منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدعوة والنضال بين داء التنميط ودواء المناط 

الدعوة والنضال بين داء التنميط ودواء المناط / د. فؤاد هراجة

0

الدعوة والنضال بين داء التنميط ودواء المناط
بقلم: د. فؤاد هراجة

في كل المجتمعات البشرية ثمة ذاكرة موروثة وتجارب سابقة وأفكار معينة وصور مطبوعة في اللاوعي الجماعي، يتخذها الأفراد بتلقائية ودونما وعي راسخ أو تفكير عميق أو نظر ناضج مرجعية للإدراك والفهم والتقييم والإنشاء. هذا الانتظام الملحوظ والترتيب المطرد لعناصر سلوكية معينة وفي قوالب وصور متكررة هو الذي يصنع ما يسمى بالنمط أو الطريقة والمذهب، الذي تتحدد من خلاله الأفكار والسلوكات والمشاعر والقيم والأحكام بل والمعتقدات أيضا التي تنبثق عنها كل هذه المعطيات.

فالتنميط إذن يعني وجود صور أو أفكار مسبقة عن فئة معينة بحيث يتم إلباس صفة العمومية على كل الأفراد الذين ينتمون إلى المجموعة بناء على نمط مسبق تم التسليم به باعتباره معيارا ثابتا للتقييم والحكم. على ذلك يمكننا القول، إن التنميط هو سلاح اللاوعي لقبول أو رفض أو اختيار أمر ما بشكل غير معمق وناضج بناء على صور ألِفَها الذهن (وليس العقل)، ما يفيد أن التنميط هو الذي ينشء الذهنيات.

انطلاقا من هذه التعريفات يتسنى لنا فهم ما يصدر عنا من أحكام تجاه الآخرين، سواء ممن يتقاسمون معنا نفس النمط(الطريقة) أو الذين يختلفون عنا في النمط. هَبْ مثلا أن خطيب جمعة في المغرب صعد المنبر بِزَيٍّ يتكون من سروال وسترة سوداوين، وقميص أبيض، وربطة عنق(costume à quatre épingles ، سمى الله ودخل في الموضوع مباشرة دون تلك المقدمات المعهودة، ثم لم يكتف بذلك بل تبرم من أسلوب الإلقاء وأخذ يحاور الجالسين ويشاركهم في بناء درس الخطبة، إن أقل ما يواجه به هذا الخطيب من قِبَلِ الحاضرين* هو الغرابة والاستغراب أما الرفض والاستهجان فحدث ولا حرج. وقس على ذلك في كل نشاطات المجتمع المتنوعة، دائما هنا نمط مرجعي معياري لا يقبل الذهن التخلي عنه أو مخالفته لأنه بمثابة المربع المريح.

هذه النمطية المفضية إلى التنميط ما تدفع إلى بناء صور ذهنية جامدة وصلبة حول الداعية والمناضل والمثقف والمفكر والفيلسوف والفنان…، وأن أي خروج عن النمط يجرد الشخص صفته التي كان يتصف بها أو يُنقِصُه درجة من قيمتها أو يفقده الانتماء إلى المجموعة التي يتقاسم معها هذا النمط. خذ مثلا مناضلا يساريا مشبعا بالأفكار الاشتراكية ومؤمنا حتى النخاع بآليات التغيير الطبقية، لن تغفر له أفكاره ولا إيمانه هذا عند المنمطين من بني مذهبه إن ظهرت عليه مظاهر الرفاه في حياته أو دافع عن مخالفيه فقد يتهم بتابوجوازيت أو بالعمالة والانتكاس الفكري. وهو ذات الأمر ينطبق على المناضل الإسلامي، فقد تجده محافظا على الشعائر وملتزما بالشرائع والأخلاق، غير أنه إذا أبدع لنفسه طريقة في العيش وأنشأ لها أسلوبا في التفاعل مع الحياة ومع الناس، ولم ينسج على منوال النمط بل أنشأ تجربته إنشاء، اعتبره بنو مذهبه ملتفتا وشاذا وواقعا في خوارم المروءة نواقص سمت حسن…، هذا إن كان ينتمي لنمط معتدل أما دون ذلك فقد يصل به الأمر إلى تكفيره وتفسيقه وإبطال أعماله عند المتشددين المتنطعين.

هنا تكمن خطورة النمط والتنميط في التعامل مع الآخر وفي تقييمه والحكم عليه، بحيث يختل التفكير وتخسر الموازين، ويستسلم الوعي أمام اللاوعي، وتغيب اليقظة القلبية أمام المشاعر المتبلدة وتنعدم الروية العقلية أمام الذهنية المحنطة، والنتيجة صناعة أفراد وجماعات مقولبين جامدين على أطر ذهنية مسبقة لا تسمح لهم بتحرير عقولهم وقلوبهم ومن ثم تحرير مشاعرهم وأفكارهم وسلوكهم.

لا مناص لنا إذن، من بديل تربوي أخلاقي لتجاوز عقبة النمط والتنميط؛ بديل من شأنه أن يملأ كل الفراغات وينتقل بنا من زمن العادات الجارفة والذهنيات الرعوية القطيعية إلى زمن اليقظة القلبية والوعي العقلي. هذا البديل ينبثق من نفس المادة والجذر اللغويين وأقصد به الانتقال من داء التنميط إلى دواء المناط.

