القُربات والنُسك؛ من الليالي العشر إلى أيام التشريق
الدكتور أحمد الإدريسي
القُربات والنُسك؛
من الليالي العشر إلى أيام التشريق
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
الليالي العشر ما يليها من أيام التشريق هي أيام مباركة، يضاعف فيها الأجر والثواب، قال تعالى: وَاَلفَـجْرِ وَلَيَـالٍ عَشْرٍ وَاَلشَّفْعِ وَاَلْوَتْرِ”(الفجر:1-3). قال ابن كثير: (والليالي العشر؛ المراد بها عشر ذي الحجة)[1]. وقد أجمع العلماء على تمـيُّز هذه الأيام، ففيها فريضة الحجّ التي تُعَدّ من أعظم الفرائض.
وقد أمرنا المولى عز وجل بتعظيم شعائره، ولتعظيم شعائر الله في هذه الأيام؛ ينبغي للمؤمن، وطالب الإحسان أن يحضُـر بروحه وقلبه مع الحجاج وهم يؤدون مناسك الحج، وأن يعيش معاني الحج وأسراره وهو في بلده وذلك منذ أول يوم من شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق. فيكثر من التكبير، والتحميد، والتهليل؛ فهي الأيّام المعلومات التي ورد الحضّ فيها على ذلك. إضافة إلى التوبة، والاستغفار، والإقلاع عن المعاصي. والتقرُّب إلى الله بالصلاة، والذِّكر والدعاء، وقراءة القرآن.
وتعظيم شعائر الله لما يُـستقبل من أيامنا هذه، يأتي مرتبا زمانا ومعنًى، كما يلي:
أولا: العشر الأول من شهر ذي الحجة.
لقد فضّل الله تعالى هذه الأيام المباركة، وأَفردَها عن غيرها من الأوقات بالعديد من الفضائل والميّزات؛ شَحذاً للهِمَم والعزائم، وسَعياً إلى زيادة الأجور والحَسنات؛ إذ تجتمع فيها أمّهات العبادات؛ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وغيرها، ولا يكون ذلك في غير العَشر من أيّام السنة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها؛ وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها)[2].
سُئـل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فأجاب: (أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة)[3].
وقال الإمام الطبراني: (ما من أيام أعظم عند الله وأحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)[4]. بمعنى أكثروا في هذه الأيام من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلـه إلا الله، والله أكبر.
ولما كان الصيام من أفضل القربات فإنه يُستحبُّ صيامها، والإكثار فيها من العمل الصالح؛ من صدقة وبر وإحسان ودعوة إلى الله عز وجل.
ويستحبُّ لمن أراد أن يضحي ألا يمس من شعره وبشره شيئا فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا)[5].
ثانيا: يوم عرفة:
الإكثار من الذكر يوم عرفة، الذي وعد النبي صلى الله عليه وسلم من صامه (لغير الحاج[6])، بتكفير ذنوب السنة الماضية والسنة القابلة، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عرفة؛ إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله”[7].
ثالثا: قُـرُبات بعد الليالي العشر:
1- صلاة العيد:
هي صلاة شرعها الإسلام ليؤديها المسلمون في يومي العيد؛ ومنها صلاة عيد في اليوم العاشر من ذي الحجة وهو يوم الأضحى المبارك ويوم النحر، الذي يرتبط بأداء فريضة الحج. ويدخل وقت صلاة العيد بارتفاع الشمس قدر رمح في نظر العين، ويُقَدّر بمرور ربع ساعة بعد شروق الشمس، وينتهي وقتها بزوال الشمس. يُسن في صلاة العيد خطبتان بعد الصلاة.
كما يُسن التكبير من أول شهر ذي الحجة إلى نهاية اليوم الثالث عشر، قال تعالى: “ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات”(الحج:28)، وهي أيام العشر. وقوله عز وجل: “واذكروا الله في أيام معدودات”(البقرة:203)، وهي أيام التشريق.
2- الأضحية وأيام التشريق:
وبعد يوم عرفة يأتي يوم النحر وأيام التشريق، وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من هذا الشهر المبارك، والتي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله)[8]. فقد شرع فيها أعلى العبادات، ولم يمنع فيها إلا الصيام، ومما ورد عن أيام التشريق؛ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: (وسِـرُّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها؛ أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نِـيام)[9].
والأضحية هي ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام عيد الأضحى تقرُّباً لله تعالى. وسميت كذلك تغليبا لزمان الذبح وهو الضحى؛ فهو الوقت المشروع لبداية الأضحية.
والمقصود من الأضحية هو؛ تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه ومولاه لتأتي الثمرة وهي تقوى الله عز وجل، وإصلاح ما يكون به صلاح للفرد والمجتمع، ألا وهو القلب، كما يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله، قال عز وجل: “وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب”.
