن الشعوب الإسلامية لا تقبل بغير الإسلام ولا ترضى عنه بديلا اتجه كثير من الحداثيين إلى دغدغة عواطف جموع المسلمين بالحديث عن الإسلام، والاحتجاج على نظرياتهم بالقرآن الكريم، وتأويل آياته بشكل يبدوا أنه ناتج عن قصور في الفهم وتقصير في الإدراك، وتوسيع دائرة الإسلام لتشمل كل الأديان فلا يبقى بين الناس كافر من أهل النار، بدليل أن » اصطلاح ” الإسلام “[1] يعني الاستسلام والخضوع ويكتسي في الحقل الدلالي العربي الخضوع لسلطة جماعة أو دولة . وهكذا لم يبدأ استعمال هذا اللفظ في القرآن إلا بعد أن صار من كانت تدعوهم قريش ” أتباع محمد ” جماعة يجمعها كونها أتباع رئيس معين هو النبي عليه السلام من جهة وانفصالها عن قريش من جهة أخرى« [2].

أما الأحكام المبثوثة في كتب المفسرين والفقهاء والمحدثين والمتعلقة باليهود والنصارى فليست لها أي حجية، لأنها صدرت عن أشخاص واقعين تحت تأثير الصراع التاريخي السياسي والعسكري، ف »علاقة الإسلام بكل من اليهودية والمسيحية فهي – كما تتحدد بنص القرآن وليس كما يفهمها المفسرون والدعاة الواقعون تحت تأثير الصراع التاريخي، السياسي والعسكري ، الذي شهده تاريخ الديانات الثلاث – علاقة تحكمها شجرة نسب واحد[3] : جذعها المشترك إبراهيم الخليل ، شيخ الأنبياء ، وفروعها الأنبياء المنحدرون من صلبه : قال تعالى : »   قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىا وَعِيسَىا وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَّبـِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون«[4][5].

أما بعثة محمد – صلى الله عليه وسلم – وبداية دعوة الإسلام من جديد بعد فترة من الزمن فليس الغرض منها إبطال الديانات السابقة، لأن » ذلك الحدث التاريخي الذي دشن عهدا جديدا في تاريخ البشرية ، عهدا قوامه قيام دين سماوي جديد – إلى جانب اليهودية والنصرانية – سرعان ما أنشأ عالما جديدا هو ما يعرف اليوم بالعالم الإسلامي « [6]، فالإسلام جاء لينشأ عالما جديدا خاصا به ! وليس للقضاء والظهور على الأديان السابقة !، لأن هذا مخالف للتعدد الديني باعتباره ظاهرة طبيعية، ولتأكيد هذا المعنى يستشهد الجابري على صحته بقوله تعالى: ” إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَىا وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ “[7]، ثم يذهب الجابري في تعليقه على هذه الآية إلى أن» المقصود من هذا إبراز كون تعدد الديانات ) إسلام ، يهودية ، نصرانية ، صابئة ، مجوس ، وثنية..ظاهرة طبيعية ، كل يطلب الله على طريقة خاصة ، كل يدعي أنه على حق :  » إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ « . وهذا اعتراف بهذه الديانات كواقع ، أما مسألة الصحة والخطأ ، فمتروكة لله « [8].

ومن العجائب غير المسبوقة أن يصبح القرآن الكريم – وهو كتاب الإسلام – حجة على التسوية بين الإسلام وغيره من الأديان، وليس بأغرب من هذا التصريح بأن القرآن يسوي بين المؤمنين بالنصرانية وبين المؤمنين بالإسلام، ففي تقديمه لسورة البروج يقول الجابري: »فالقرآن يسوي هنا بين المؤمنين بالنصرانية وبين المؤمنين بالإسلام، باعتبار أنهم جميعا يؤمنون بالله . وقد سبق من قبل التأكيد على أن ما يقرره القرآن موجود في صحف إبراهيم وموسى « [9].

وحتى الآية التي جاءت بصيغة الحصر ولم تترك مجالا للاحتمال أو التأويل في قوله تعالى :  » وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ «[10] ، أولها الجابري تأويلا متعسفا، بل حرفها كتحريف اليهود والنصارى لكتبهم، فبعد أن ذكر أقوال جماعة من المفسرين علق الجابري على هذه الآية بقوله :  »وبالتالي فالمعنى الذي نرجحه هو كما يلي : ومن يتبع دينا غير منزل من الله ) التوحيد ، شرع الله ( فلن يقبل منه. بمعنى أن من يتبع دينا غير دين إبراهيم فلن يقبل منه . وهذا ما يفيده السياق ويشهد له الواقع ، فقد اعترف الإسلام باليهودية والنصرانية وفرض على أهلهما الجزية في مقابل الزكاة« [11] .

لقد بنى الجابري هذه الخلاصات التي توصل إليها على مجموعة من الأوهام التي يمكن إجمالها فيما يلي :

1 – اعتبار إبراهيم عليه السلام جذعا مشتركا تلتقي عنده اليهودية والنصرانية والإسلام على حد سواء .

2 – اعتبار القبول بعيش اليهود والنصارى على أرض الإسلام اعتراف بدينهما وإقرار لهما على ما هم عليه .

3 – اعتبار فرض الجزية على أهل الذمة جاء في مقابل الزكاة المفروضة على المسلمين سواء بسواء .

4 – اعتبار الإسلام مجرد خضوع لسلطة جماعة أو دولة وبالتالي فخضوع أهل الذمة للدولة الإسلامية يدخلهم في دائرة الإسلام .

وقبل الرد على هذه الأوهام الجابرية أود التنبيه إلى أن الدين عند الله تعالى واحد وليس متعددا، وأن المتعدد هي الشرائع التي يجيء بها كل نبي بما يناسب قومه زمانا ومكانا، حتى اكتملت ببعثة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – فعمت شريعته كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وهذا الدين الواحد هو الإسلام مصداقا لقوله تعالى :  » إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ «[12] ، فهذا إخبار من الله تعالى وبصيغة الحصر بأنه لا دين يقبل عنده تعالى من أحد من الناس غير الإسلام، الذي يعني إتباع الرسل الكرام فيما بعثهم الله به في كل زمان ومكان ، حتى ختمهم الله تعالى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد الله تعالى به جميع الطرق إليه إلا من جهته عليه السلام ، فمن لقي الله تعالى بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدين غير دين الإسلام أو بشريعة غير شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو عليه رد، وليس عند الله  تعالى بمقبول، مصداقا لقوله جل وعلا :  » وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ « [13] .

أما الزعم بأن إبراهيم عليه السلام يعتبر جذعا مشتركا تلتقي عنده اليهودية والنصرانية والإسلام فكذب واضح وبهتان صريح سبق إليه اليهود والنصارى من قبل ، والجابري هنا فقط يردد صدى تلك الدعاوى التي بهت القرآن الكريم أصحابها وردها عليهم ردا واضحا وصريحا لا يحتمل التأويل في غير ما آية من كتاب الله تعالى، فعن عامر ، قال : ” قالت اليهود : إبراهيم على ديننا ، وقالت النصارى : هو على ديننا ، فأنزل الله عز وجل ” : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[14] ، ” فأكذبهم الله ، وأدحض حجتهم ، يعني اليهود الذين ادعوا أن إبراهيم مات يهوديا [15]“.

