وقفة مع اختلاف الناس في زمن صيام يوم عرفة
وقفة مع اختلاف الناس في زمن صيام يوم عرفة/ الدكتور أبو الحسن ابن الطيب
وقفة مع اختلاف الناس في زمن صيام يوم عرفة
بقلم: الدكتور أبو الحسن ابن الطيب
فإن الصيام من أفضل العبادات وأعظم القربات فهو ركن من أركان الدين ووقاية من عذاب رب العالمين وجنة للمتقين، وهو ينقسم إلى قسمين: فرض كصيام رمضان والنذور والكفارات ونفل كصيام يوم عرفة.
وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عرفة وجعله مكفرا لذنوب سنتين فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي، قال: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ، وصِيامُ يومِ عاشُوراءَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التِي قَبْلَهُ[1]“، وقد كان الناس يصومون يوم عرفة منذ فجر الإسلام حسب رؤية كل بلد كصيام رمضان إذ اعتماد رؤية واحدة لكل البلاد كان أمرا عسيرا قبل هذا الزمان، ولذلك ساغ الاختلاف.
ولما صار التواصل بين الناس يسيرا وتحول العالم إلى “قرية صغيرة” وأصبح الناس يشاهدون الحجاج وهم واقفون بعرفة من كل بقاع العالم ظهر الخلاف بين أهل العلم حول صيام يوم عرفة هل له علاقة باختلاف المطالع وبالتالي فإن كل بلد يصوم اليوم التاسع حسب رؤية بلده؟ أم لا بد للجميع من صيام يوم التاسع حسب رؤية بلد الحرمين إذ الوقوف هناك والناس تبع للحجاج، فذهب قوم إلى هذا واختار آخرون ذاك، والخلاف بين العلماء في مسألة المطالع قديم.
والعجب العجاب من قوم يجيزون الاختلاف بين البلدان في صيام رمضان دون تحرج او إنكار ثم يبالغون في إنكار ذلك في صيام يوم عرفة، إذ لا فرق بين هذا وذاك فإما القول بوحدة المطالع في الجميع أو باختلافها.
والذي نذهب إليه هو القول بوحدة المطالع إذ من المقرر في الشريعة المحمدية أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، قال تعالى: ” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[2]“، ومن المعلوم عند أهل العلم عدم جواز ” تعدد السلطان[3]“، “إذ لو تعدد الرؤساء في الأصقاع والبقاع لأدى إلى منازعات ومخاصمات موجبة لاختلال أمر النظام[4]“، مع العلم أن ” جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحدة[5]“. ولذلك قرر أئمة المالكية أن رؤية البلد الواحد ملزمة لكل بلد يصله خبر الرؤية بشروطه المعتبرة، قال خليل- رحمه الله -: “وعم إن نقل بهما عنهما[6]“. وقد شرح الحطاب كلام خليل بقوله: “يعني أن الحكم بثبوت رمضان يعم كل من نقل إليه، إذا نقل بهما، أي بشهادة عدلين، أو نقل باستفاضة، وقوله عنهما، سواء كان المنقول عنه بشهادة عدلين، أو استفاضة، فالأقسام أربعة.“[7]
وقال الدردير – رحمه الله-: “(وعم[8] الصوم سائر البلاد، قريبا، أو بعيدا، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع، ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، (إن نقل) ثبوته (بهما)، أي بالعدلين، أو بالمستفيضة (عنهما)، أي عن العدلين، أو عن المستفيضة، فالصور أربع: استفاضة عن مثلها أو عن عدلين، وعدلان عن مثلهما أو عن استفاضة، ولا بد في شهادة النقل عن الشاهدين أن ينقل عن كل واحد اثنان[9]“.
هذا هو الحكم الشرعي الذي يجب على الأمة أن تسعى إلى تفعيله، أما قبل ذلك وفي ظروفنا المعاصرة، والمتنافرة، فينبغي لأهل كل قطر أن يوحدوا صيامهم، وفطرهم، تجنبا للفتنة والتشويش على العامة، فإذا كان الخلاف في هذا مرفوضا على مستوى الأمة، فرفضه على مستوى الأقطار من باب أولى، فكيف ننادي بتوحيد الرؤية في العالم الإسلامي، ثم تجد الاختلاف في ذلك في البيت الواحد، منهم الصائم ومنهم المفطر، فلنتوحد أولا في بيوتنا، ثم في القطر الواحد، ثم نسعى إلى توحيد الأمة جمعاء، مستعينين بالله، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
وما دام واقعنا قائما على القول باختلاف المطالع لأسباب سياسية يوظف فيها الفقه توظيفا سلبيا يخدم أهدافا تتناقض كليا مع مصالح الأمة فإن الواجب هو الحرص على الحد الأدنى من الوحدة وعدم الوقوع في التناقض بالقول بوحدة المطالع مرة عند عدم الشعور بضغط هوى الاستبداد والقول باختلافها مرة أخرى تحت وطأة الخضوع للاستبداد.
فالقول باختلاف المطالع اليوم أقرب إلى الصواب للأسباب التالية:
1- كثرة الاضطراب وتكرر الخطأ في رؤية الهلال عند المشارقة بسبب عدم الاهتمام بشعيرة مراقبة الهلال وعكس ذلك عند المغاربة فنسبة الخطأ عندهم أقل والاهتمام بهذه الشعيرة عندهم أكبر، وهذا الأمر ليس جديدا بل قديم وهو عكس ما يعتقده بعض المغاربة من عدم دقة المواقيت عندهم فتجد بعضهم يتسحر بعد الأذان جهلا وبعضهم يصوم مع المشارقة اعتقادا أنهم أكثر صوابا فقد ورد في كتاب مواهب الجليل عن الحطاب المتوفى سنة 954ه، قال: “وَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي – رَحِمَهُ اللَّهُ – أَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ أَنَّ جَمَاعَةً شَهِدُوا بِمَكَّةَ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ حِرْصًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَقْفَةُ بِالْجُمُعَةِ ثُمَّ عَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَتِهِمْ وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ لَكِنْ لَطَفَ اللَّهُ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ وَقَفُوا بِعَرَفَةَ يَوْمَيْنِ فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دُفِعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الْعَامَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا وَبَاتُوا بِهَا وَوَقَفُوا بِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَيَقَعُ بِمَكَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَعْنِي إذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ خُبَاطٌ كَثِيرٌ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ[10]“
وقد تكرر هذا الخطأ مرارا في الزمن المعاصر منها ما أعلنه مجلس القضاء الأعلى في السعودية أن بداية شهر ذي الحجة لهذا العام 1425 هـ هو يوم الأربعاء 12 /1/ 2005م وقد جاء في إعلانه [نظراً لأن شهر شوال ثبت دخوله يوم السبت ولم يتقدم أحد يخبر بدخول شهر ذي القعدة يوم الأحد ولأن يوم الثلاثاء / 30 ذي القعدة / حسب تقويم أم القرى هو تمام ستين يوماً بعد شهر رمضان ولم يرد للمجلس عن دخول شهر ذي الحجة ليلة الثلاثاء ما يفيد دخول الشهر وإنما ورد نفي الرؤية وعليه فإن يوم الأربعاء 1 / 12 / 1425هـ حسب تقويم أم القرى الموافق 12 /1/2005م هو أول أيام شهر ذي الحجة وبهذا يكون الوقوف بعرفة يوم الخميس التاسع من ذي الحجة وعيد الأضحى المبارك يوم الجمعة الموافق 21 /1/ 2005م.] ثم أصدر مجلس القضاء الأعلى في السعودية بياناً أعلن فيه أنه قد شهد ثلاثة شهود عدول بأنهم قد رأوا الهلال ليلة الثلاثاء، وبناءً على ذلك أصدر مجلس القضاء الأعلى بياناً تصحيحياً أعلن فيه أن الثلاثاء 11/1/ 2005 في التقويم الميلادي هو غرة ذي الحجة ويوم الأربعاء 19/1/2005 هو يوم وقفة عرفة ويوم الخميس 20/1/2005 هو يوم عيد الأضحى المبارك.
2- بناء على القول باختلاف المطالع المعمول به في كل البلاد الإسلامية نجد بعض البلدان تعلن عيد الأضحى متزامنا مع يوم وقوف الحجاج بعرفة فهل يؤمر هؤلاء بصيام يوم العيد؟
3- هناك من حاول الخروج من الخلاف بصيام يومين على الأقل يوم وقوف الحجاج ويوم التاسع من ذي الحجة حسب رؤية بلده وهو قول له حظ من النظر لأن الخروج من الخلاف مطلوب.
إن نوائب المسلمين كثيرة وحوائجهم متعددة وحرمتهم مستباحة وكرامتهم ضائعة وهيبتهم غائبة وأموالهم مبددة فهنا ميدان العمل المطلوب ومضمار السباق المرغوب هنا تبذل الجهود المباركة وتباع النفوس الطاهرة رخيصة في سبيل الله لاستعادة المجد المسلوب وبناء الوحدة المرهوبة وتبليغ الرسالة الممنوعة وما سوى ذلك صراع بجهد ضائع يخدم العدو ويفسد الأخوة وعن ذلك يجب أن تتنزه أفعال العقلاء
والحمد لله رب العالمين
[1] رواه مسلم وغيره.
[2] سورة الأنبياء، الآية 92.
[3] حاشية العدوي، ج2 ص 375.
[4] شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني، ج 5 ص 238.
[5] حاشية العدوي، ج 2، ص 377.
[6] مواهب الجليل، ج3، ص 151.
[7] مواهب الجليل، ج3، ص 151.
[8] الكلام الذي بين معقوفتين للشيخ خليل، وما سواه للدردير.
[9] حاشية الدسوقي، ج 1، ص 796.
[10] مواهب الجليل للحطاب، ج 2، ص 383.