إن مصطلح المناط الذي تم استدعاؤه من مجال أصول الفقه ومن مجال القاونون لاقتراحه دواء للتنميط، يعني تجاوز النص إلى الحكم، وتجاوز العرَض إلى الجوهر، وتجاوز الشكل إلى المضمون، وتجاوز الفرع إلى الأصل، وهذا في نظر الأصوليين يحتاج إلى عدة عمليات منها: تعيين المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، والسير والتقسيم والقياس، والتمييز بين العلة والسبب والحكم…، بعبارة أوضح يحتاج إلى إعمال العقل والاجتهاد وعدم الاكتفاء بالمعطيات الماثلة أمامنا والتسليم بحرفيتها دونما استحضار للأسباب والعلل والغايات والمقاصد والمصالح والمفاسد والممكنات والزمان والمكان… .

عندما نخرج من النمط إلى المناط، فإننا نخرج من الذهن الخامل إلى العقل العامل، من التسليم إلى السؤال، من التقليد إلى الاجتهاد، من اللاوعي إلى الوعي، من السطحية إلى العمق، من الأُحادية إلى التعدد… . إن هذه الحركية الدائمة في بذل الجهد والاجتهاد من أجل إدراك جوهر الأمور وتجاوز قشورها، هي التي ستمكننا لا محالة من التعافي من داء التنميط الذي يتغذى على التقليد والجمود والتسليم بكل الصور المسبقة والأحكام الجاهزة.
على ذلك، فإنه من آكد الواجبات على كل مُنْتَمٍ لمذهب فكري أو طريقة سلوكية، أن يبذل قصارى اجتهاده لفهم واستيعاب مناط ذلك المذهب ومناط تلك الطريقة، لأن هذه العملية ستنفذ به إلى عمق المشروع وإلى ثوابته وركائزه، ما يسمح له بمساحة واسعة من الحرية للتصرف في المتغيرات الممكنة ومن ثم المساهمة في تطوير النموذج والمذهب والسير فعلا على خطى مؤسسه أو مؤسسيه. أما الانكماش على صوره النمطية وبذل الجهد فقط من أجل تقمصها فهذا على المدى المتوسط والطويل يضر ويعطل المشروع أكثر مما يخدمه.

كنت ذات عطلة في بلد أجنبي غربي، ولما أحضر الصلاة في المسجد يصلي بنا إمام من أهل البلد، فعندما ينتهي من الصلاة والدعاء، يدخل المقصورة ويضع عباءته ويخرج علينا بلباس أهل البلد ويتصرف خارج المسجد عادي كباقي الناس، لكنه يحمل قيم وأخلاق الإمامة في سلوكه لا في لباسه وهذا هو المناط. في حين أن الأمر معكوس عندنا يحافظ على نمط الإمامة من حيث اللباس الظاهري ويفرط في جوهرها من حيث لباس التقوى، لأن المهم عنده هو الحفاظ على النمط كي يلقى قبولا اجتماعيا، وعلى هذا يمكننا القياس في كل المذاهب الدينية والسياسية والفكرية، فأصحابها لا يحتكمون إلى مناط المذهب بقدر ما يحتكمون إلى النمط المرجعي المعياري للمذهب. ولعل خطورة هذا الأمر تكمن في اعتبار أن الأشد ارتباطا بأشكال وقشور النمط هو الأكثر ولاء له. في المقابل أم الذي يَُغَلِّبُ المناط على النمط هو الأقل فهما المشروع والأضعف ولاء له. وهذا بالفعل ما يولد أو يساهم من جهة في بروز ظاهرة النفاق، ويسَهّل من اختراق أي منظومة إذ يكفي التمظهر بنمطها من جهة أخرى. والأخطر أنه قد يساهم في تضييع كفاءات عالية لأنها أدركت مناط المشروع ولم تعد تكترث بصوره النمطية لأنها من صنيعة الزمان والمكان والأشخاص.

وخلاصة القول، إن آفة التنميط في المجتمعات عامة وفي التنظيمات خاصة، تعتبر أكبر عقبة لفهم واستيعاب أي مشروع سياسي أو أخلاقي أو اجتماعي أو ثقافي، لأن الصور المسبقة والأحكام الجاهزة للنمط في الذهن تعطل حركة العقل وتحول دون الاجتهاد وحرية الإبداع والتمييز بين لب الشيء وقشوره. ونحن عندما ننظر إلى السُّنة النبوية في عمقها، سنجدها اجتهادا بشريا مسددا ومؤيدا بالوحي قام به نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتنزيل ثوابت القرآن الكريم في واقع متحرك وعلى شريحة من الناس جرفتها عادات وتقاليد عتيقة احتاجت إلى هذا الاجتهاد القائم على الرحمة والحكمة البلوغ مناط الرسالة. وهذه هي السُّنة الجامعة الكاملة والمكتملة التي يتوجب علينا إحياءها اليوم في عقولنا وأنفسنا وقلوبنا ومن ثم في مجتمعاتنا، وأقصد بها سُنَّةُ الاجتهاد القائم على فهم النص، وإدراك الواقع، واستحضار طبيعة العنصر البشري، والتطلع إلى تغيير الواقع نحو الأفضل أي التقدم بالبشرية إلى الأمام، وهذه بغية لا تُنال بالاستسلام لداء النمط، وإنما تدرك باتباع طريق المناط، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» أَخْرَجَهُ الإمام أَحْمَدُ في مسنده. فالمعلوم أن الساعة تأتي بغتة ولها أهوال وبالعقل لا دنيا بعدها ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم “فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا” ليعلمنا مناط وجودنا في هذه الدنيا ألا وهو استثمار أقصى ما يمكن لحيزها الزمني في فعل الخير والقيام بما ينفع الناس. وأخيرا وليس آخرا، إن كنتَ ترى، أو كنتِ ترين نفسك بعد هذا المقال مصابا بداء النمط والتنميط فبادر وسارع وافتح قلبك وعقلك لدواء المناط فإنه لكما وجاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.