فهذه الآية صريحة في نفي أي علاقة بين إبراهيم عليه السلام وبين اليهودية والنصرانية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال[16]: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله تعالى: ” يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالاِنجِيلُ إِلاَّ مِنم بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ هَآ انتُمْ هَؤُلآَءِ حَاجَجْتُم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [17]“، فالله تعالى ينكر هنا على اليهود والنصارى محاجتهم في إبراهيم الخليل، ودعوى كل طائفة منهما أنه كان منهم وهم يكفر بعضهم بعضا ، إذ كيف تدعون، أيها اليهود أن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا، وقد كان زمنه الذي بعث فيه قبل أن ينزل الله تعالى التوراة على موسى عليه السلام ، وكيف تدعون، أيها النصارى، أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر طويل، ثم أنكر عليهم جل وعلا محاجتهم فيما لا علم لهم به ، لأن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم عليه السلام  بلا علم ولا سلطان مبين  وزعمت كل طائفة أنه منهم وهم يكفر بعضهم بعضا فدل ذلك على أنهم جميعا منحرفون عن دين إبراهيم مخالفون لملته، وبالتالي ف » إِنَّ أَوْلىَ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيءُ وَالذِينَ ءَامنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ « [18]، وعن عبد الله بن مسعود، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليلي إبراهيم ” ثم قرأ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين [19]” .

وبهذا يتبين أن اليهود والنصارى لا علاقة لهم بدين إبراهيم عليه السلام، وأنه ليس كل من انتسب إلى إبراهيم الخليل – عليه السلام – فهو صحيح النسب، إذ ذرية إبراهيم منهم مؤمن وكافر، مصداقا لقوله تعالى :  » وَإِذ اِبْتَلَىآ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيـَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ « [20]، وقوله تعالى :  » سَلاَمٌ عَلَىآ إِبْرَاهِيمَ كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُومِنِينَ  وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيئًا مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىآ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيـَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ « [21].

أما اليهود فقد انحرفوا عن ملة إبراهيم، وموسى – عليه السلام – بين ظهرانيهم، وقد عانى من كفرهم وعنادهم ما الله به عليم، وقد قص الله تعالى علينا جزءا منه في كتابه الكريم، ثم لعنهم الله تعالى على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما السلام في قوله جل من قائل: »لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنم بَنِي إِسْرَآءِيلَ عَلَىا لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمَ ذَالِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ « [22].

وبكفرهم بعيسى عليه السلام وإنكارهم نبوته واتهامهم أمه الصديقة رضي الله عنها بالزنا استحقوا الطرد من صفوف المؤمنين، وبذلك انضموا إلى صفوف الكافرين المكذبين المعذبين، كما جاء في قوله تعالى : » إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىآ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُواْ إِلىَا يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبـُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ « [23]، فالذين كفروا بعيسى هنا هم اليهود ، لأن اليهود ما كفروا بالله بل كفروا برسالة عيسى عليه السلام ، ولأنّ عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيره لا يظن أنه تطهير من المشركين بقرينة السياق[24] وقد ظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم له فتوعدهم الله تعالى بعذاب الدنيا وهو زوال الملك وضرب علهيم الذلة والمسكنة والجزية ، والتشريد في الأقطار ، وكونهم يعيشون تبعا للناس في الدنيا لا قيمة لهم ولا وزن ، وعذاب الآخرة هو إدخالهم نار جهنم، فهل بقي لليهود بعد كل هذا حظ من دين إبراهيم ؟ !!! .

وأما النصارى فهم الذين آمنوا بعيسى عليه السلام من بني إسرائيل ، ولما رفعه الله تعالى إليه تَفَرَّق أصحابه شيَعًا بعده ، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته مريم رضي الله عنها ، ومنهم من غلا فيه غلوا شنيعا فجعله ابن الله ، وقال آخرون هو الله . وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله تعالى مقالاتهم في القرآن الكريم ، ورَد تعالى على كل فريق منهم بما يبين ضلاله وجهله بحقيقة عيسى ، فاستمروا على ذلك قريبا من ثلاثمائة سنة ، حتى تولى قسطنطين ملك اليونان سنة ست وثلاثمائة  للميلاد ، فتنصر وبتنصره تحولت الدولة التي كانت تضطهد النصارى إلى دولة حامية وراعية للنصرانية ، وقيل: إن تنصر قسطنطين كان حيلة ليفسد دين النصارى، فقد قيل إنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة[25]-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح  دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع عددا كبيرا، حتى إذا بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق ، كان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق – إذ هم أتباع كل نبي على وجه الأرض حقا وصدقا – فكانوا بذلك أولى بعيسى من النصارى وأولى بموسى من اليهود.

