الفن التجريدي
بقلم: جواد الصديقي
المقدمة:
استمرَّ الفن المشخص راسخاً في الفن التشكيلي معبراً عن الأشكال والشخوص والطبيعة، ومع أن الفنان كان يضفي في كثير من الأحيان على أعماله المشخصة شحنات من انفعالاته الداخلية، وتخيلاته المستوحاة من عالمه الداخلي، قد لا تتفق مع منطق الواقع المرئي والموضوعي، إلا أن الفن التجريدي أعفى الفنان من الاتكاء على أي صيغة مألوفة، مستبقياً فقط، انعكاسات عالمه الباطني أو الخيالي في عمله الفني.
1-المفهوم:
الفن التجريدي مفهوم ينطبق على الفنون اللاتشخيصيّة التي تعتمد القيم التشكيلية الخالصة من دون غيرها – التشكيل بالأشكال والألوان والمواد بمعزل عن كل محتوى أدبي أو سردي أو موضوعي، وهو اتجاه في التصوير والنحت، تنفصل صيغه عن الموضوع المألوف والواقع، لتشكل صورةً غير مشخصة .
2-نشأة الفن التجريدي:
تعود نشأة الفن التجريدي إلى ما رُسم في العصور القديمة على الصّخور والفخار، إلّا أنّ فكرة القيام بعمل فنيّ يعتمد على البساطة في تصوير المرئيات لمعت في القرن التاسع عشر الميلادي عند الفنانين أصحاب الحركات الانطباعيّة والتعبيرية فظهرت الأعمال الفنيّة التي تشرح قصّةً ما، كما ظهر الفنانون الذين درسوا الإدراك البصريّ للضوء، بالإضافة إلى ظهور الأفكار التي تبتعد عن التقليد والمثالية، والأفكار التي تدعو للخيال كأحد أهمّ عوامل الإبداع، و في عام 1890م أشار الفنّان موريس دينيس إلى أنّه من الضروري التذكّر أنّ الصورة قبل أن تكون قصّةً، أو حصاناً، أو أيّ شيء آخر، هي في الأصل عبارة عن سطح مستوٍ يحتوي على مجموعة من الألوان المُرتبّة بطريقة مُعيّنة.
ظهر الفن التجريديّ كنوع من أنواع الفنون في أوائل القرن العشرين، وقام الفنانون في تلك الفترة بالعديد من الأعمال الفنيّة التي تعتمد على خيالهم، وليس على ما يرونه من المرئيّات، وقد عرّفوها بالأعمال الفنية النقيّة، وذاع صِيت هذه الأعمال في زمن كاندينسكي تحديداً عام 1911م، ومن اللوحات التي اشتُهرت في ذلك الوقت، لوحات الفنّان الفرنسيّ فرانسيس بيكابيا،
3-أنواع الفن التجريدي:
أ-الفن التجريدي الانحنائي:
يكون الطابع العام لهذا النوع هو احتواء العمل الفني على الخطوط المُنحنية التي تُستخدم لرسم مجموعة من الأنماط المُختلفة، مثل: الدوامات، والدوائر، والأنماط اللولبيّة، ويظهر ذلك واضحاً عند استخدامها في رسم الوجوه البشريّة، وممّا يُلاحظ في هذا النّوع أنّه لا يحتوي على خطوط مُستقيمة أو بزاوية قائمة إطلاقاً، يتميّز هذا النوع بوجود دوامات من الصبغات اللونيّة التي تجعل النّاظر للعمل الفنيّ غير قادر على تمييزه جيّداً، ويظهر هذا النّوع في الأعمال الفنيّة للفنان أوسكار كلود مونيه، خاصّةً في سلسلة لوحاته المشهورة التي سمّاها زنابق الماء، كما اشتهر فنانون آخرون في هذا النوع من الفن التجريدي؛ كالفنان جوزيف مالورد.
ب-الفن التجريدي الهندسي:
تعود تسمية هذا النوع بهذا الاسم إلى استخدام الفنان الأشكال الهندسيّة على اختلافها، مثل: المُربّعات، والمُثلّثات، والمُستطيلات، والدّوائر، ونتيجةً لذلك يكون العمل الفنيّ بعيداً عن تصوير واقعيّة الأشياء كما هي، فهو يقوم على رسم ثنائيّ الأبعاد للأشياء على عكس ما كان يُستخدم في عصر النّهضة من الرّسم على أساس المنظور لإبراز الأشياء واقعيّةً .
ج-الفن التجريدي الإيمائي:
يعتمد هذا النوع على الطريقة التي تُرسم بها اللوحة دون الاهتمام بموضوعها، وعلى اختلاف أنواع الفنون الأخرى غير التجريدية التي تعتمد نهجاً في كيفية طلاء اللوحات الفنية، فإنّ الفن التجريدي الإيمائي يعتمد على الحدس والمشاعر العميقة، ومن اللوحات التجريدية الإيمائية لوحة الرقم خمسة لجاكسون بولوك.
د-الفن التجريدي البسيط:
ظهر هذا النّوع بعد ظهور الفن التجريدي الهندسي، فتمّ استخدام الأشكال الهندسيّة في هذا النوع بشكل مُبسّط أكثر ممّا تمّ استخدامه في التجريد الهندسي، وعلى عكسه فقد تمّ استخدام الرّسم ثلاثي الأبعاد، فكان المُهمّ أن يكون أساس العمل الفني البساطة البالغة، وقد لقي هذا النّوع شُهرةً شعبيّةً كبيرةً مُقارنة بالأنواع الأخرى خاصّةً في العصر الحديث.
