ما بعد وقف النار: من اختبار الوعي في غزة إلى معركة السيادة في السودان
عبد الملك الأدمعي
ما بعد وقف النار:
من اختبار الوعي في غزة إلى معركة السيادة في السودان
بقلم: عبد الملك الأدمعي
توقّف القصف عن غزة، لكن الحرب لم تتوقف. انتهى ضجيج الطائرات، وبدأت حرب أخرى أكثر صمتًا وأشدّ خطرًا: حرب الوعي والذاكرة والموقف.
كثيرون يظنون أن التهدئة تعني النهاية، وأن الحصار سينتهي مع دخان المعركة، لكن الحقيقة أن غزة تُترك وحيدة كل مرة بعد أن تنزف النصر. ولا يخدعنا هذا الذي يسمّونه وقف إطلاق النار، فهو سيف ذو حدّين؛ يريده العدو وسيلةً لإطفاء الغضب الشعبي، وامتصاص موجة الوعي التي عمّت الأمة، وعزل المقاومة عن عمقها العربي والإسلامي حتى يُنهش الجسد الفلسطيني تحت ظل الاتفاقيات والمساومات.
نعم: وقف القصف، لكنهم يريدون أن يتوقف معه النبض، أن يخمد صوت الشارع، وأن يلتئم جرح الأمة وهمّها كي يتمكنوا من اقتسام الغنيمة بسلام.
لكن الوعي لا يُقصف، والكرامة لا تُهدن. أهل غزة هم أهل الرباط الحقيقيون؛ الذين وقفوا حائلًا أمام قطار التطبيع، وأفشلوا مخططات الكفر، وجعلوا المقاومة شرف الأمة وضميرها الصادق.
ولا يجب أن نبخس المقاومة مقامها أو نُقلّل من شأن دورها في الميدانين العسكري والسياسي. فالفعل المقاوم لم يقتصر على الساحات وحدها؛ بل شمل تفاوضًا ودبلوماسيةً جعلت من مدينة صغيرة طرفًا حيويًا على مائدة العالم. وهذا بحد ذاته شرف وعزّ — أن تُجبر القوى الكبرى على الاعتراف بك، وأن تكون لك كرامة تفرضها أمام محافلٍ لا تهتم إلا بمصالحها. ما بعد وقف النار هو الامتحان الحقيقي للأمة: هل ستواصل دعمها ومساندتها لغزة، أم ستنجرّ وراء خطاب التهدئة الذي يراد به دفن الوجع والنصر معًا؟
في هذا السياق لا بدّ من طرح سؤال جوهري:
كيف يتحقّق السلام إن لم نسمع صوت فلسطين بصفتها كيانًا سياسيًا معترفًا به؟
هل السلام يُناقش من دون الاعتراف بحقّ الشعب الفلسطيني في دولته وسيادته،
أم أن الحديث عن “السلام” في هذه الحالة هو تبرير لمغازلة الاحتلال وتجفيف منابع الحرية؟
لا وجود لسلام عادل دون الاعتراف الكامل بحق الفلسطينيين في دولتهم، وأي خطاب عن السلام يُهمّش هذا الحق وسيُستخدم لتغطية قرارات تمهيدية تُبعد عنهم قرارهم وكرامتهم.
لقد بدأت بعض الدول تتحرّك دبلوماسيًا وتعلن اعترافها بدولة فلسطين، وهي خطوة لها دلالتها، لكنها لا تعفي الشعوب ولا الأنظمة من واجب الضغط والمساندة المستمرة حتى تتحوّل هذه المواقف الرمزية إلى واقعٍ سياسيٍّ على الأرض.
إن مقاطعة المنتوجات الداعمة للاحتلال ليست ترفًا ولا شعارًا، بل سلاحٌ اقتصاديّ فعّال في معركة طويلة لا تُخاض بالرصاص فقط. كل درهم لا يُدفع لشركة تموّل الاحتلال هو رصاصة في وجه الظلم، وكل مستهلكٍ واعٍ هو جنديّ في معركة الكرامة.
المعركة لم تنتهِ، بل انتقلت من الميدان العسكري إلى الميدان الاقتصادي والإعلامي والسياسي.
السودان: اختبار الأمة الثاني بعد غزة
وفي الوقت الذي تتنفس فيه غزة بصعوبة، ينزف السودان بصمت تحت نيران الفتنة والحرب. هناك يُقتل الأبرياء، ويُهجّر الملايين، ويُستغل الدين والعرق وقودًا لصراعٍ لا رابح فيه.
لكن السؤال الأعمق: لماذا لا يتدخّل العالم بجدية في السودان؟
لأنّ المصالح هناك لا تمسّ أمن الكيان الصهيوني، ولا تهدّد التوازنات الكبرى في البحر الأحمر. تُراقب القوى العظمى المأساة من بعيد، بينما تجد أطرافٌ إقليمية — من بينها إسرائيل وروسيا والإمارات — في استمرار الفوضى فرصةً لتثبيت نفوذها.
وهكذا يُترك السودان ينزف ليكون ورقة في لعبة الأمم، بينما تنشغل المنابر بتهدئاتٍ شكلية لا تُلامس أصل الداء.
إن ما بعد غزة يشبه ما يجري في السودان: صراع الإرادات بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرّر. ومن لم يُدرك أنّ “الصهيونية العالمية” لا تُحارب بالسلاح فقط، بل بالتحكّم في مسارات الدول الضعيفة وإشغالها بأزماتها الداخلية، فلن يفهم لماذا تُترك الخرطوم للنزيف بينما تُفتح العواصم للمطبعين.
الموقف بعد الحرب
وقف النار لا يعني أن نغلق قلوبنا، بل أن نفتحها أكثر. الإعمار لا يكون بالحجارة فقط، بل بالثبات على المبدأ، وبالوعي، وبالاستمرار في مقاطعة من تاجر بدمائنا، وبالوقوف مع كل مظلوم، سواء في غزة أو الخرطوم.
الوقوف مع فلسطين ليس خيارًا بل واجب؛ يلزم الأمة بالثبات والمساندة على كل المستويات. ويجب العمل على تقليص هامش المناورة الذي يحاول خصوم الحق استغلاله عبر التهدئة لتمرير مشروعات الاستيعاب وال تطبيع.
ومن زاويةٍ عملية، لا يكفي أن تُسجّل بعض الدول مواقف رمزية؛ بل يجب أن تتحوّل هذه المواقف إلى سياسات قسرية فعّالة تضغط على منظومات القرار التي تُديم الاحتلال.
باختصار: وقف النار اختبارٌ لصدق المواقف. مواجهة مشروع الصهيونية العالمية لا تكون بالصلاة على النصر وحدها، بل بالعمل السياسي والاقتصادي والقانوني المتواصل الذي يضمن أن تبقى الحقيقة الفلسطينية حاضرة، وأن يحافظ الشعب الفلسطيني على سيادته وقراره.
إن نجحنا في ذلك، سننتصر على صمتنا وخمولنا؛ وإن أخفقنا، ستتحول التهدئة إلى هدوءٍ يسبق محنةٍ جديدة.