بعد العسر يسرا
بقلم: د. محمد السقا عيد
يعيش الإنسان في هذه الدنيا بين لحظات فرح وأخرى ضيق، وبين أيام يسيطر عليها اليسر وأيام يغلب عليها العسر. لكن المؤمن يمتلك مفتاحًا ثمينًا يغيّر نظرة المحنة إلى رحمة، وهو الإيمان بوعد الله بأن بعد كل عسر يأتي يسر.
إن هذه الحقيقة ليست مجرد عبارة جميلة، بل هي وعد قرآني واضح يعيد ترتيب نظرة الإنسان للحياة. فالمؤمن لا يركن لليأس عندما يضيق عليه الحال، ولا يثبطه الألم عندما يطول الابتلاء، لأنه يعلم أن الله لا يترك عبده وحده، وأن الفرج قريب، وإن طال الانتظار.
والعسر قد يكون اختبارًا لصبر الإنسان، أو تنقية لذنب، أو تغييرًا في مسار الحياة نحو الأفضل، أو سببًا لتقوية العلاقة بالله. لذلك لا ينبغي أن نرى العسر نهاية، بل بداية لفرج قادم بإذن الله. فكما أن الليل يسبق الفجر، فإن الضيق قد يسبق الفرج، وهذا هو وعد الله الذي يطمئن به القلوب.
وقد وعد الله عباده باليسر بعد العسر في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وأكد ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وقد جاء في نفس الآية توكيدًا إضافيًا ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، أي أن اليسر ليس مجرد احتمال، بل واقع ثابت بقدرة الله ورحمته.
ومن قصص العلماء التي تعلّمنا معنى الثبات بعد الضيق قصة الإمام الشافعي رحمه الله. فقد فقد مرّ بظروف شديدة في صغره، إذ فقد والده وهو صغير، ثم عاش فترة من الفقر والانتقال بين البلدان بحثًا عن العلم. ورغم ذلك، لم ينكسر قلبه، ولم يترك طلب العلم، بل كان يقول في ذلك: ما أبالي إن ضاقت بي الحياة، فإني أرى في كل ضيق بابًا إلى فرج.
“
ومع مرور الزمن، تحولت تلك المحن إلى سبب لعلو مكانته، فصار إمامًا في الفقه، وأحد أعلام الأمة، وأثره باقٍ إلى اليوم. فكانت محنته بداية لنجاحٍ عظيم، وهو خير مثال على أن بعد العسر يسرا، وأن الله لا يضيع أجر الصابرين.
ومن ثمرات التمسك بهذا الوعد أن يزداد المؤمن صبرًا، ويقوى أمله، ويتحول الحزن إلى تسليم، والجزع إلى انتظار رحمة الله. فحين يدرك الإنسان أن الفرج قادم لا محالة، يصبح قادرًا على تحمل المشقات، والاستمرار في العمل الصالح، والدعاء، والاستغفار، ومراجعة النفس.
فلنثبت على هذا الوعد العظيم، ولنجعل في قلوبنا يقينًا بأن بعد كل عسر يسرا، وأن الله لا ينسى عباده. نسأله تعالى أن يخفف عنا وعنكم، وأن يرزقنا الصبر والرضا، وأن يجعل لنا من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا.