منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مخاض يصنع الفجر

مخاض يصنع الفجر/ بشرى بنونة

0

مخاض يصنع الفجر

بقلم: بشرى بنونة

تعيش الأمة الإسلامية اليوم مخاضًا صعبًا من أجل ميلادٍ جديد. وكان من أوائل مظاهره جائحة كورونا وما خلّفته من تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية. ثم تلتها الكوارث الطبيعية، كزلزال الحوز والفيضانات في العديد من الدول، والتي لا تزال تبعاتها وآثارها السلبية قائمة إلى اليوم. ولعل ما يعيشه إخواننا في الحوز لدليل واضح على ذلك؛ إذ لا يزالون يعيشون تحت نير البرد القارس والأمطار الغزيرة في خيام لا تتوفر فيها أدنى مقومات العيش الكريم.

أما فيضانات القصر الكبير فقد أثبتت، بدورها، عدم القدرة الكافية على تدبير الكوارث الطبيعية، وعدم جدوى ونجاعة السياسات المتخذة في هذا المجال.

ثم جاءت حرب غزة، تلك الحرب الكاشفة الفاضحة التي أزالت الأقنعة وأظهرت الحقيقة واضحة لوجوه طالما ادّعت النزاهة والمصداقية، وتبجّحت بدعاويها احترام الحقوق والمواثيق الدولية. كما كشفت هذه الحرب أنها حرب عقدية بالدرجة الأولى؛ حرب على الإسلام، دين الحق والعدل، دين الحرية والكرامة، وفوق ذلك كله دين السمو والرقي في الأخلاق والقيم.

ولعل ما انتشر من تسريبات لإبستين جيفري في مواقع التواصل الاجتماعي يبيّن الهوّة والفرق الشاسع بين الأخلاق الإسلامية وأخلاق حلفاء الشيطان.

وها نحن اليوم يشتد مخاضنا، وتزداد الأمة ابتلاءً بحرب جديدة ذهب ضحيتها مدنيون أبرياء، من أجل توسيع دائرة النفوذ والسيطرة، ولتغطية الفشل الذريع والضربة القاسية التي قصمت ظهر إسرائيل والأمريكيين، ولقّنتهم درسًا لن ينسوه بالصمود الأسطوري لإخواننا في غزة العزة.

هذه الأحداث كلها من فعل البشر، لكنها في النهاية من قدر الله وصنعه لحكمة لا يعلمها إلا هو. وهي بلا شك لأمر جلل وعظيم؛ تمحيصًا وغربلة أولًا، حتى لا يبقى في الصف إلا الصادقون الموقنون بوعد الله ونصره لعباده المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله، واختاروا التجارة الرابحة، والتمكين والاستخلاف في الأرض، وجنة عرضها السماوات والأرض، ورضوانًا من الله.

ومن أجل ميلاد جديد، فجر أمة تشرق شمسه على العالم بأسره؛ حيث الحرية والعدالة والكرامة، وحيث الإحسان والعدل، وحيث الرحمة والسلم والسلام والأمن والأمان، وحيث الأخلاق الراقية والنقاء والعفة.

غير أن هذا الميلاد يسبقه ألم ووجع أكيد، لكن النور والفرحة اللذين يأتيان بعده سينسيان ذلك كله؛ كما تنسى الأم آلامها وأوجاعها حين ترى مولودها الجديد يضيء وجهها وتلمع عيناه، فتستجمع قواها لتستقبل هذا النور وهذا الخير.

فالنصر آتٍ لا محالة، وعدٌ من الله غير مكذوب. ولا بد من صبر ومصابرة وقوة تحمّل. وإن بدت الهزيمة أحيانًا، فإن النصر يكون لمن تألّم أكثر، وتحمل طويلًا، وجعل نيته لله وحده خالصة صادقة.

فمهما طال هذا الألم، فلا بد من ميلاد جديد؛ فالحق ظاهر على الباطل، وسنّة الله ماضية: صنع الله، ومن أحسن من الله صنعًا.

ذكرت هذا كله لأذكّر بأن سنة التدافع ماضية في هذه الحياة؛ بها يتميّز الحق من الباطل، وبها يثبت الصادقون في طريقهم حتى يتحقق وعد الله بالنصر والتمكين.

وهي قانون لحفظ الحياة من الفساد، تشارك فيه المرأة والرجل؛ اثنان لا ينفصلان، كلٌّ من جهته، ومن حيث وظيفته وتخصصه الذي خصَّ الله به كلَّ واحدٍ منهما. كما أن التدافع يحقق العبودية لله وحده لا شريك له، ويولّد الطاقات والكفاءات، ويُخرج كُنْه ومكنونات كل إنسان؛ فمعدن الإنسان لا تصقله إلا المحن، فالذهب الخالص لا يُستخرج إلا بعد صهره، والشدائد لا تُضعف بل تُقوّي.

ومن هنا، فإن تغيير حال الأمة هو ـ بالدرجة الأولى ـ تغيير بالنفس: محاسبتها وتطويرها، واكتساب المهارات، وتعليمها، والاجتهاد، والثقة بها، وتصحيح مسارها ووجهتها. فمتى كانت الرؤية غير واضحة، فإن المسار لن يكون واضحًا، وسنصل حتمًا إلى طريق مسدود.

وما دامت هذه النفس مكبّلة لم تتحرر بعد، فلا يمكنها أن تحرر غيرها. فإذا لم تتحرر من غلبة الهوى والنفس والشيطان، فلا حديث عن التحرر. فالتحرر ليس هو التمرد على الدين وإطلاق العنان للنفس لتفعل ما تشاء، بل إن إلجامها وكبح جماحها هو قمة التحرر.

كما أن التحرر يكون بالعلم والفهم والثقة؛ فالعلم نور للعمل، والفهم السليم لما يجري حولنا أساسه، أما الثقة بالنفس فهي الإرادة التي تحرك الكل.

أما النفس النائمة القابعة في البيت، التي تلعن وتسبّ الكفار، فضررها أكبر من نفعها. لذلك لا بد من التحرر من النظرة الدونية لأنفسنا، ومن الاعتقاد بأننا عاجزون غير قادرين ولا نملك القوة للفعل. بل إننا نملكها، وسنملكها إن نحن أردنا ذلك، إذا تحررنا من العجز والكسل والفراغ، ومن الفهم التجزيئي للأشياء، فلا بد من الربط بينها.

فلا نتيجة بدون سبب؛ فحال أمتنا وتخلّفها سببه الفساد، وسببه أيضًا الموالاة للأعداء والتحالف معهم. غير أن التغيير لا يأتي بضربة لازب، ولا بعصا سحرية، ولا بين عشية وضحاها؛ بل هو صبر طويل، وعمل دؤوب، ومعيّة مع الله دائمًا وأبدًا. فمتى استوفت شروط النصر، وضع الله يده فأبهر بعطائه، وما حصل في غزة عنا ببعيد.

وهذا هو الأصل؛ فالله جل في علاه يرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويعزّ قومًا ويذلّ آخرين. ولن يغرّنا المتعاظمون والمستكبرون، المستمطرون المدد المادي ـ وهو ضروري حتمًا ـ متناسين بذلك المدد الإلهي، الذي إذا أعطى أبهر، وإذا وضع يده اختلّت الموازين.

ونحن نعيش اليوم ذكرى بدر العظيمة، وما أشبه الأمس باليوم! فمع توالي الأيام وتغيّر الزمان والمكان يبقى السبب واحدًا، والمسبّب واحدًا.

فغزوة بدر كان لها هدف، لكن الله صنع بها عزًا وكرامة ونصرًا مبينًا أفشل كل مخططات الأعداء؛ صنع الله، ومن أحسن من الله صنعًا.

نفوس نالت من القهر والتضييق والتعذيب والتنكيل والإهانة والذل ما نالت، لكن بإرادة رب كريم ومشيئته تحقق لها فتح مبين، بعدما تهيأت النفوس وتقربت، وعلمت أن الكينونة مع الله ومحبة محبوبه رأس الأمر كله؛ فالدعاء والتضرع، والإرادة القوية، والفهم العميق لسنن الله وقوانينه التي تحكم هذا الكون، مع الاستعداد المادي، كلها أمور لا بد منها.

فكانت غزوة بدر الكبرى تمكينًا للمسلمين، وخارطة طريق لفتوحات أكبر وأعظم.

ومن هنا، فإن الأمل في نهضة الأمة باقٍ ما بقي في الأمة من يجدّد إيمانه، ويصحّح فهمه، ويستنهض إرادته للعمل والبذل. فسنن الله لا تتبدل؛ من أخذ بأسبابها نال ثمرتها، ومن صدق مع الله صدق الله معه.

وما بدر إلا شاهد حي على أن لحظات الضعف قد تكون بداية الفتح، وأن مع العسر يسرا، وأن الله إذا أراد أمرًا هيّأ له أسبابه؛ فطوبى لمن كان جزءًا من صناعة هذا التغيير، وساهم في بناء الغد المشرق لأمته

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.