منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طوفان الأقصى وجهاد الصورة والكلمة

طوفان الأقصى وجهاد الصورة والكلمة/ دة. فاطمة الزهراء ادويب

0

طوفان الأقصى وجهاد الصورة والكلمة

دة. فاطمة الزهراء ادويب

غالبا ما تذهب أذهان الكثير من الناس إلى كون الجهاد في سبيل الله له وجه واحد هو حمل السلاح وغشيان ساحة الوغى لملاقاة العدو، والإقبال والإدبار  وتدبير الكمائن والتخطيط  للفتك به، والإجهاز عليه  برا وبحرا ومن مسافة الصفر وتسطير بطولات العمليات الاستشهادية وغير ذلك حسب ظروف كل عصر و ما توفر عليه من معدات حربية تلائمه وقوة ترهب العدو.

وهذا والله نعم الجهاد وأعظم بأهله من رجال بذلوا أنفسهم وهي الأغلى واحتسبوها لله، وطوبا لإخواننا المجاهدين بجميع أطيافهم في غزة وسائر فلسطين الحبيبة وكذا لبنان الشامخة وباقي المجاهدين الذين يؤدون عن الأمة الإسلامية ضريبة الجهاد في سبيل الله والذوذ عن مقدساتها وأعراضها المستباحة ورفع الوهن عنها وإزالة ربقة العبودية التي طوقت عنقها  وكبلتها لعقود من الزمن. رجال صدقوا الله تعالى فصدقهم، اقتفوا أثر المصحوب الأعظم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم وكذا صحابته الأطهار الذين كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، سطروا  البطولات والملحمات وفتحوا العالم عُربه وعجمه ولم يبخلوا بأنفسهم في سبيل عزة  وشموخ الأمة الإسلامية ونصرة دين الإسلام.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مافتئ يرغب في الجهاد ويحث عليه ويبين أفضليته، عَنْ أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ – أُرَاهُ – فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»[1].

هذا الجهاد العظيم واكبه جهاد لا يقل أهمية عنه، إنه جهاد الكلمة حيث كان الصحابي الجليل حسان ابن ثابت رضي الله عنه شاعر الرسول الكريم وغيره من الشعراء المؤمنين ينظمون قصائد تهز عرش الكفار وتزيل النوم عن جفونهم. ألسنتهم  كالسيوف المسلطة على رقابهم، يدافعون عن أمتهم، ينشرون مفاخرها، يمدحون خصالها وقيمها، يرثون عظماءها، يدونون آثارها، بهجون أعداءها…واليوم نعيش التحام جهاد الميدان بجهاد الصورة والكلمة، انبرى له إعلاميون نبلاء محترفين أوهواة، وعالمات وعلماء شرفاء ورجال ونساء فضلاء، حركتهم جميعا الغيرة  على المحارم المستباحة و التقتيل والتنكيل الذي تعرض له الأبرياء من  إخوانهم في العقيدة أو في الإنسانية، شدوا عضد المجاهدين في الميدان  وآزروهم وسندوا ظهورهم، نشروا بطولاتهم واتبعوا آثارهم، نقلوا أخبار آلاف المهجرين قسرا من ديارهم ومدنهم،  أسمعونا صوت البطون الجائعة وهي تتلوى بفعل الحصار الغاشم وآلام الأرامل والتكلى  وآهات المكلومين في أكبادهم الشهداء القتلى، صوروا الأشلاء المتناثرة هنا وهناك أو المحمولة على الأيادي أو في الأكياس،  عدسات كامراتهم وثقت مواكب الجنائز والمنائح وأطلال الديار والهدم والردم والانفجار الذي لم تسلمه المنازل من القصف الصهيوني الغادر، أخبرونا عن المقهورين وعن مناقب الشهداء الأبرار،  حكوا لنا  عن كرامات الصالحين الأخيار؛ جلد وصبر واحتساب عز نظيره، نقاء وطهر ومسك فواح، رؤى ومبشرات تسر أصحابها وتزيد من ثبات الآخرين. أوصلوا إلى أحرار العالم حقيقة القضية الفلسطينية التي حرفت فصولها لسنوات عديدة من طرف الصهاينة وحلفائهم. فضحوا خذلان الجامعة العربية الذليلة ومن والاها من حكام الخزي والعار والأمم المتحدة المتخاذلة وصمت الدول المتشدقة بحقوق الإنسان والحيوان، كشفوا حقيقة لا إنسانية معظم الغرب، أسقطوا أقنعة الجمعيات التي تدعي الدفاع عن حقوق المرأة والطفل والآلاف منهم يذبحون ويقتلون ويحرقون ولا من يحرك ساكنا، أظهروا حقيقة المتصهينين العملاء العرب من بني جلدتنا المندسين بين ظهرانينا… من منا سينسي  البلبلين الصداحين في الحق أنس الشريف و إسماعيل الغول رحمه الله،  الذين دخلا كل البيوت وأحبهما الجميع وهما ينقلان إلينا بصدق وحرقة وألم مدى همجيتهم وشرهم الذي سادت ظلمته الآفاق، قتلوا إسماعيل الغول ومصوره  رامي الريفي غدرا بعدما كانا ينقلان جرائم الاحتلال الصهيوني، حدثنا الغول في ذلك اليوم المشهود عن اغتيال الشهيد الجليل القائد إسماعيل هنية ليتبعه بعد ذلك بساعات قلائل، مات شهيد الصورة والكلمة وهو يرثي شهيد الدعوة والأمة، ثم يحمل أنس بعدهما المشعل رغم المشهد القاسي والمؤلم ويخطو في نفس الطريق بثبات ورباطة الجأش، يا له من مشهد تقشعر له الأبدان، ويا هنانا من زفة لإسماعيليين مباركين، ويا فخرنا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. لله ذرك غزة الحبيبة الكاشفة الفاضحة لجميع العالم. طوفانك المبارك كان فيصلا بين الحق والباطل والجور والعدل والصادق والمنافق والأخ والعدو والعالم الرباني من عالم السلطان.