فكيف يكون لمن كذّب برسالة محمد – عليه السلام – حظ في دين إبراهيم ؟ بل كيف يكون للنصارى حظ في عيسى ؟ أو لليهود حظ في موسى ؟ وقد صار محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أولى به من غيره، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما قدم المدينة ، وجدهم يصومون يوما ، يعني عاشوراء ، فقالوا : هذا يوم عظيم، وهو يوم نجى الله فيه موسى ، وأغرق آل فرعون ، فصام موسى شكرا لله ، فقال” أنا أولى بموسى منهم ” فصامه وأمر بصيامه “[26] . كيف لا و قد صدقوا الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ، الذي جعله الله خاتما للرسل الكرام أجمعين ، وسيدا لولد آدم يوم الدين ، عندما دعاهم إلى التصديق بجميع الحق المنزل من رب العالمي، فكانوا  أولى بكل نبي سابق، من أمته الذين يزعمون أنهم بملته متمسكين وعلى طريقته سائرين، مع إقرارهم بتحريف كتبهم وانحراف عقائدهم عن سنن المرسلين .

مع العلم أن الله تعالى قد نسخ بشريعة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – كل الشرائع بما بعثه به من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائما منصورا ظاهرا على كل دين . فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها وأذل في الدنيا قبل الآخرة كل من أعرض عن دعوته، وتوعد بالعذاب المهين بعد البعث كل من كذب برسالته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” والذي نفس محمد بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار[27] “.

أما اعتبار الجابري القبول بعيش اليهود والنصارى على أرض الإسلام اعترافا بدينهما وإقرارا لهما على ما هم عليه فيكذبه قوله تعالى :  » قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىا يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ « [28]، فهذه الآيات تنفي عنهم صفة الإيمان وتخرجهم من دائرة المؤمنين، لأنهم لما كفروا بنبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من المرسلين، ولا بما جاءوا به من الحق المبين ، وإنما يتبعون آراءهم وأهواء أحبارهم ورهبانهم وما وجدوا عليه آباءهم من فساد وانحراف عن سنن الهدى والدين ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما جاء به أنبياؤهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن جميع الأنبياء المتقدمين والمتأخرين بشروا به، وأمروا أتباعهم بالإيمان به إن هم أدركوا زمن بعثته، وقد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى : » وكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ « [29]، فدل ذلك على أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظ أنفسهم وأهوائهم وشهواتهم التي تمكنت منهم فجعلت حب الرئاسة أولى عندهم من رضى الرحمن ، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء ، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه إلى يوم الدين .

ثم جاءت الآيات التالية لتغري المؤمنين بهم، وتحرضهم على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى،  لمقالتهم في حق الله تعالى مقالة شنيعة، وافترائهم على الله تعالى فِرْية كبيرة، قال تعالى :  » وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَالِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىا يُوفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ « [30]، فهل بعد هذا الكفر الموصوف في هذه الآيات البينات كفر، وإذا لم يكن الكفر هو نسبة الولد لله تعالى، وطاعة الأحبار والرهبان في افترائهم على الله تعالى ما لم ينزل به سلطانا فما هو الكفر ؟ !!.

وقد جاء في السنة النبوية ما يبين معنى اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى، فعن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال لي : ” يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك ” قال : فطرحته ، وقال : وانتهيت إليه ، وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال : فقلت : يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم ؟ فقال : ” أليس يحرمون ما أحل الله فيحرمونه، ويحلون ما حرم الله فيستعملونه ؟ ” قال : قلت : بلى ، قال : ” فذلك عبادتهم[31]“.

