منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

-آآآه يا إبراهيم – قصة في زمن الكورونا

0

نظر ابراهيم إلى زوجته بإمعان وهو محموم ودرجة حرارته عالية.. ثم قال لها مبتسما..أنت الشيء الجميل والمتميز في حياتي ..
أحست بفرحة عارمة هذه أول مرة يتغزل فيها بعد عشرة طويلة ..فلم يسبق له ولو مرة التغزل فيها ..أوالنطق بكلمة(أحبك) ..كانت تلمس ذلك من خلال اهتمامه بها و لهفته عليها ..وتشعر به من خلال لمساته العابرة و نظراته المسائية و همساته الليلية وتكتفي بذلك مستسلمة..اليوم يصرح به.. وبحضور والدته..
أما والدته فاعتبرت تصريحاته ضربا من هلوسة الحمّى ..لم تعره أي اهتمام ..إذْ لم يكن يهمها من هذه الأجواء الرومنسية سوى معافاته..سلامته من كل علة ..فقد ترملت.. وهي في عز شبابها و رغم ذلك لم تتزوج ..وكافحت من أجله وهو مازال صبيا و لم تتهاون ..فشل في دراسته فباعت كل ما تملك و أضافت اليه ما آدخرت ..ولم تبخل عليه بأي شيء..خلقت له مشروعا ..متجرا لبيع العطور و الاكسسوارات النسائية ..وحين ازدهرمتجره واشتهر بين المتاجر باسم (ولد مّي زهرة )..زوّجته على طريقتها ..لذلك كان همها أولا و أخيرا أن يظل سالما.. معافى..
ابراهيم ولْد مّي زهرة رغم الحمى و السعال والانهاك كان مصرا على مكوثه في البيت في الظروف الراهنة و مّي زهرة كانت مصرة على نقله الى المستشفى للفحص و المعالجة ..وظل موقف الزوجة متذبذبا..و ظلت حائرة بينهما ..
اتصلت جارتهم الهاشمية التي اشتهرت باستراق السمع برقم ( آلو اليقضة الوبائية)..و ابلغتهم بكل الاعراض التي يعاني منها جارها ابراهيم ..جاءت سيارة الاسعاف وضجيج صفارتها يستقطب الفضوليين ..حيث انتشر الخبر في الحي ..وانتشرت معه الاقاويل.. والجيران بعضهم متحصن بباب بيته يسأل ..وبعضهم يطل من النوافد ويجزم ..و الاخرون من سطوح المنازل يتربصون ..والكل يتساءل عن الخبر اليقين
وقفت سيارة الاسعاف امام باب العمارة ..نزل منها رجال بملابسهم الواقية..- الملابس الخاصة بالجائحة- ..لا يظهر منهم شيئ ..هم أشبه برجال الفضاء ..منظرهم يثير الاستغراب و أحيانا الرعب ..
أخدوا معهم ابراهيم ولد مّي زهرة و آختفوا ..وتركوا الام مقهورة و الزوجة مصدومة و كلتاهما لا تعرف من قام بإبلاغهم.. و الجيران يسألون من بعيد و يستفسرون بالاشارات من مسافات شاسعة..
ضُحى الغد نزل الخبرعلى الام و الزوجة كقنبلة انفجرت امام وجهيهما في المستشفى..حين قال لهما الدكتور:
-“النتائج ايجابية و المريض مصاب بفيروس كورونا ..حالته متقدمة و وضعيته حرجة..والمطلوب منكما الآن”..
ثم التفت الى يمينه و نادى على أحد الممرضين:
-“أحمد ..يا أحمد ..خد هاتين السيدتين الى الحجر الصحي جناح باء قصد التتبع بعد اجراء الفحوصات و التحاليل”
قاطعته الزوجة :
-“ماذا تقول ؟ هل جننت ؟ لي بنتان صغيرتان تركتهما في البيت مع أختي” ..
مكث ينظر اليهما مليا ثم قال :
-“في هذه الحالة .. عليكما ..أن تعودا الى بيتكما و تمكثا فيه ..ولا تغادراه حتى تأتي سيارة الاسعاف غدا صباحا لنقلكما مع كل من يعيش معكما في البيت الى الحجر الصحي” ..