آاااه على العلماء!! حبة الهم على القلب، للأسف ما أكثر العلماء الذين وضعوا سلاحهم  وأخرسوا ألسنتهم عن قول الحق والجهر به في زمن وجب  عليهم تصدر صفوف جهاد الكلمة بإصدار فتاوى النصرة  والمآزرة والمواساة ورص الصفوف والوقوف مع المظلومين في وجوه الظالمين المعتدين الطغاة المتجبرين.

العلماء ورثة الأنبياء في نورانياتهم و علمهم وصدق دعوتهم وحنوهم وتهممهم بأمر المسلمين وجهادهم بسيوف  ألسنتهم وصدعهم بالحق، لا يخافون في الله لومة لائم. لا يرهبهم الموت ولا الاعتقال ولا التعذيب ولا قطع الأرزاق…قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى:”سِلَاح الْعَالم علمه وَلسَانه كَمَا أَن سِلَاح الْملك سَيْفه وسنانه، فَكَمَا لَا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عَن الْمُلْحِدِينَ وَالْمُشْرِكين،لَا يجوز للْعُلَمَاء إغماد ألسنتهم عَن الزائغين والمبتدعين، فَمن ناضل عَن الله وَأظْهر دين الله كَانَ جَدِيرًا أَن يَحْرُسهُ الله بِعَيْنِه الَّتِي لَا تنام، ويعزه بعزه الَّذِي لَا يضام، ويحوطه بركنه الَّذِي لَا يرام، ويحفظه من جيمع الْأَنَام {وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم وَلَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض} “[2] هكذا كان دأب الصالحين من علمائنا الأوائل، وثلة من العلماء والعالمات الأواخر الذين ميزوا الخبيث من الطيب ولم يبخلوا على نصرة أمتهم فقالوا ماينبغي قوله، وصرحوا بما ينبغي التصريح به، ساندوا وواسوا وألفوا بين القلوب والعقول واستجابوا لنداء المجاهدين الأبرار .

نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا فضل وبركة المجاهدين في جميع الميادين وأن يدخنا في زمرتهم ويحشرنا معهم وينفعنا بصدق نياتهم وحركاتهم وسكتاتهم، ويسدد رميهم. ويؤمن روعهم، ويثبت أقدامهم، ويحفظهم من كل سوء، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدها، تعز فيه أولياءك وتذل فيه أعداءك وتعمل فيه بطاعتك، وتنهى فيه عن معصيتك. والحمد لله رب العالمين.


[1]  أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، رقم: 2786. ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط، رقم: 1888، واللفظ له.

[2]  طبقات الشافعية الكبرى لكتاب: طبقات الشافعية الكبرى
تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (ت ٧٧١هـ)
تحيقق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو
الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الثانية، ١٤١٣هـ
ج8 ص 226-227

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.