إن قبول الإسلام بعيش غير المسلمين على أرضه ليس إقرارا لهم على ما هم عليه، كلا، بل فعل ذلك رحمة بالناس ومن باب إقامة الحجة عليهم، على حد قوله تعالى :  » وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىا يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَالِكَ بِأَنـَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ« [32]، وهذا منهج إسلامي أصيل – فآخر الدواء الكي – والقتل ليس مقصودا لذته، تشهد بذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما ترك وسيلة للدعوة وتبليغ الناس دين ربهم إلا فعلها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” ما عندك يا ثمامة ؟ ” فقال : عندي خير يا محمد ، إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت ، فترك حتى كان الغد ، ثم قال له : ” ما عندك يا ثمامة ؟ ” قال : ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر ، فتركه حتى كان بعد الغد ، فقال : ” ما عندك يا ثمامة ؟ ” فقال : عندي ما قلت لك ، فقال:” أطلقوا ثمامة ” فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد ، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت ، قال : لا ، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا والله ، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة ، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم “[33].

أما ذهاب الجابري إلى اعتبار فرض الجزية على أهل الذمة جاء في مقابل الزكاة المفروضة على المسلمين فقد أبعد بذلك النجعة وجاوز الحقيقة، لأن قراءة سريعة لآية الزكاة وأخرى لآية الجزية تجعل أقل الناس حظا في اكتساب اللغة وفهم الشريعة يدرك أنه لا علاقة بين الأمرين، فالزكاة عمل تعبدي يفعله المؤمن بإرادته يبتغي به وجه الله تعالى فينال بذلك أجرا في دينه وزيادة في ماله، وصلاة من نبيه ورحمة وقبولا من ربه جل وعلا مصداقا لقوله تعالى :  » خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُ إِنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « [34]، وعن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ” ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو ، إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله [35]” وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان عليه السلام إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم فعن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم ، قال : ” اللهم صل على آل فلان “، فأتاه أبي بصدقته ، فقال : ” اللهم صل على آل أبي أوفى [36]“. والسؤال الآن هو هل توجد فضائل كهذه لأصحاب الجزية ؟ .

كلا، فالجزية تؤخذ من صاحبها كرها – إن رفض الدخول في الإسلام – مقابل الحماية التي ينالها من المسلمين مع بقائه على دينه، مصداقا لقوله تعالى :  » قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىا يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ « [37]، فتؤخذ الجزية منهم وهم ذليلون حقيرون مهانون. ولذلك لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا  إكرامهم ولا رفعهم على المسلمين ، بل مقامهم هو مقام الذلة والصغار والشقاء ،  فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : ” لا تبادروا أهل الكتاب بالسلام ، فإذا لقيتموهم في طريق ، فاضطروهم إلى أضيقه[38] “.

وقد اختلف العلماء فيمن يصح فرض الجزية عليهم، فذهب قوم إلى أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب واستدلّواَ على ذلك بالآية السابقة ، أو من أشباههم كالمجوس،  لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، فعن الحسن بن محمد بن علي رضي الله عنه ، قال : ” كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض الإسلام، فمن أسلم قبل منه ، ومن أبى ضرب عليه الجزية ، على أن لا ينكح لهم امرأة ولا تؤكل لهم ذبيحة [39] “، وبهذا قال الشافعي، وأحمد ابن حنبل.

وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أنها تؤخذ من جميع الأعاجم ، سواء كانوا  من أهل الكتاب أو من المشركين، ولا تؤخذ من العرب المشركين إلا أن يكونوا أهل كتاب . وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى : بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابيٍّ، ومجوسي، ووثني، وغير ذلك .

فهل يقول الجابري في حق المجوس ما قاله في حق أهل الكتاب، ويعتبر أخذ الجزية منهم اعترافا بدينهم ؟ وهل جزية المجوس – عند الجابري – كزكاة المسلمين ؟ .