وقفتا خلف الزجاج تنظران الى ابراهيم .. برزخ من زجاج يفصل بينهما .. بين عالمين ..بين حياتين ..وبين واقعين ..وهو ممدد على السريرفي غرفة العزل وكثير من الأجهزة متصلة بصدره و ذراعه وأنفه ..حين رآهما رسم على وجهه آبتسامة لكن بدت شاحبة مع دموع خجولة في المآقي..لوّح لهما بطرف يده رغم الحمى و الالم و الأجهزة ..وكله أمل في العودة اليهما ..خلال أيام ..ومن إشاراته فهمتا انه يطلب منهما ان يبلغا سلامه و قبلاته الى ابنتيه فاطمة الزهراء واختها شيماء ..
حين عادتا الى البيت وقبل ولوجهما اليه لاحظتا وهما وحيدتان ..أن لا أحد من الجيران آقترب منهما..الجميع نَفَرَ و آستنفر ..كأنهما أُصيبتا بالجُدام ..الكل يسأل من بعيد ..الكل يسلم من بعيد ..ولا أحد يقترب ..فقط الهاتف ..اصبح الوسيلة الوحيدة للتواصل مع عالمهما الخارجي ..الجيران عبره تسأل ..الاصدقاء من خلاله تستفسر ..الاقارب به تستعين لتصل صلة الرحم مواسية و متضامنة معهما في هذه الازمة ..ولا احد يفكر في الاقتراب منهما او زيارتهما ..لا أحد ..
أحستا بالقهر وانخرطتا في البكاء الصامت وكل ما حولهما انقلب رأسا على عقب حتى البيت ماعاد هو البيت ..بدا لهما بيتا مهجورا رغم كل الاثاث ..بيتا مظلما رغم كل الاضواء.. وصامتا كقبر بلا صاحب ..فقط صراخ فاطمة الزهراء ذات السنة و النصف الذي كان يكسر ذلك الصمت و يخرجهما من ذلك الشرود ..ويقطع عنهما تلك المناجاة لرب العالمين..وأحيانا رنين الهاتف من أحد المستفسرين أو الفضوليين..
قبيل الفجر بقليل والام تستعد للصلاة .. رن الهاتف وما بين اللهفة و الخوف ..فتحت الزوجة الخط..وأبلغها المتصل أن ابراهيم مات ..رمت الهاتف و صرخت باعلى صوتها مولولة..
-“ابراهيم مات ..ابراهيم مات”..
نهرتها الام صائحة :
-“اصمتي و لا تصرخي.. و لا تصدقي المتصل.. لعله ..لعله احد العابثين يريد ان يلعب باعصابنا ..ابراهيم حي .. انه حي.. الا تفهمين ..انتظري.. انتظري.. بل تعقلي و..(نظرت حولها في كل الاتجاهات ثم مسكت هاتفها ) هيا اعيدي الاتصال بالمستشفى من هاتفي ..هيا تسلمي.. اصمتي و اتصلي” ..
مسحت الزوجة دموعها وتسلمت منها الهاتف محاولة الاتصال ..في هذه اللحظة بالذات يُسْمع رنين الجرس .. تهرع الام الى الباب ..وتفتحه بسرعة آملة أن يكون الطارق آبنها ابراهيم ..وهنا يأتيهما الخبر اليقين ..فابراهيم انتقل الى رحمة ربه و هذه سيارة الاسعاف أتت لنقلهم الى الحجر الصحي..حيث ستجرى لهن الفحوصات و التحاليل ..
وهي تطل من زجاج نافدة سيارة الاسعاف..بدأت الام تولول بصوت خافت اشبه بالانين:
“آه يا ابراهيم.. تموت ميتة الغرباء.. لاجنازة .. لا عزاء ..آه يا ابراهيم.. متجرك ومالك وبيتك سيتقاسمه الورثة مع ابنتيك لانك لم تنجب ولدا..آه ياابراهيم ..حين سأموت من سيقيم لي العزاء ؟ أم سارحل مثلك بلا عزاء…آه يا ابراهيم.. كنت الجناح الذي به اطير و العين التي بها أرى ..والسند الذي منه استمد هيبتي ..اليوم اصبحْتُ طائرا جريحا .. ضريرا ..لا طيران بعد اليوم ..لا هيبة.. لا وقار..آآه يا ابراهيم.. لو تحصنت ببيتك لنَجّيْتنا من كل هذا البلاء..آآآه يا ابراهيم.. سأظل أرثيك ..وأناجيك ..وأدعولك..حتى ألحق بك..لأن الحياة لا تحلوإلا بك” .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.