وقد رد في فضل أضحية العيد أحاديث كثيرة، ومنها؛ ما روي عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما عمل آدميٌّ من عمل يَوْمَ النَّحْرِ أحبَّ إلى اللهِ من إِهْرَاقِ الدَّمِ، وَإنَّهُ لتَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ فِي فَرْشِهِ بِقُرُونِهَا وَأشْعارِهَا وَأظْلافِهَا، وَإنَّ الدم ليَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَان قبل أن يَقَعَ منَ الأرضِ فَطِيبُوا بِها نفساً”[10].
وعن عليٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يأيها الناس ضحُّوا واحتَسِبُوا بِدِمَائِها فإن الدم وإن وقعَ في الارض فإنه يقعُ في حِرْزِ الله عز وجل”[11].
وأضحية العيد فرصة للتقرب إلى الله، وذلك من خلال ما يلي:
– التعبد لله تعالى وطاعته فيما أمرنا به، امتثالا لقوله تعالى: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرِ”[12].
وقوله تعالى: “قُلِ إنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَماتِيَ للهِ رَبِّ العَالَمينَ لا شَريكَ لَهُ”[13].
– اتباع سنة أبينا إبراهيم عليه السلام؛ ففي اتباعنا له في هذه السنة تذكير بذلك الموقف الكبير والفداء العظيم والامتثال الكبير من سيدنا إبراهيم لله رب العالمين في طاعته حيث أمره أن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، وكيف كان التعاون الأب مع ابنه في تنفيذ أمر الله تعالى، وفي دلك حكم بالغة.
– ذكر الله عز وجل عند ذبحها.
– شكر الله تعالى على نعمه وعلى ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، وذلك بإطعام الفقراء والمحتاجين بالصدقة عليهم. قال عز وجل: “فَكُلُوا مِنْهَا وَأطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ”[14].
– التوسعة على النفس والعيال يوم العيد، وأيام التشريق.
3- صلة الرحم:
وتعني الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم. وفي المقابل “قطيعة الرحم” تعني الإساءة إلى الأقارب. وقد ورد في فضائلها أحاديث وآثار كثيرة، منها:
– عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) [15].
– عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني خليلي أن لا تأخذني في الله لومةُ لائم، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت)[16]
– عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سرهُ أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه)[17].
خاتمة:
لتحقيق هذه العبودية، خصوصا في هذه الأيام المباركة؛ الليالي العشر يوم العيد وأيام التشريق، ينبغي أن نستحضر عند ذبح الأضاحي قول الله تعالى: “لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ”[18].
ولا ينبغي أن تتحول النسك والقربات عند الناس إلى عادة يتنافسون عليها ويتباهون ويتفاخرون، ويتبارون في الأعمال الظاهرة، وقد يبيع أحدهم بعض لوازم البيت لشراء الأضحية، لـذا ينبغي أن يُعرف أن المقصود في الأعمال الظاهرة هو التأثير على القلب، وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في هذه العشر الأول من شهر ذي الحجة أن يجدها الإنسان فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أهم من حسنات الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح. قال الإمام القرطبي في تفسيره: (قال ابن عَبَّاس: لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ. وقال ابن عِيسَى: لَنْ يَقْبَل لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ “إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”).
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يُحب ويرضى، وأن يرفع هممنا لتعظيم شعائره، ولمزيد من الطاعات والعمل الصالح، وأن يجعل أعمالنا، وأضحيتنا صواباً وخالصةً لوجهه الكريم.
ءامين، والحمد لله رب العالمين.
[1] – تفسير ابن كثير، ج: 3 / ص: 635.
[2] – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3، ص: 139. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3 / ص: 139.
[3] – مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج: 25 / ص: 287.
[4] – المعجم الكبير للطبراني، حديث رقم: 12278.
[5] – رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الأضاحي، باب: “نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئا”، حديث رقم: 39-1977.
[6] – لأنه؛ يكره للحجاج صيام يوم عرفة.
[7] – رواه الإمام الترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب: ما جاء في فضل صوم يوم عرفة، حديث رقم: 749.
[8] – رواه والإمام مسلم، كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق، حديث رقم: 144/1141.
[9] – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني ج: 3 / ص: 137.
[10]– رواه الإمام الترمدي، وقال حسن غريب، والحاكم وقال: صحيح السند.
[11]– أخرجه الإمام المنذري في الترغيب في الترغيب والترهيب.
[12]– سورة الكوثر / الآية: 2.
[13]– سورة الأنعام / الآية: 164-165.
[14]– سورة الحج / من الآية: 26.
[15]– رواه الإمام مسلم، حديث رقم: 2555. وينظر فتح الباري؛ ج:10 / ص: 5989.
[16]– رواه الطبراني في الكبير، وفي الصغير، حديث رقم: 758.
[17]– رواه الإمام مسلم، حديث رقم: 2557.
[18]– سورة الـحج / الآية: 35.