أما اعتبار الجابري الإسلام مجرد خضوع لسلطة جماعة أو دولة، وبالتالي فخضوع أهل الذمة للدولة الإسلامية يدخلهم في دائرة الإسلام، فيجمع بين قصور والتقصير في فهم حقيقة الإسلام، لأن الإسلام أُطلق على هذه الأمة قبل وجودها بزمان، قال تعالى :  » وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفيِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىا وَنِعْمَ النَّصِيرُ « [40]. ثم إن الإسلام كما عرفه نبي الإسلام في حديث جبريل عليه السلام لا علاقة له بسلطة دولة أو جماعة، بل ” الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا [41]“. وخضوع شخص أو جماعة لسلطة إسلامية لا يجعلهم مسلمين ولا يرفعهم إلى مقامات المؤمنين، ولا أدل على ذلك من أحوال المنافقين، الذين قال الله تعالى في حقهم : » يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُم بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمُ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىا وَلَكِنَّكُمْ فَـتَـنتُمُ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الاَمَانِيُّ حَتَّىا جَآءَ اَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لاَ يُوخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِيسَ الْمَصِيرُ « [42].

نعم لقد عاش المنافقون في كنف الجماعة الإسلامية فلم ينتفعوا بذلك في شيء، لأن الإسلام لا يُكتسب بفعل المجاورة أو بالخضوع لغير الله تعالى، ولأنهم أخفوا ما في قلوبهم عن المؤمنين فكان جزاؤهم أن فضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد يوم الدين، لأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية، فوضح بذلك أن الإسلام ليس خضوعا لأحد من الناس ولو كان نبيا مرسلا، بل الإسلام هو استسلام وخضوع لله تعالى، وفق ما أمر به جل جلاله على لسان نبيه عليه السلام في الكتاب والسنة .

لقد زعم الجابري أن ذكر الله تعالى للأديان والنحل الموجودة على الأرض اعتراف بهذه الديانات كواقع ، وأن مسألة الصحة والخطأ لا علاقة للقرآن بها لأنها متروكة لله تعالى يوم القيامة، وهذا كلام باطل، لأن الله تعالى ذكر في القرآن فرعون وهامان وإبليس فهل ذكرهم اعتراف بهم أو إقرار لأفعالهم، كلا بل جاء ذكرهم خزيا لهم وتحذيرا من منهجهم، وكذلك فإنه تعالى أخبر عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود والصابئين والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا مع الله تعالى غيره من مخلوقاته ، فإنه تعالى يحكم بينهم يوم القيامة بالعدل ، أي يجازيهم على أفعالهم ، فيدخل من آمن به الجنة، ويدخل من كفر به  النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم ، حفيظ لأقوالهم ، عليم بسرائرهم، وما تُكِن ضمائرهم .

وهذه[43] الآية هي بشرى للمؤمنين، ووعيد وتهديد لمن سواهم، وليست بأي حال من الأحوال اعترافا بالأديان الأخرى كما زعم الجابري، لأن الحكم يوم القيامة هو الجزاء الذي لابد أن يكون قد سبقه بيان في الدنيا بغرض إقامة الحجة، وتلك هي مهمة الرسل الكرام عليهم السلام كما حددها تعالى في قوله جل وعلا : » رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا « [44]، وإذا لم يستطع الرسول أن يفرق للناس بين الحق والباطل فما قيمة دعوته ؟ وما أهمية رسالته ؟ وما فائدة نبوته ؟ وإذا كان الغموض سيظل يحوم حول جميع الأديان والملل والنحل على حد سواء فهل بقي لله حجة على الناس يوم القيامة ؟ وإذا لم يكن لأهل الإسلام وبشهادة القرآن – كما يزعم الجابري – ضمانة فيما هم عليه فهل هي دعوة صريحة من الجابري إلى الخروج من الإسلام ؟ أو إلى المساواة بين جميع الأنام بحجة أن الحقيقة المطلقة لا وجود لها في هذا الزمان، بل ولا في أي زمان !! » سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [45] «

الهوامش:

[1] ولذلك يدعوا أنصار هذه الأفكار إلى إنجاز معجم جديد توضح فيه هذه المصطلحات بشكل يناسب أهدافهم يقول أركون : »ينبغي علينا أن نعترف بأن أية إعادة قراءة لا يمكنها أن تتوصل إلى المعنى التاريخي الكامل للعبارات اللغوية القرآنية. وهذه العقبة التي لا حيلة لنا فيها قادرة وحدها على عرقلة الاستغلال الإديولوجي للخطاب القرآني «  ثم يطالب  أركون بعد ذلك ب »إنجاز معجم لفظي شامل للغة العربية القديمة . ونحن نأمل أن تقدم لنا الدراسة المنتظمة لجمع اللهجات العربية المعروفة إسهامات ثمينة بهذا الصدد «  . القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ، ص 106 – 107 .

[2] فهم القرآن القسم الأول ص 180 – 181 .

[3] يقول هاشم صالح : » فلا أحد يستطيع أن يزعم بأنه يمتلك الحقيقة بشكل مسبق . فالآخرون أيضا لهم نصيبهم من الحقيقة . وإلا لكان العالم كله قد اكتسح من قبل دين واحد . ولكننا نعلم أن هناك عدة أديان في العالم : كالبوذية ، والهندوسية ، والإسلام ، والمسيحية ، واليهودية ، الخ…ومن غير المعقول أن يكون أبناء كل الأديان الأخرى على ضلال ونحن وحدنا على حق… «  . الفكر الأصولي واستحالت التأصيل ، ص 183 .

[4] سورة البقرة ، الآية 136 .

[5] التعريف بالقرآن ، ص 76 .

[6] نفس المرجع ، ص 77 .

[7] سورة الحج ، الآية 17 .

[8] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 374 .

[9] فهم القرآن القسم الأول ، ص 112 .

[10] سورة آل عمران ، الآية 85 .

[11] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 145 .

[12] سورة آل عمران ، الآية 19 .

[13] سورة آل عمران ، الآية 85 .

[14] سورة آل عمران ، الآية 67 .

[15] جامع البيان في تفسير القرآن للطبري .

[16] تفسير ابن كثير .

[17] سورة آل عمران ، الآية 65 – 66 .

[18] سورة آل عمران ، الآية 68 .

[19] رواه الحاكم ، كتاب التفسير ، ومن سورة آل عمران ، حديث : 3083 .

[20] سورة البقرة ، الآية 124 .

[21] سورة الصافات ، الآية 109 – 113 .

[22] سورة المائدة ن الآية 78 .

[23] سورة آل عمران ، الآية 55 – 56 .

[24] التحرير والتنوير .

[25] ابن كثير عند تفسيره للآية 55 من سورة آل عمران .

[26] رواه البخاري ، كتاب الصوم ، باب صيام يوم عاشوراء ، حديث : 1915 .

[27] رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، حديث : 244.

[28] سورة التوبة الآية 29 .

[29] سورة البقرة ، الآية 88 .

[30] سورة التوبة ، الآية 30 – 31 .

[31] رواه  البيهقي ، السنن الكبرى ، باب ترك الحكم بتقليد أمثاله من أهل العلم ، حديث : 191 .

[32] سورة التوبة الآية 6 .

[33] رواه البخاري ، كتاب المغازي ، باب وفد بني حنيفة ، حديث : 4123.

[34] سورة التوبة ، الآية 103 .

[35] رواه مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ، باب استحباب العفو والتواضع ، حديث : 4795 .

[36] رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب صلاة الإمام ، حديث : 1437.

[37] سورة التوبة ، الآية 29 .

[38] صحيح ابن حبان ، كتاب البر والإحسان ، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام ، حديث : 501.

[39] المطالب العالية لابن حجر العسقلاني ، كتاب الجهاد ، باب الجزية والهدنة ، حديث : 2108.

[40] سورة الحج ، الآية 78 .

[41] رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب معرفة الإيمان ، حديث : 34.

[42] سورة الحديد ، الآية 13 – 15 .

[43] أقصد قوله تعالى : » إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَىا وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «  .

[44] سورة النساء ، الآية 165 .

[45] سورة النور الآية 16 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.