4-مميزات الفن التجريدي
يتمتع الفن التجريدي بعدّة ميزات:
-تشخيص الظواهر النفسية دون تمثيلها: أيّ عدم العودة إلى الأشكال التي تمّت معرفتها، إنّما الاعتماد على ما يصدر من الروح الإنسانية بشكل مُطلق، بالإضافة إلى الاستناد إلى ما وراء الأمر الواقعيّ.
– الاعتماد على العناصر التعبيرية التصويرية: أيّ الاعتماد على التعابير التحليلية التي ترتبط بكلّ ما هو وراء الطبيعة، أو ممّا يصعب فهمه بسبب العمق الذي فيها، أو ممّا يتعلّق في إظهار العاطفة بشكل أكثر وضوحاً ومُباشرةً، وذلك من خلال التعبير بإشارات محسوسة، أو دلالات ورموز تظهر من خلال الخطوط، والألوان، والأحجام، ممّا لا يُخلّ بالأصل.
– اعتباره من أهم الأساليب الفنيّة التي استوعبت الاتجاه العقلي والعاطفي: يشمل الاتجاه العقلي القاعدة، والنظام، والتناغم، والبناء، أمّا الاتجاه العاطفي فهو الجانب الرّوحيّ، إذ يُعدّ الفن التجريدي من الفنون التي حقّقت توازناً بين عقل الفنان وخياله بشكل يبتعد عن التقليد مع احتواء أيّ تجديد يدعم التشكيل، ويتمثّل ذلك بوجود تفسير عقليّ للتطورات الفنيّة التي توجِد توازناً بين الشّعور الدّاخليّ للفنان وما يرسمه بيده من أشكال مُجرّدة، مُروراً بالألوان وتناسقها وتباينها، والملمس، والخطوط، والمساحات، فتظهر العمليّة الفنيّة كاملةً على نحو مُتناغم بإيقاع مُتّزن.
5-اتجاهات الفن التجريدي
أ- الحركة التجريدية لفاسيلي كاندينسكي:
ابتكر هذه الحركة الفنان كاندينسكي في ألمانيا، وهي تُمثّل التيار الروحي، وكانت بداية هذه الحركة من خلال تحديد الفن التجريدي ضمن الأمور الروحية والحدسية وابتعاده عن العقل، فكان كاندينسكي يرى أنّ الموضوعيّة في الفن لا تستمر مع الزمن، بالإضافة إلى ميله إلى عزل الجمال عن الطبيعية زماناً ومكاناً؛ لإيمانه أنّ العمل الفنيّ يتمثّل في ماديّته وظاهريّته في الحقيقة ، ثمّ تطوّر التصوّر الفني لكاندينسكي فأصبح يستخدم الألوان والأشكال بشكل مُجرّد حتّى وصل إلى مرحلة استغنى فيها عن الأشكال الطبيعيّة، ويظهر ذلك واضحاً في أعماله، فقد كانت لوحاته في مراحله الأولى تجمع بين المحتوى التعبيريّ والبناء التشكيليّ، لكنّ الأعمال وإن حَوَت على شاعريّته إلّا أنّ الطابع التشكيليّ غلب عليها، وذلك باستخدامه الزوايا الحادّة، والمثلّثات، والدّوائر، وفي مرحلة لاحقة أصبحت أعماله الفنيّة تميل إلى امتلاكها طابعاً هندسيّاً مُتّزناً؛ لاستخدام الخطوط المستقيمة فيها.
ب-الحركة التجريدية لبيت موندريان:
ابتكر هذه الحركة الفنان موندريان، وهي تُمثّل التيار الرياضيّ، فقد مثّل موندريان في أعماله الحالات الموضوعيّة لعاطفة الفنّان، ممّا يطمس الطبيعة الماديّة والواقعيّة للأشياء، أو وجودها بشكل نقيّ خالص، وذلك أهم مبادئ اللاموضوعيّة في الفن، وتظهر هذه الخصائص في أعمال موندريان التي تعتمد على تعامد الخطوط الأفقيّة التي تمتلك طابع السكون والهدوء، والرأسيّة التي تمتلك طابعاً مُتّزناً،
6-الفن التجريدي وقضايا الامة
يلعب الفن التجريدي دورا هاما في خدمة القضية الفلسطينية بنقله الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون والتأريخ له، إضافة إلى اضطلاعه بدور تعبوي؛ ولا تكاد تخلو لوحات أي من التشكيليين الفلسطينيين من اللون الأحمر إشارة إلى دماء الشهداء أو الكوفية إشارة إلى الهوية الفلسطينية، وكذا القيد وشجر الصبار وغيرها مما له صلة مباشرة بمعاناة ذلك الشعب.
وقد كان الفنانون الفلسطينيون ولوحاتهم هدفا للاحتلال، فتعرضوا للاعتقال وصودرت لوحاتهم ومنعوا من السفر لنقل الواقع الأليم للمجتمع العربي والدولي، ولكن ذلك لم يمنع ريشة الفنان الفلسطيني من تسجيل ألوان المعاناة والعذاب للتاريخ.
الخاتمة
في ختام هذا المقال، نذكر أن الإبداع ليس مقتصرًا على الرسامين بل يمتد إلى مجموعة واسعة من الفنانين. الممثلون يمكنهم إنتاج أعمال مسرحية تعرض قضايا الامة من منظور إنساني. الموسيقيون يمكنهم كتابة أغاني تحمل رسائل قوية عن الحقوق والعدالة. وبجانب ذلك، يمكن للكتّاب والشعراء المساهمة في الدعم من خلال كتابة أعمال أدبية تروي قصص الشعب الفلسطيني.