منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رحلة رفيعة في كنف رفيع

رحلة رفيعة في كنف رفيع/الدكتور عز الدين محمد البدوي

0

رحلة رفيعة في كنف رفيع

بقلم: الدكتور عز الدين محمد البدوي

كان أول لقاء لي به أواسط مارس من عام 2014، كنت أعرفه، ومن منا لا يعرفه، ولسوء حظي أنه لا يعرفني.

 جلست معه في أول لقاء وأنا خائف متوجس، مكانته العلمية ألقت عليه رداء من هيبة ووقار. في شبه مقابلة أولية طلب مني أن أقدم مشروعي البحثي، ارتبكت كما يرتبك تلميذ قبالة أستاذ صارم، تلعثمت ولم أقو على تقديم بضاعتي، إذ كانت بضاعة مزجاة، هيأتها على عجل، وأنا أرجو  به (المشروع) ضمان التسجيل في سلك الدكتوراه، دون أن أكون حقا مقتنعا به،  فكيف لي أن أقنع به أستاذي؟!. اشتدت حيرتي وترددي إزاء الأستاذ رفيع. هذه المرة تيقنت بما لا يدع مجالا للشك من مقولة: “لكل امرئ حظ من اسمه”  فهو رفيع، في علمه، رفيع في خلقه، رفيع في جديته، كنت أخجل منه إلى درجة الخشية.

قلت في نفسي: هذا رجل رفيع ساقه الله إلي فلعل دعاء صالحا قد ساقني إليه، الرجل جاد لا يقبل  المزاح، يحرص على الإنجاز المتقن والإبداع والمتميز، سألت عنه صاحبي “السماحي”، فهو مسجل معه قبل سنتين، قال لي مازحا: هذا الذي سيقوم اعوجاجك وسينفض عنك غبار الوهن  ويحرضك على الفعل و المبادرة ، أيها المتراخي (يلاه جمع راسك). وانس أياما خلت كان يستوي عندك فيه الجد والهزل.

وجدتني مضطربا شاردا في حضرته، قاطعني بعد ما علم من مصابي، – يمكنك تغير هذا الموضوع، بقي لك أسبوع.

تمتمت، وقلت له: لن أغير هذا الموضوع.

ودعته هذه المرة، وفي نفسي شيء من حتى، غير أنه شيء قليل جدا مقارنة بما كان في نفس سيبويه.

بعد سنة أصيبت أمي بمرض السرطان، أقعدها الفراش وأقعدني معها عن البحث، فكرت في الانسحاب، أدركت يومها أن لأمي  الأولوية في الاهتمام  والأسبقية في  الاستجابة .

أخبرته بذلك، فقبل مني العذر بصدر رحب ينم عن أخلاق عالم رباني، يعي ما معنى سلم الاولويات وما معنى البر بالوالدين.

جئته بعد سنتين خاوي الوفاض لا ألوي إلا على شيء قليل يسير.

من الغرابة أنه على قدر حبي  وتقديري له يزداد خوفي منه، فلأول مرة أدرك أن المشاعر تنساب من جهة إلى أخرى مناقضة، من غير أن تعرقلها حدود ولا خطوط حمر. زرته هذه المرة في بيته ومعي صاحبي رشيد، ألح السيد الأستاذ أن يكون الغذاء معه في بيته ، فاليوم يوم الجمعة، والوجبة قصعة كسكس متميزة وفق طقوس أهل البلد.

في هذه الزيارة المباركة، أتحفنا بتوجيهات منهاجية  أساسية وراقية، كنا في أمس الحاجة إليها، تهلل وجه صاحبي، الذي كان يغبطني على مشرفي، وكان رشيد يحرص على مرافقتي لزيارة أستاذي الرفيع.

قال لي يوما: أنا أستفيد من أستاذك في بحثي، هنيئا لك به.

 توجه إلي مباشرة، وعلى وجه مخصوص، يقترح عليَّ تغير موضوع البحث، بعدما علم من كسلي ما علم، ومن مهاراتي المتواضعة  فأرشدني إلى موضوعين أقيد بهما بحثي، الأول” الأسرة” أما الثاني فهو ” المعاملات المالية”، تحمست للأول ولكني شعرت برغبته وميله العلمي  للثاني، فتركت اختياري جانبا وتمسكت باختياره، وتبين لي فيما بعد أنه الأنسب لي؛ إذ هو موضوع له راهنيته وأهميته، ويا ليتني عملت بتوجيهاته مبكرا، هكذا كنت أردد مع نفسي .

