حول الرواية والقصة القصيرة
بقلم: حميد الراتي
” لكل فن شكلُه الجمالي الخاص” صرّح شيخ القصة القصيرة أحمد بوزفور ذات احتفاء.
و أقول: لكل جنس أدبي توابله ومقوماته وعوالمه التي تميزه، فالشاعر، غالبا، ما يَنسُجُ حُرْقَته على منوال الطبيعة الزاخرة بألوان السماء والمطر، المهيأةِ بالتحديات..، والقاص، يقتنصُ اللحظةَ المناسبةَ ليمسك بفريسته المستعصيةِ على الترويض، لاتُهِّمُهُ البداية، قد يبدأ من فرضية، وقد لا تُهِمُه النهاية، النهاية استفهام..
أما الروائيُّ، فهو يهوى تغييرَ المعالِمِ الحَقِيقيةِ للحكايةِ، ويجعلها تتناغم بشكل مغاير، يعشق الالتباس والمجازفة، ويلجُ بكل خططه المتمردة، هذا الشكلَ الفاتنَ، المدهشَ، المسمى قيدَ إبداعه: الرواية، بِقدّها الممشوق الطويل النافرِ كغزالة، وبلبلابِ حروفها اليانعةِ كشجر السرو، وطريقها السالك المعتم في آن واحد، المؤدي دون رَجْعَة، دون تباطؤٍ، إلى دهاليز الأحداث المتناثرة كجمر بركاني طائش.
الرواية، وكأن مبدعها/ الطفلَ، يرضع من ثديها، حليب الجرأة من أجل تشكيل الصورة، وعدم فقدانها أو تلاشيها..، الصورةِ/ المجاز، الصورةِ/ الحلم، الصورة/ الحدث، الصورة/ الحقيقة، كل ذلك إلى جانب الرغبة الجارِفة في الكتابةِ، و البوح بكل شيء، حتى بما يواريه الكاتب ويَدفَنُهُ في عمق مكنوناته.
فكيف يقترف الروائي كلَ هذا؟ متى يكون هو السارد؟، وهل يمكن أن يكون هو المتلقيِ في آن واحد؟
ف “الرواية آلة خاملة تستعيد نشاطها بفعل القارئ” أمبرتو إيكو، أم هي طقوسٌ محنطة عابرة للزمن؟
إذا، فما هو الطقس المعتاد لكتابة الرواية، أيها القابضون على جمر الكلمات الماتعات، وأنتم تنزفون كل هذا التضاد، كل هذا التوافق، كل هذا النَفَسِ الطويل..؟
ومن طقوس الأدباء ما قَتَل:
اِدعت الكاتبة الانجليزية أكاتا كريستي أن غسل الصحون يحفز تدفق الأفكار، بينما فضل الفرنسي بالزاك شرب القهوة حتى مات جراء فَرْطِ الكافييين، أما الأمريكي هيمينغواي فقد كان يبري أقلام الرصاص ويكتب بوضعية غريبة: وقوفا، عَكْسَ مارك توين الذي يكتب مستلقيا، وكان توماس وولف يقوم بنُزهة طويلة قبل الكتابة..
وتوم روبينز يُراقِبُ الغيوم، وهناك من وجد ضالته في السجن كالإسباني سيرفانتس، في حين، لا يستطيع محمود درويش الكتابة أثناء السفر، ولا خلال الليل، بل يمارسها في مناخ نفسي معتدل، أما العَقاد، فلا كلام إلا بعد ارتداء البيجاما..
هل أنتم مضطرون لكل هذا؟، يمكن بسهولة لكل واحد منكم أن يستقل حافلة ما، تَمخُر بدخانها اللولبي طريق التيه ويكتب، أو يمكن، أن يُشذّب أفكارَهُ على أهازيجَ محلية، أو دندنة موسيقية تناسب المزاج، أو على وشوشاتِ المخبرين بمقهى المساء الأخير، وهم يشاهدون على شاشات الجزيرة تقتيل الأطفال الرُضع بغزة الشهيدة.. أو..
فلتخرجوا من هذا المأزق مثلي، مع تأكيد الادعاء، أنْصَحُكم ببرنامجي اليومي:
ألملم شعث سَريري كل سبتٍ أو أحد، أفتح نافذة الغرفةِ بهدوء، أُعِدُّ مائدة الإفطار، أرتب أوانيَ المطبخِ بَعْدَ غسلها وتلميعها، أُخْفي دوما سِكين اللحم اللامع، أكنس ما عَلِقَ بمكتبتي من نسيان وغبار، نغمات سيلين ديون، ومرسيل خليفة ممزوجتين بصوت بائع جافيل..، يَهُبُّ الإلهام كعاصفة هوجاء.
أتكتبون الحقيقة فعلا، الحقيقة كما ترونها، أو كما يخيل لكم، أو كما يحكى لكم؟، أم تصنعون حقائِقَكُم الخاصة معشر الكَذَبةِ الرائعين..؟
إن “الكاذب المحترف روائي مبدع لم يعثر على طريق الكتابة بعد” عبد القادر الدحمني.
هي الأخرى (القصة)، “كِذْبَةٌ متفقٌ عليها ضمنيا بين الكاتب والقارئ” أنطوان تشيخوف.
الرواية: هذا الصرحُ الممردُ، المترعُ بالعواطفِ والانتكاسات، المثقلُ بصيغ التناقضِ والاستفهام، والاضطرار، والاضطراب، والاستكشاف، والعبث، والسادية.. خليط من الهَوَسِ المتدفق كشلال.
الرواية، هي سرد مُشْرعٌ على كل الاحتمالات، حتى ولو ادعى الساردُ المشاكسُ بَراءتَهُ من التورط في رسم البورتريه العام الشامل للأحداث، بمعنى، يريدنا الدَاهيةُ أن نَفهمَ الحكايةَ وِفقَ قوانين الجاذبية.
الرواية، حمالةُ أوجه، الرواية/ الزمكان، الرواية/ تعدد الشخوص، الرواية/ “التفلسف وليس الفلسفة” بثينى العيسى.
القصة القصيرة، سردٌ ملغز، قصيرةُ القامة، تشبه حبةَ أسبرين، لحظةَ حمىً عابرة، قد تنضح على وجهك البلل، أو قد تقدم لك كنهاية محتملة، وردة، ابتسامة، صفعة، وقد تتركك حيرانا تلفحك الشكوك.
الرواية: تقاطعات، إثارة، شغف.
القصة: تناقض، مؤامرة، شغب.
الرواية، اللغة، تُنْسُجُ لُغةً شَفِيفَةً للعشق، تشكل رغوة بنية تغري بالمتابعة، تلقنك في ليلة واحدة طقوس التسكع المتباطئ، المتأني، تعلمك أبجدية الانصات، وشُربَ السَمراء، والفضولَ، والتلصصَ، تشدك بمتعتها إلى نُسغِها المكين.
الرواية أيضا، قارئ عاشقٌ يخجل من رائحة العَرَقِ الورقي، وإذ تصرخ في دواخله: هيا أتِمَّ ولا تتوقف.
الرواية: قارئ محترفٌ يَعُبُهَا دفعة واحدة، أو يَرْشُفُها على مَهَلٍ حتى الثُمالة، (التلسيقة بلغة الشاي والسبسي).
وعاشت القصة القصيرة.