  تأخرت فعلا لكني بصرت طريقا واضحا فمشيت.

تأخرت في بحثي ولكني تقدمت في معرفتي بهذا الرجل، وصدقت فراسة صاحبي السماحي، الذي كان يبشرني بجدية وحزم مشرفي، لما يعلم عني من تهاون وتراخ لا يعلمه السيد المشرف.

كنت مرارا أردد كلاما بداخلي: “حتى لو لم يكتب لي الظفر بالحسنيين معا، سأكون قد فزت بصحبة ومجالسة رفيع”.

شاء الله أن يكتب لي الحسنيين، ( صحبة سيدي الرفيع و مناقشة الدكتوراه).

لا أخفيكم أنني كنت مرارا أفكر في الانسحاب، غير أن قلبي لا يوافق، أراه يشجعني، يأخذ بيدي، ويقول حاثا وحاضا: “واصل، واصل، فأنت في الاتجاه الصحيح رغم ضعفك.

كان صارما حازما مع الذين سبقوني، لا يقبل التسويف ولا التلكؤ، كما أخبرني أصدقائي يونس والصادقي والسماحي.

بقي لي من زمن البحث أقل من سنتين، ولم يتوصل مني بشيء يداني الفصل ولا المبحث .

بت أتجنب لقياه، حتى غدا عندي الانسحاب من الدكتوراه أهون علي من أن ألقاه وأنا خاوي الوفاض.

أفكر في رضاه أكثر من تطلعي للحصول على الشهادة، غفر الله لأخي يونس الذي كان يطريني بحضرته، ويحكي له عن بعض فتوحاتي وإنجازاتي وبطولاتي زمن الدراسة في الجامعة.

 الإطراء الذي يسمعه مشرفي من صاحبي يزيدني ألما وحسرة على تفريطي في التحصيل العلمي، أرجع لنفسي فأقول:

– يا هذا، الزم الجد وتسربل بالعزم، تصل المراد، فما يزال أمامك سعة من وقت ومكنة من عمل صالح.

يونس الألمعي بلغه عني ولم أكن قد تشرفت بصحبته بعد، فأنا خرجت من كلية الشريعة إذ دخلها يونس، كان وهو المناضل الشهم يسمع عني، يسمع عن كاتب عام لأول تعاضدية بكلية الشريعة، يسمع عن نباهتي وكياستي، هكذا يخيل إليه، أو كما بلغه عني لا محالة، مزاوجتي بين التحصيل والنضال، كان الذين قبله يخبرونه عن علاقاتي بالأساتذة وتواصلي المقبول معهم ولعل الصورة التي نقلت له عن شخصي المتواضع قد راقته أو رضي عنها.

هذا الرجل رسم لي صورة وردية عند سيدي الرفيع، ولست أنسى صنيعه معه ذات مرة، حيث رافقته لحضور ندوة دولية في تطوان، في موضوع: “منهجية تدريس العلوم الشرعية بالجامعات”.

قضيت معه وبصحبته وفي كنف مشرفي وبعض خبراء التربية ثلاثة أيام بلياليها، كانت من أجمل الأيام وأحاسنها، علما وتجربة وتبادلا للخبرات .

فتح لي صاحبي بابا كنت أظنني بعيدا عنه، شكرته في غيبته ودعوت له بسبب ذلك، وها أنا اليوم أشكره في ما أكتب .

كنت أمزح مع أستاذي، فأقول له حباك الله بأحسن طالب باحث هو يونس، وبالمقابل ابتلاك بي، فاصبر علي، يرحمك الله.

دق ناقوس الخطر، على إيقاع نفذ اعتمادكم، كان الفصل شتاء والسماء ملبدة بالغيوم، حزينة كحزني، تحمل بعضا من همومي، تؤازرني ، تحاول أن تخفف عني شيئا مما حل بي.

أستعين برشيد، يزورني ببيتي فجرا، يساعدني على الصياغة النهائية للمشروع، الذي تأخرت في إرساله لمشرفي.

وصلتني رسالة صوتية منه تشبه الوعيد، أو هكذا خيل لي، توجسي من اتصالي به جعلني أقتصر على مراسلته عبر الواتساب.

أعيد سماع الرسالة و قلبي يرجف مع كل كلمة أسمعها من تسجيله الصوتي.

أقول لي: الرجل لا يمزح، وقد تأخرت، وتهاونت، وما ينبغي لك ذلك.

قمت بتفريغ رسالته وأعدت كتابتها وما زلت أحتفظ بها إلى اليوم.

إنها عتاب شيخ لمريده، أو قل صرامة معلم مع تلميذه، أو قل ما شئت عن كل علاقة مبنية على أسس التقدير والمحبة. أحيانا تنفع سياسة يد من حديد في قفاز من حرير، أو ليس الذهب يأخذ بريقه بالنار؟ والمكاره تصنع الرجال.

وضعت الرسالة نصب عيني وبدأت العمل، ولا شيء سوى العمل، أستعين بالرشيدين، ومن جميل الصدف أن يكونا من أصل ريفي، وأهل الريف ينزعون عموما للحزم، وجدت فيهما النجدة والسند. كم كنت أفرح عندما أرسل لرشيد الأستاذ الجامعي المبرز فصلا أو حتى بابا، فيرده علي بعد يومين أو ثلاث، فإذا توصلت من رشيد بمرادي أبعثه لرشيد صاحبي وأخي، يسهر عليه ليله، وكأن العمل عمله، فإذا كان الفجر رده علي، وكم كنت أسعد عندما يخبرني صاحبي هذا بعبارته المأثورة: ” لا أشعر ولن أشعر أبدا بنشوة الحصول على شهادة الدكتوراه إذا تخليت أنت”.

كنت محظوظا بين الرشيدين.

أبعث له الفصل الأول، وأنا خائف مترقب، غفر الله لهم، يخوفونني منه، وفي اعتقادي سيرد علي بضاعتي، بعد شهر، فالرجل مشغول بالعلم، فضلا عن ذلك أسندت إليه مسؤولية رئاسة الشعبة.

تمنيت لو يمهلني، لو ملكت جرأة لقلتها له صراحة.

وحصل ما لم أتوقعه، رد علي في أقل من ثلاث ليال، فزعت لوصول الرسالة في بريدي الالكتروني، وفرحت لقبوله بضاعتي التي كنت أظنه لن يقبلها لأنها مزجاة كما كانت تبدو لي، أخبرت على الفور الرشيدين ففرحا معي، بل أرسلت لهما توجيهاته التي ضمنها ما كتبت وجعلها لي باللون الأصفر.

كان قد ألح علي أن أتفرغ للبحث ما استطعت لذلك سبيلا، هذه المرة عملت بوصاياه و توجيهاته.

جاء الربيع ولكنه مختلف هذه السنة، مع بدايته أعلنت بعض الدول غلق الحدود وفرض الحجر الصحي، وكنا من ضمن هذه الدول التي فرضت هذا الحجر الصحي الشامل.

أذكر يومها رسالة وجهها إلي : “وكأن الحق سبحانه وتعالى أوقف لك الكون، لتكمل بحثك”. هكذا قال لي.

كنت ملزما بتسليم البحث خلال شهر، لكن مع الحجر سأستفيد من نصف سنة جودا وكرما من المولى، فهو سبحانه القادر على كل شيء.

“وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”.

أرسلت له الفصل التمهيدي، وكان قد أخبرني من قبل أن هذا الفصل يُرْجَأُ إلى الأخير حتى يستوي البحث قائما على سوقه، لكن رده السريع فرض علي أن أرسل له هذا الفصل بين يدي أن أبعث له الفصل الثاني من الباب الأول.

قبله مني وأعقبه ببعض ملاحظاته التي منها أن أختصره ما أمكن، ففعلت.

و بعد أقل من أسبوعين أرسلت له الفصل الثاني.

دب في كياني فرح بما أنجزت، علما بأنني تأخرت، أحس به يزيح عني ثقلا كان يجثم على صدره، غفر الله لي، فقد حملته ما لا يطيق، أكبرت  فيه صبره علي، وقبلت يديه ورأسه تخيلا، ولو أتيحت لي الفرصة وسمح  لي لقبلتهما في الواقع الأمر فهو جدير بذلك .

أرسلت له الفصل الأول من الباب الثاني، ولم يبق إذن إلا الفصل الأخير.

كان رمضان قد حل بنا، ورمضان كله خير ، جعلت من هذا الشهر مناسبة للختام، كنت أواصل ليله بنهاره، ربما جلست خلف شاشة الحاسوب ما يزيد على أربع عشرة ساعة يوميا، دخلت في شبه عزلة عن المحيط.

ومن نعمه سبحانه علي في هذه المرحلة، أن سخر لي رجلا كنت قد خبرته فارسا في اللغة لا يشق له غبار في النحو والبلاغة، هو مفتشي وأخي سيدي أحمد العبودي، عرضت عليه عملي فأضحى يفحصه ويدقق تعابيره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يباغتني بسرعة رده وحسن ملاحظاته، فهو أديب مدقق صاحب صنعة.

ومن شدة حرصه على بحثي تحسبه أنه هو صاحب البحث، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، وقد شكرته في مقدمة بحثي ضمن كوكبة الذين قدموا لي يد المساعدة، وها أنا اليوم أشكره وأشكر غيره ملء الأرض.

وكان من الذين أفدت منهم الدكتور الفقيه سيدي “ادريس جويلل”، الذي جمع لي من مكتبته ما ينفعني في موضوع بحثي وبعث لي به، وكان أحيانا يتصل بي ليطلعني على بعض ما ظفر به لينفعني.

الناس عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

أيضا أخي وصديقي الحكيم كان يتحفني هو الآخر ببعض توجيهاته، فهو أديب لبيب.

لقد شاء ربك أن يسخر جمعا من أهل العلم والأدب والنصح في خدمة عبيد الله الفقير إلى سيده ومولاه.

أنهيت العمل، وشكرت العزيز الوهاب، يصنع وينسب لنا، زرته هذه المرة في صباح جميل، صحبة رشيد، فأنا لا أستطيع السفر بدونه، أشدُّ به أزري وأشركه في أمري، أسعد بصحبته، يفرح رشيد بزيارة مشرفي، كما يفرح مشرفي هو الآخر بزيارة الرشيد، مجالسة أهل العلم والحلم والفضل نعمة ومنة، ومحبتهم قربى، والدعاء لهم واجب.

جلسنا في مقهى ننتظره فإذا هو يبزغ كالنجم في الليلة الظلماء، وقفنا له بعدما ركن سيارته الجميلة السوداء .

تهلل وجهه مستبشرا، لما رآني جئت أحمله ( بحثي)، فأشرت إليه، فحمله يتصفحه، وعين على بحثي وعيني عليه، يحمد الله ويشكره في نفسه، هكذا يظهر لي.

استأذنته أن يكشف لي عن أسماء اللجنة ، وكنت لا أقوى على ذلك، لولا أخي وصاحبي رشيد، فهو صاحب هذه المهمات العظام.

وكنت أقول في نفسي: لو سمح لي أن أقترح لذكرت له الدكتور الفقيه ادريس جويلل، أو رشيد كهوس، أو الدكتور محمد البنعيادي….

لكني فوجئت عندما دخلت على السيدة الرائعة المكلفة بمصلحة الدكتوراه –”زينب”- أستفسرها عن أعضاء اللجنة، فأخبرتني لحظتها بأسماء سجدت سجود الشكر لما عرفت من هم: من  “كلية الآداب سايس” الدكتور الفقيه العلامة سيدي “المسئول”، ومن “كلية الآداب ظهر المهراز” الدكتور “لحسن حمدوشي”، ومن خارج فاس الدكتور الألمعي والفقيه اللوذعي سيدي “الرضا عبد الصمد”، إضافة لصاحب الفضل والرفعة والشرف سيدي “الرفيع” المشرف.

كدت أبكي من الفرح ، كوكبة نورانية، ولمة إحسانية، الرضا، والعلو والرفعة، والحسن.

ندبت حظي هذه المرة، ولو كنت أتقن الشعر لقلته في هذه اللجنة التي سيسند لها افتحاص عملي.

رجعت صحبة رشيد وقد تخففنا من عبء حملناه ما يزيد على ست سنوات.

الطريق الوطنية بين فاس وأصيلا تبدو جميلة، بعدما كانت تبدو لنا قبل ذلك موحشة.

الجو جميل والسماء صافية حتى حواجز الدرك وجدناها اليوم خالية. كل شيء يبدو جميلا، الطبيعة والوجوه والحركة والسكون… فسبحان المعبود !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.